آداب المجالس 7

آداب المجالس 7

الدرس في آداب المجالس 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب المجالس والهيئات المنهي عنها في الإسلام

يتحدث هذا الفصل عن آداب المجالس والهيئات التي نهى عنها الشرع، مثل الجلوس في وسط الحلقة والجلوس بين الظل والشمس. كما يشير إلى بعض الهيئات التي لا تعتبر منهيًا عنها شرعًا مثل مد الرجلين اتجاه القبلة.

حكم الاحتباء يوم الجمعة والجلوس في الطرقات

يناقش هذا الفصل حكم الاحتباء يوم الجمعة أثناء خطبة الإمام، حيث ذهب بعض التابعين إلى كراهته، بينما أجازه جمهور العلماء إذا لم يؤدي إلى مفسدة. كما يتناول النهي عن الجلوس في الطرقات إلا إذا أديت حقوق الطريق.

آداب المجالس في الطرقات والمنازل وتوجيهات النبي

يتناول هذا الفصل آداب المجالس في الإسلام، حيث نهى النبي عن التفرق في المجالس وأمر بالتجمع. كما بين حق الطريق عند الجلوس فيه، مثل غض البصر وكف الأذى ورد السلام.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في آداب المجالس، وخاصة ونحن في هذا الفصل في ذكر المجالس والهيئات التي نهى عنها الشرع، فمر من ذلك ما جاء في بعض الأحاديث من النهي في الجلوس في وسط الحلقة، وهكذا ما كان الجلوس بين الظل والشمس، وكل ذلك يعتمد على صحة الأحاديث المروية في هذا الباب. وأشرنا كذلك إلى أن الإنسان يراعي المسلك الشرعي، كذلك عليه أن يتنبه للمسلك العرفي، فإن تعرف الناس على ذم جلسة من الجلسات فلا تأتها، كما قلنا كحال من يضجع أمام الناس، أو ذاك الذي يمد رجليه في وجوههم، فإن هذا قد جرب، وقد ذكر في بعض أعراف الناس أنهم يستنكرونه إلا من عذر. أما من كان معذورا، مثلا في أن يمد رجليه لكبر السنة أو لمرض في قدميه، فكان لابد لهم من المد، فحينها ينبغي أن يراعيه الناس في مجلسهم، وأن يستسمحوا في هذا الباب، أو كان المجلس من المجالس الذي لا يأبه لمثل هذه الأمور، كمجالس الإخوة والأقارب، التي لربما يكون بينهم من التساهل ما ليس عند غيرهم، فهذا لا شيء فيه. وهنا أشير إشارة كذلك، وهو ملحظ لربما قد يفهم لغير فهمه، عندما تطرقنا إلى مسألة مد الرجلين، كان الكلام حول المجالس، وخاصة إذا كان هناك من يقابلك، لكن هل هذه المسألة تنسى في حق من مد رجليه إلى جهة القبلة؟ لأن بعضهم قد يستدل بهذا الكلام السابق، وأن هذا مما لا ينبغي، فيقول: إذا ما ينبغي حتى أنا جالس أن أمد رجليه اتجاه القبلة. وهذا أمر صحيح قد انتشر عند عامة الناس أنهم لا يفعلون ذلك، بل ينكرون على من فعله، فإن رأوا أحدا، سواء كان في المسجد أو في خارج المسجد، مد رجليه إلى القبلة، فإنهم يستقبحون ذلك منه، فهل هذا الأمر كذلك؟ الجواب: لا، الأمر ليس كذلك، فلم يثبت شيء في شرع الله عز وجل، ولا من أقوال العلماء في ذم هذه الهيئة، أو في استقباحها، أو في التشنيع عليها وعلى صاحبها. وعلى هذا فتاوى العلماء، فلينظر القارئ إلى ما صرحه العلماء لهذه المسألة بالذات، فهم لا يستنكرونها، بل يرونها جائزة، ما في شيء أنك تمد رجليك ولو كانت ممدودة اتجاه القبلة، سواء كنت في المسجد أو كنت في خارج المسجد، أو كنت جالسا أو كنت كذلك مضطجع، فليس في ذلك كراهة ولا نكران. كذلك من الهيئات التي جاءت الأحاديث في النهي عنها ما يتعلق بالاحتباء، نهى عن الاحتباء، وخاصة في يوم الجمعة عند خطبة الإمام، عند خطبة الخطيب، نعم، جاء حديث في هذا الباب عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. والاحتباء نوع من أنواع الجلسات، وهيئة من هيئة الجلوس، وهو أن الرجل يضم فخديه إلى بطنه، إما عن طريق يده بضم اليد، أو عن طريق عمامة أو سير أو ثوب، نحو ذلك من تلك الأغراض التي أعدت لمسألة الحبوة، فهذا الحديث في ظاهره فيه النهي عن استخدام الحبوة في أثناء خطبة الجمعة. وقد مال إلى هذا القول جماعة من التابعين، ذهبوا إلى الكراهة، إلى كراهة ذلك، أن ذلك يكره، لأن ذلك مظنة النوم، وما ظن نقض الوضوء، نقض الطهارة، إلا أن المتتبع لكلام العلماء في هذه المسألة يجد أن أكثر العلماء على جواز الاحتباء، أكثر العلماء على جواز الاحتباء. حتى ذكر العراقي رحمه الله تعالى أن أكثر العلماء قالوا بالجواز، بل ثبت ذلك عن بعض الصحابة، كابن عمر رضي الله تعالى عنه، كان يحتبي والإمام يخطب، ثبت كذلك عن أنس، وعن جماعات من السلف، بل هو مذهب المذاهب الأربعة على جواز الاحتباء في يوم الجمعة. فقد يقول قائل: وكيف هذا؟ ألم يرد الحديث في هذا الباب؟ نعم، الحديث مروي في هذا الباب، لكن من حيث التحقيق والنقد، تجد أن هذه الأحاديث معلة، ضعيفة، فيها بعضها بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن، وبعضها فيها كذاب، وبعضها فيها متهم، ولهذا فالعلماء لم يرفعوا بها رأسها، هذا وجه. وعلى هذا القول، فنقول: والله تعالى أعلم أن الأمر يكون الجواز، فلا بأس أنك تحتبي يوم الجمعة، وأن الحديث المروي في هذا الباب لا تقوم به الحجية لضعفه، وإن كان كما قلنا جماهير العلماء يشد بعضه بعضا في ترجيح الحديث للحجية. لكن على هذا القول، مثلا، فلو قلنا بالحجية، فجماهير العلماء نبهوا على تنبيه، وهو على القول بجواز الاحتباء ليوم الجمعة، لكن بشرط أن لا يؤدي هذا إلى مفسدة، ومن هذه المفاسد في الاحتباء أن لا تنكشف العورة، فإذا كان هذا المحتبي تنكشف عورته، فيحرم عليه الاحتباء ليوم الجمعة، بل في أي ساعة من ساعات جلساته، كان هذا يؤدي إلى كشف عورته، هذا وجه. أو كان الاحتباء يؤدي إلى النوم، يؤدي إلى النوم، بعض الناس إذا احتبى يغلبه النوم، فمن رأى أن هذا من نفسه، إذن ما ينبغي، بل يكره الاحتباء في حقه، وهل يلحق بهذا الاتكاء على سارية وعلى جدار؟ نعم، بعض العلماء ألحق هذا، قال: إذا كان الاحتباء منهي عنه يوم الجمعة، فكذلك الاتكاء منهي عنه. لكن نقول كما على التفصيل السابق، إذا كان هذا يؤدي إلى النوم، فلا، وهذا تنبيه لكافة المصلين ولمن يحضر الجمعة، فبعض الناس اعتاد أن يأتي من بيته إلى المسجد، ثم يمسك الزاوية اليمنى أو اليسرى، وقد أعد العدة على النوم، يعرف أنه في هذا المكان، ومع هذا الاتكاء، ومع هذا التبريد الموجود في المسجد، فإن هذه لحظة للتملذ بالنوم، فينام إلى أن يقوم بصلاة الجمعة. فهذا يا عبد الله منهي عنه، وصلاته كذلك مشكوك فيها، لأن على الصحيح من أقوال العلماء أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، ناقض من نواقض الوضوء، فشاهد إخواني في الله، وخلاصة الباب، أن الإنسان يحرص على أن لا يجلس جلسة تؤدي إلى النوم، فإن كان كذلك فليغير هذه الجلسة، ومنها الاحتباء، وإلا الأصل أنها جائزة. كذلك من هذه المجالس التي نهى عنها المسلم أن نهى عن الجلوس في الطرقات، في طرقات الناس، وفي أماكن المرور، فقد جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فدل على أن هذا المكان لا ينبغي أن تجلس فيه، يعقد مجلس في طريق الناس، وفي مرور الناس، لا يجوز. لكن استثنى الشرع أمرا واحدا، ما الذي استثنى؟ استثنى أنك تؤدي حق الطريق، فإن أديت حق الطريق فذاك، وإلا فلا يجوز أن تجلس، ولهذا لما قال نبينا هذه العبارة: «إياكم والجلوس في الطرقات»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. أي لا بد، يعني ما يمكن، وخاصة أن في تلكم البيوت في أوقاتهم كانت البيوت ضيقة، لم تكن عندهم سعة كسعة هذه الأزمان، غرفة الضيوف، غرفة استقبال، غرفة، ما كان عندهم غرف، الواحد عندهم عنده غرفة واحدة أو اثنتين بالكثير، وكان ضيقة لا تسع المجالس الخلق، وكانوا على قلة حال، فكانوا يستعوضون ذلك بالطرقات، يجد في طريق الناس، فيفترشوا، يجلسون. وهذا الآن الذي عندنا، أكثر الناس الآن مجالسهم في طرقات الناس، خاصة ما يسمى بالمقاهي أو المشارب أو الكفتيريا أو الكوفيه، ومثل هذه الأماكن، تجدها معدة في طرقات الناس، في طرقات الناس، فهكذا أصبحت مجالس الناس تعد وتحدث في طريق ومرور الخلق. فقال عليه الصلاة والسلام، بعدما قال الصحابة: ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، وجاء من حديث أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، ليشق علينا الجلوس في بيوتنا، فقال رسول الله: «أما إذ أبيتم، فاعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»، متفق عليه. هذه آداب إذا قمت بها، فهذا مسوغ لك أن تجلس في طريق الناس، أما إذا ما استطعت إلى ذلك، فإن هذا المجلس محسوب عليك، فلا يجوز أن تجلس فيه، وسأتي معنا في آداب الطريق ما يتعلق بهذه المعطيات التي ذكرت في هذا الحديث بإذن الله. وأخيرا إخواني في الله، كذلك من المجالس التي جاء أن نهى عنها، واستفاد من ذلك العلماء، أن نهى عن التفرق وعدم التجمع، أحيانا، وهذا الذي أصف فيه أن مجالس الناس تضم عددا من الضيوف، ومن الزوار، ومن الحضور، فأحيانا تجد أن هذا المجلس قد تشتت، أحد هنا، وذاك في الطرف، وذاك في الطرف، حتى أصبح الذي يتكلم في الطرف ما يسمعه الآخر، وذاك يرفع صوته، وذاك يرفع صوته. أو كذلك قل حتى في مجالس الذكر ومجالس العلم، تجد ذاك هنا، وذاك هنا، وذاك هنا، فيرى جماعة من أهل العلم إلى أن من المجالس المنهي عنها، ومن الصور والهيئات التي ما ينبغي أن تكون في مجالسنا، هذه المظاهر، مظاهر التفرق والتشتت، وإنما ينبغي لمن حضر مجلسا من المجالس أن ينضم بعضه إلى بعض. والدليل على هذا ما رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه، قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلك من الشيطان»، فقال الراوي أبو ثعلبة: قال، فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض. كان الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في مجالسه في مجالس العلم والذكر، كان إذا رأى هذا التفرق في طلاب العلم، ينصحهم، يقول: اجتمعوا يا إخوة، اجتمعوا، اجتمعوا، ثم يستدل عليهم بهذا الحديث، بحديث أبي ثعلبة الخشني، والذي فيه الأمر بأن تجمع الجموع والحضور. حتى قال الراوي في حديث أبي ثعلبة الذي مر معنا آنفا، قال الراوي: حتى لو أن أحدهم أنقى عليهم بساطا لعمهم لكان البساط قد عم الجميع، لقربهم بعضهم من بعض، ولشدة التصاقهم، امتثالا لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من باب المبالغة. فشاهد إخواني في الله، فيذكر العلماء أن من الصور المنهية في مجالسنا التفرق والتشتت، وأن الشخص إذا دخل مجلسا من المجالس يحاول أن يضم بعضه إلى بعض، فهذا إخواني في الله ما يذكر في هذه الآداب، وخاصة في هذا الفصل من ذكر المجالس التي نهينا عن جلوسها، هيئة أو اجتماعا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.