الدرس في التعليق على أصول في التفسير 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأ الدرس بتوطئة تشير إلى أهمية الموضوع المطروح، مع التعبير عن الأمل في أن يكون بداية خير بإذن الله. هذه المقدمة تضع الأساس لما سيتم تناوله فيما بعد.
نزل القرآن الكريم في ليلة القدر في شهر رمضان، وهناك خلاف بين العلماء حول كيفية نزوله، هل نزل كاملاً في ليلة القدر أم نزل مفرقًا على النبي صلى الله عليه وسلم على مدار ثلاثة وعشرين سنة. هذا الخلاف يبين أهمية فهم كيفية نزول القرآن.
جبريل عليه السلام هو أفضل الملائكة وأقربهم إلى الله عز وجل، وقد نزل بالقرآن من عند الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يبين مكانة جبريل ودوره المحوري في إيصال الوحي للنبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الشيخ معتامين رحمه الله: نزول القرآن كان كيف نزل القرآن؟ وسيأتي أيضًا أول ما نزل من القرآن. قال: نزل القرآن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ليلة القدر في رمضان. قال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، وقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾، وقال جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾. فلا خلاف بين العلماء أن القرآن نزل في ليلة القدر، نزل في ليلة القدر في رمضان. لكن كم كانت هذه الليلة؟ فبعض العلماء يقول أنها ليلة القدر. وجاء في حديث عند أحمد والترمذي، صححه الشيخ الألباني، أنها في ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين. لكن استشكل بعضهم كيف سيكون في ليلة إحدى وعشرين، والذي جاءت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ليلة القدر تكون في أوتار العشر. وهذا في ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين. لكن يمكن أن يجعل الرد على هذا الإشكال بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه قال: الليالي ليالي العشر تكون أوتارًا وشفعًا. إن كان مثلًا ليلة الثالث والعشرين تكون ليلة الثالث والعشرين متى؟ إذا كان رمضان ثلاثين. إذا كانت تسعة وعشرين تكون ليلة ثلاثة وعشرين، إذا كانت رمضان ثلاثين تكون ليلة أربعة وعشرين نفس الليلة. ولهذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون في قيام النبي صلى الله عليه وسلم في غيره: في ثلاث بقين، في خمس بقين، في سبع بقين، أي ثلاث أيام بقين من الشهر، على ثلاث ليالي: ليلة السابع والعشرين، والثامن والعشرين، والتاسع والعشرين. وعنى إذا كانت ليلة أيضًا ليلة زائدة، ليلة الثلاثين، ستكون هذه التي بقيت هي ليلة الثامن والعشرين، وليست ليلة السابع والعشرين. فقد يكون الأوتار شفعًا وترًا. لكن المهم أن القرآن نزل في ليلة القدر، أنه نزل في ليلة القدر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء لتصريح القرآن بذلك. لكن كيف كان نزوله؟ هل كله نزل في ليلة القدر نزولًا كاملًا؟ ومعلوم أن نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نزل منجمًا، نزل بحسب الأحداث، ليس كله نزل معًا، في ثلاثة وعشرين سنة من زمن النبي عليه الصلاة والسلام وحياته عليه الصلاة والسلام، والقرآن ينزل حتى مات عليه الصلاة والسلام، فانقطع الوحي. فثلاثة وعشرين سنة على القول المشهور من أقوال أهل العلم نزل فيها القرآن. فكيف يقال أنه نزل في ليلة القدر؟ فلهذا العلماء لهم توجيهات على هذا. من القول المشهور عند أهل العلم، الذي جاء عن ابن عباس، وعن جماعة من أصحابه، أصحاب ابن عباس، كطاووس ومجاهد، على أن هذا النزول إنما النزول أنزله الله عز وجل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وجاء في رواية: إلى بيت العزة. معنى إلى السماء الدنيا. ثم نزل مفرقًا بحسب الحوادث. هكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه. وهذا الأثر الذي جاء عن ابن عباس جاء من طرق تدل على صحته. لكن تسميته بيت العزة جاء من طريق واحد، وبعض العلماء يشكك في هذه التسمية. والمهم أن ما هي التسمية، معنى سواء كان سميناه بيت العزة أو غيره، المهم أن القرآن هذا نزل إلى السماء الدنيا. هكذا جاء عن ابن عباس. وبعضهم يقول أن هذا ما يقال من قبل الاجتهاد. وبعض العلماء قال: لم يرتض هذا القول. وقال: إنما قول الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، أي كان ابتداء نزوله يوم ليلة القدر. كان ابتداء نزوله ليلة القدر. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث كان في رمضان يذهب إلى غار حراء. كان حبب إليه الخلاء عليه الصلاة والسلام. كان يذهب إلى غار حراء ويجلس الليالي ذوات العدد يتحنث، أي يتعبد. يجلس في غار حراء يتعبد حتى جاءه جبريل عليه السلام. فالآن النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان يجلس في الغار، فجاءه فقالوا أن ابتداء نزول القرآن كان في تلك الليلة في ليلة القدر، ومجيء جبريل وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ». فقالوا: فالمراد ابتداء القرآن كان في ليلة القدر. وهذا ممكن لأنه في لغة العرب قد يطلق على الابتداء نزول الشيء معناه متى. مثلا يقال: متى جاء المدرسون إلى المدرسة؟ فيقول مثلا الذي يجيب: جاء المدرسون يوم كذا وكذا. هل هم جاءوا في هذا اليوم فقط؟ لا، جاءوا في السنة كلها، لكن ابتداء مجيئهم كان في ذلك الوقت. فقالوا: فقوله جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، أي ابتداء نزوله. وهذا توجيه صحيح. وهذا توجيه صحيح حتى ولو قلنا أنه نزل مثلا إلى بيت العزة، فهو لا يعارض هذا القول. لا يعارض هذا القول. ولهذا ذهب جماعة من العلماء كالشيخ محمد بن إبراهيم له رسالة في هذا، رد فيها على السيوطي في بعض خطأه. لأن السيوطي قال في كتاب الإتقان: أن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ووضعه في السماء الدنيا. وهذا خطأ. كأن جبريل هو الذي يتصرف في القرآن. وأيضا كأنه أراد نفي كلام الله عز وجل. ولهذا قال الشيخ: هذه دسيسة. لكن يقال: أن الله عز وجل هو الذي أنزل هذا الكتاب من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم يرسل به إلى جبريل. يعني يرسل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيتكلم بهذا الكلام، وهذا الكتاب العظيم. قال: فخلاصة الأمر أن هذا التوجيه الثاني لا يعارض الأول. حتى لو قلنا أنه نزل إلى بيت العزة. لكن متى كان نزوله؟ ليلة القدر. أول امتداده كان في نزول ليلة القدر. لكن هم يقولون القول الأول: أن نزوله إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. أن نزوله إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. لكن لو قلنا أنه نزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر أيضا ليس فيه تعارض. فهذا وجه صحيح. وهذا أيضا وجه صحيح. وكان الشيخ ابن تيمية في بداية أمره كان يقول بالوجه الثاني، ويقرره في كتبه كشرح الواسطية وشرح السفارينية. ثم في آخر وقته رجح هذا الثاني على أنه نزل إلى السماء الدنيا. والأمر سهل. المهم أن القرآن نزل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة القدر. قال: وكان عمر النبي عليه الصلاة والسلام أول ما نزل عليه أربعين سنة على المشهور عند أهل العلم. فقد روي عن ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم. وهذه السن هي التي يكون بها بلوغ الرشد وكمال العقل وتمام الإدراك. هذا هو المشهور عند أهل السير. أن أول ما بُعث النبي عليه الصلاة والسلام، أول ما جاءه جبريل كان وسنه أربعون سنة. أربعون سنة كان في شهر رمضان وفي ليلة القدر. واختلفوا في تحديد هذا اليوم من ناحية العد الزمني. قال: والذي نزل بالقرآن من عند الله تعالى إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل، أحد الملائكة المقربين الكرام. قال الله عز وجل عن القرآن: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾. فالذي نزل بهذا القرآن الذي أرسله الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام هو جبريل. وهذا لا خلاف أيضا فيه بين أهل العلم. لأنه قد جاءت النصوص بذلك. وهنا ذكر في الآية: الروح الأمين، هو جبريل. وقد جاءت النصوص المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بالإخبار بأن الذي كان يأتيه بالوحي هو جبريل. الذي يأتيه بالوحي هو جبريل. حتى لما قالت اليهود: جاء بعض اليهود كما جاء في صحيح مسلم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، إننا نريد أن نسألك عن مسائل لا يعلمها إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «أينفعكم ذلك إن أجبتكم؟» قالوا: نسمع. فسألوه عن الولد وعن كذا حتى أجابهم. فقالوا بعد ذلك: من الذي يأتي لك بالوحي؟ فقال لهم: «جبريل». فقالوا: هذا عدو اليهود من الملائكة. فأنزل الله عز وجل: ﴿من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾. فأيضا الله عز وجل ذكر جبريل في تنزيله للنبي عليه الصلاة والسلام الكتاب. فالمهم أنها قد جاءت النصوص الصريحة بأن الذي نزل الوحي هو الرسول الذي أرسله الله عز وجل إلى نبينا عليه الصلاة والسلام هو جبريل. وهل المراد أنه لما كان الوحي معنى كان الرسول الوحي هو جبريل؟ هل معنى أن كل القرآن نزله جبريل؟ لا، معنى هذا: منه ما سمعه النبي عليه الصلاة والسلام من ربه، ومنه ما كان بواسطة جبريل. ومنه أيضا ما أنزله بعض الملائكة. كما جاء في سورة الفاتحة، وكذلك آخر آيات من سورة البقرة، فإنها نزل بها ملك آخر. استأذن أن ينزل بها استأذن ربه جل وعلا أن ينزل بهذه الآيات إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم. قال: والذي نزل بالقرآن من عند الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، أحد الملائكة المقربين الكرام. وقد ذكر العلماء أن جبريل هو أفضل الملائكة. أفضل الملائكة لما وصفه الله عز وجل به الصفات العظيمة. قال: وقد كان لجبريل عليه السلام من الصفات الحميدة العظيمة من الكرم والقوة والقرب من الله تعالى والمكانة والاحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهارة ما جعله أهلا لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله. قال الله عز وجل: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾. مطاع أي يطيع الأوامر. وأيضا أمين. وكذلك قال جل وعلا: ﴿علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى﴾. فهذه الآيات تدل على عظمة هذا الملك جبريل عليه السلام عند الله جل وعلا. وكما قلنا أن العلماء اتفقوا على أن أفضل الملائكة هو جبريل. أولا لأن الله عز وجل جعله في مكانة عظيمة، وهو أول ما يتلقى الأمر من الله. كما جاء في حديث أبي هريرة: أن الله عز وجل إذا أحب عبدا نادى جبريل: «يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه». فينادي جبريل في الملائكة: «أن الله عز وجل يحبه فلانا فأحبه». فيوضع له القبول في الأرض. فانظر إلى هذا الحديث: أول ما يكلم الله عز وجل يكلمه جبريل. فلهذا كانت مكانة جبريل عند الله عز وجل عظيمة. وهو الذي ارتضاه سبحانه وتعالى لإرسال الوحي إلى خلقه وإلى رسله. قال رحمه الله: وقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾. وروح القدس غالبا الذي جاء في الآيات هو جبريل. سماه الله عز وجل روح القدس. فالقدس هو الله، وهذا روحه. وهذه منزلة عظيمة جعلها الله عز وجل لجبريل. قالوا: قد بين الله تعالى لنا أوصاف جبريل الذي نزل بالقرآن من عنده، وتدل على عظم القرآن وعنايته تعالى. فإنه لا يرسل من كان عظيما إلا بالأمور العظيمة. والوحي أمر عظيم. فأرسل له جبريل عليه السلام. وقال العلماء كما ذكر الإمام ابن أبي العز: أن أفضل الملائكة هم ملائكة الحياة، وهم ثلاثة: جبريل وميكايل وإسرافيل. جبريل هو يحيي الأرواح. يحيي الأرواح لأن غذاء الروح هو القرآن. الروح تتغذى بالقرآن كما أن البدن يتغذى بالطعام والشراب. فالروح تتغذى بالقرآن. فلهذا فيحيي هذا القرآن الذي أنزله الذي الواسطة هو جبريل. فيه يحيي العباد، يحيي البلاد والعباد، أي بشرع الله جل وعلا. وأما ميكايل فعلى المشهور أنه ملك القطر، ملك المطر الذي ينزل المطر من السماء. وكله الله عز وجل بهذا. فهو يحيي الأرض بعد موتها. أقصد القطر الذي يحيي الأرض بعد موتها. فهو أيضا من ملائكة الحياة. وإسرافيل الذي اشتهر عند العلماء أنه نافخ الصور، ينفخ في الصور. فلهذا فهو يحيي الناس بنفخة البعث. ينفخ ثم يحيي الناس. فلهذا قال الإمام ابن أبي العز: أن العلماء قالوا: ملائكة الحياة ثلاثة. وأيضا ذكر أنه أن أفضلهم جبريل. فهذه بعض الربور التي ذكرها هنا المؤلف رحمه الله في نزول القرآن. ثم بعد ذلك سيذكر أول ما نزل من القرآن. ما هو أول ما نزل من القرآن؟ طيب إن شاء الله نفتح بهذا.