آداب المشي والركوب 10

آداب المشي والركوب 10

الدرس في آداب المشي والركوب 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم ذكر الركوب وأدلته

اختلف العلماء في حكم ذكر الركوب هل هو خاص بالسفر أم عام في كل ركوب، والراجح هو القول بالعموم مستدلين بآية الزخرف.

آداب ركوب المركبات وتعليق الأدعية

يشرع تعليق أدعية الركوب في السيارات للتذكير بالدعاء، ولا يجوز بقصد الزينة أو دفع العين والحسد، وذكر الله في الركوب يبعد الغفلة ويجلب البركة.

تطبيق آداب الركوب في مختلف المركبات

لا يشرع دعاء الركوب في المصعد الكهربائي لأنه أقرب إلى الدرج، وينصح بذكر الله أثناء الركوب لما له من فضل في دفع السوء ونفع الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مما مضى إخواني في الله، وفيما ذكرنا من آداب الركوب، ما يتعلق بالأدب الأول، وهو الإتيان بالذكر الوارد في هذا الباب. فإن مما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ركوبه أنه كان يدعو الله بهذا الذكر: أن تسمي الله، بسم الله، ثم تقول: الحمد لله، ثم تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله ثلاثًا، والله أكبر ثلاثًا، اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وذكرنا ما يتعلق بمعنى هذا الورد، ثم تأتي مسألة ثانية. وهي من المسائل المهمة المتعلقة بهذا الذكر الوارد في الركوب، هل هذا الدعاء يؤتى به في أي ركوب أم أنه مخصوص؟ ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الذكر إنما هو مخصوص في ركوب السفر فقط، من ركب هذا المركوب وأراد أن يسافر، ركب سفينة بحرًا، أو طيارة جوًا، أو سيارة برًا، وقس على ذلك وسائل النقل، وأراد بهذا التنقل أن يسافر، حينها تأتي بهذا الورد. فخصه العلماء بأنه ذكر مخصوص في حال السفر، وهذا كما قلنا جنح إليه جماعة من العلماء، وممن ذهب إلى هذا المذهب من المعاصرين، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، إذ أنه قال: أما الركوب العادي في البلد، فلا أعلم في الأدلة الشرعية ما يدل على مشروعيته. الركوب العادي تركب من هنا إلى طرف البلد، فيرى أن هذا الركوب ليس عليه دليل يدل عليه. ومن أعظم ما استدل به هؤلاء العلماء في تخصيصه بالمسافر، لأن أدلة السنة، سواء كان في حديث علي أو في حديث ابن عمر، فيه أن رسول الله كان إذا أراد أن يسافر قال هذا الذكر. فهذا هو المذهب الأول لجماعة من أهل العلم. والقول الثاني لطائفة من العلماء، لا يرون أن هذا الذكر مخصوص، عام في كل ركوب، سواء كنت في حال السفر أو لم تكن، كتنقلك في هذه البلاد من هنا إلى هنا، تنتقل من بيتك إلى السوق، أردت من بيتك إلى المسجد، أو من بيتك لزيارة أحد، فأي ركوب، سواء كان بالدراجة أو كان بالسيارة أو كان بأجرة، لأنه يشرع لك أن تأتي بهذا الذكر ولو لم تكن مسافرًا. وهؤلاء استدلوا بعموم الآية، بعموم الآية التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، فهذه الآية عامة في كل ركوب بنص القرآن، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾، فأي شيء تركبه وفي أي مشوار أردت، فالآية عامة. ولهذا الصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه جماعة من العلماء، لأن هذا الذكر عام تقوله في كل شيء أردت أن تركب عليه، سواء كان في سفر أو لم يكن في سفر. وهنا تأتي مسألة أخرى، إخواني في الله، ناسب أن تذكر في هذا المقام، ونحن لازمنا في الأدب الأول من آداب الركوب، وهو ما يتعلق بذكر الله. من ذلكم إذا علمنا أن هذا الدعاء: «سبحان الذي سخر لنا هذا» إلى آخره، مما يشرع أن يؤتى به، قال العلماء: فلا بأس أن الإنسان يجعل هذا الدعاء في نصق أو في ورقة، فيعلقها في سيارته، لا بأس بهذا. وهذا كثيرًا ما نجده في أصحاب السيارات وسيارات الأجرة، بل حتى من كان عنده مركوب شخصي، تجد أنه قد علق أمامه هذا الدعاء. فقال العلماء: لا بأس بأن يعلق هذا الدعاء، لكن انتبه لأمر، أنك تنظر في نيتك، على ماذا علقت هذا ولماذا علقت هذا؟ العلماء اشترطوا شرطًا: أنك إن علقت هذا الدعاء في سيارتك، وأردت منه مثلًا أن تذكر نفسك، تأتي تنسى، فأحببت أن تجعل هذا أمامك حتى تأتي بهذا الذكر، مثلًا، أو تجعله أمامك حتى تكرره ثم تحفظه، لا بأس. أو أنك تجعله لمن عندك يأتيك ركاب أشكال وألوان، وتحب أن تنال منهم أجرًا، يعني من دل على خير فكان له كأجر من عمله، فأردت أن من يركب ينظر ويأتي بالدعاء، سواء كان من أجره أو كان من أبنائك وعيالك أو من يركب معك، فإذا كان على هذا القيد فلا بأس، علق ولا بأس بهذا. لكن ما سوى ذلك لا يجوز التعليق، مثاله: زينة، أصبح بعض الناس يحب أن يعلق أشياء في سيارته من باب الزينة، يزينها، فإذا به يومًا من الأيام لاح لوح مذهب معصفر وكتب فيه هذا الدعاء، فأخذه وعلقه، وهو ما أراد بالتعليق ما أراد بالتعليم وما أراد الذكر أصلًا، إنما أعجب بهذه الزينة والزركشة، فأصبح يعلق، هل هذا يجوز؟ لا، ما يجوز. الوحي المنزل وما كان من القرآن والسنة ما جعل للناس لكي يعلق أو يزين به، لا في الجدران ولا في الأبواب ولا على سيارات، ما يجوز هذا. هذا ما يجوز. إذا كان قصدك الزينة، تزين السيارة بمثل هذه الملصقات، ولو كان بذكر الركوب، لأن قصدك الزينة، وهذا لا يجوز. أو من أراد من هذا الذكر أن يعلق في سيارته من أجل دفع العين، وأنبه على هذا، إذ أننا نجد من أصحاب السيارات ممن يخشى على سيارته من أن تصاب بعين، تصاب بحسد، تكون محل نظر الناس، فأراد أن يحميها فيحميها بأن يجعل فيه هذا الذكر. وهل هذا يجوز؟ الجواب: لا يجوز. وقد ذكر العلماء أن التمائم مطلقًا لا تجوز، ولو كانت بشيء من ذكر الله، لا يجوز أن تعلقها بقصد دفع العين ودفع النفس ودفع الحسد، هذا لا يجوز. بل بعضهم أعظم من هذا، يعلق مصحف صغير، يجعله في غطاء ويعلقه، وبعضهم يأتي بمصحف كبير ويجعله في المقدمة. لو أنك جعلت المصحف في سيارتك لأجل أن تقرأ القرآن في وقت فراغك، هذا طيب، هذا لا بأس به. وهكذا ينبغي أن يكون أصحاب سيارات عندهم مصاحف في سيارة لكي يقرؤون القرآن في أوقات فراغهم، متى ما سنحت لك الفرصة، لا. لكن بعض الناس يجعل القرآن لا لخير القراءة، وإنما لأجل دفع العين، هذا لا يجوز. وما هكذا تدفع العيون، بل أبواب أخرى. فنحاصل إخواني في الله، فنقول: على صحة الآثار المروية في أن هذا قد ثبت عن رسول الله بأنه أتى به في دعاء ركوبه: «سبحان الذي سخر لنا هذا»، فلا بأس أن يعلق لتذكر نفسك ولتذكر غيرك، أي من باب التعليم، لا بأس. أما إن تعلقه زينة لا، أو تعلقه لدفع العين لا، هذا لا يجوز. وأيضًا مما يذكر في باب التعليق، إخواني في الله، وفي دعاء الركوب، أن بعض الناس يشغل دعاء الركوب في المصعد، تعرفون المصعد الكهربائي، هذا يوجد. أذكر ما كنا في مصر في بعض العمائر، عندما تصعد في المصعد، أول ما يطوف بك يأتيك بدعاء الركوب: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين». فهل يشرع هذا؟ هل الصعود أو الركوب على المصعد الكهربائي من المواطن التي يشرع فيها أن تأتي بدعاء الركوب؟ سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن ذلك، فقال: لا، الظاهر أنه لا يقع ولا يشرع في هذا الموطن. قال: إن المصعد الكهربائي هو أقرب ما يكون كالدرج، كالدرج، والدرج لا يشرع فيه أنك تأتي بدعاء الركوب. ولهذا الصحيح أنك لا تأتي به. وإلا قد وجدت حتى في بعض المصانع تجعل برمجة خاصة لأي مصعد، أول ما تضغط عليه يأتيك بدعاء الركوب. لذا الصحيح كما قال العثيمين أن هذا ليس من هذا الباب. أخيرًا إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الأدب العظيم، وهو أنك تذكر الله جل وعلا في حال ركوبك، احرص عليه، احرص عليه، فإنه من الأمور العظيمة التي تجلب عليك البركة، وتبعد عنك الغفلة، وتبعد عنك الغفلة، إذ أن الإنسان يغفل متى ما غفل عن ذكر الله، وخاصة في حال ركوبه. ربط البراء بن عازب رحمه الله تعالى بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن الإنسان إذا ركب على مركوبه فلم يذكر اسم الله، ركب معه الشيطان». فقال له الشيطان: تغنى. الشيطان يؤزه إلى ماذا؟ إلى الغناء. ولهذا تجد أن كثيرًا من الناس ما تحلو لهم القيادة إلا بالغناء، إما أنه هو الذي يدندن يغني، وإما يجعل الغناء للمذياع والكاسيتات، هذا من وحي الشيطان. قال له الشيطان: تغنى. قال: فإن لم يحسن الغناء، قال له: تمنى. فيجعلك الشيطان تسرح، تسرح وتمرح في الخيال، وتمضي عليك الساعات الطوال وأنت غافل عن ذكر الله. هذا يجده كثير من أصحاب السيارات والشاحنات والقاطرات، يذهب من هنا إلى مكان بعيد، لو ربما ساعة أو أكثر ساعات، وهو مطبق ما يذكر الله عز وجل. فإذا غفل عن ذكر الله ركب معه الشيطان، فلا زال يوحي له بالإيحاءات، قال له: تغن، فإذا كان هذا الراكب ما يحسن الغناء، قال له: تمن، فتح له باب الأمنيات، فتجده يقود السيارة وخياله يسرح، يذهب بعيد إلى البر إلى البحر إلى المغامرات إلى الخيال، حتى يصل إلى وجهته وما ذكر الله سبحانه وتعالى. هذا متى يكون؟ إذا ركب الإنسان في مركوبه ولم يذكر الله. فاذكر الله يا عبد الله وأنت في ممشاك كما مر معنا في آداب المشي، وأنت كذلك في ركوبك، اذكر الله عز وجل تسبيحًا، تهليلًا، استغفارًا. فإن ضعفت لانشغالك بالقيادة، فلا أقل أن تشغل المذياع على إذاعة تبث القرآن الكريم، أو الكاسيتات التي فيها المواد النافعة مما يكون فيها نفع لك ولمن كان معك، وفيها البركة تحلك. وأيضًا تكون على عمل صالح، فلربما دفع الله عنك من السوء ببركة هذا القرآن، أو ببركة هذا الذكر الذي أتيت به وأنت في هذا الركب أو هذا المركوب. فهذا مما يذكر إخواني في الله في الأدب الأول من آداب الركوب، ما كان وما يكون في ذكر الله جل وعلا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.