آداب المصافحة والمعانقة 4

آداب المصافحة والمعانقة 4

الدرس في آداب المصافحة والمعانقة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم المصافحة بعد الصلاة وآراء العلماء

يناقش حكم المصافحة بعد الصلاة ويستعرض آراء العلماء في هذا الشأن، حيث يرى أكثرهم أنها بدعة أو مكروهة إذا كانت بقصد أنها سنة بعد الصلاة. اللجنة الدائمة للإفتاء ترى أنها بدعة وتستدل بكراهة الفقهاء لها.

تتمة الكلام عن المصافحة بعد الصلاة واستدلالات اللجنة الدائمة

اللجنة الدائمة للإفتاء ترى أن المصافحة بعد الصلوات الخمس بدعة، واستدلوا بكراهة الفقهاء لها، وأنها تقطع على الناس ذكرهم وأذكار الصلاة. بعض الناس يضيفون صيغة غير مشروعة مثل "تقبل الله" للمصافحة.

حكم المصافحة عند الفراق وخلاف العلماء حولها

تناول المقطع حكم المصافحة بعد الصلوات وخلص إلى عدم مشروعيتها، ثم تطرق إلى مسألة المصافحة عند الفراق واختلاف العلماء حولها. بعض العلماء رأوا أنها تشرع عند اللقاء والفراق.

خاتمة الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث درسه بالتأكيد على أهمية الأحكام والتفريعات الشرعية، ويدعو الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام، إخواني في الله، نتذاكر وإياكم ما يتعلق بأحكام المصافحة، ومضى معنا في درس أمس ما يتعلق بمصافحة النساء، وذكرنا الصور المتعلقة بهذا الباب وما يتعلق بأحكامها. ومما يذكر أيضًا من مسائل المصافحة ما يتعلق بالمصافحة بعد الصلاة. فبدايةً، إخواني في الله، قبل العروج على هذه المسألة، وهي في الحقيقة تتضمن صورتان ومسألتان، قبل الدخول فيهما أنبه وأنوه على أن المصافحة والسلام تكون عند اللقاء، ولو من دخل إلى مسجد، ما دخلت المسجد فوجدت أخًا لك تحب أن تسلم عليه وتريد أن تصافحه، لك ذلك، صافح وسلم. وقد مر معنا أن الصحابة لربما دخلوا المسجد فسلموا على من فيه. لكن تأتي مسألة، وهي ما يقوم به بعض الناس، أنه إذا دخل المسجد لربما سلم على صاحبه، ثم أقيمت الصلاة، فبعدما يصلي ويسلم يسلم مرة أخرى، ليس فقط لصاحبه، بل يلتزم أن يسلم على من عن اليمين ويسلم على من عن اليسار، ويرى أن هذا من تمام الصلاة، وأنها من المستحبات، وأن هذه الأوقات، أي الأوقات بعد الصلوات، مما يشرع فيه السلام والتحية والمصافحة. وهذا كما قلنا، ويدخل في كل الصلوات، كحال من يصلي النافلة، بعض الناس إذا صلى النافلة سلم، فوجد أحد إما عن يمينه وإما عن شماله، لا يقوم من مقامه إلا ويسلم. لماذا يسلم؟ لأنه يرى أن هذا مستحب، أنك تختم الصلاة والنافلة بالسلام، أو الفريضة، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم عن يمين وعن يسار، ضرورة يصافحون ويصافحون، أو قل هكذا في الجمعة. وهذا ملاحظ جدًا، أن بعض المصلين إذا صلوا صلاة الجمعة، بعدما يسلم، ما يقوم من مقامه إلا ويسلم على من عن يمينه ويسلم على من عن يساره. فأصبحت هذه من الأمور التي لربما في المساجد، ولله الحمد التي فيها العلم والسنة، لا تظهر هذه الظاهرة أو تبدو للناس، لكن في بعض المساجد التي قل فيها العلم ولم تظهر فيها السنة، تجد أن الأمر قد استشرى بين المصلين، حتى أصبحت هذه الظاهرة عند الرأي يرى أنها من السنن، يراها أنها من السنن. ومن هنا كانت فتاوى العلماء، وأكثر العلماء على عدم مشروعية المصافحة بعد الصلاة، وخاصة في حق من يرى أنها مستحبة في هذا الوقت خاصة. ولهذا قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: «إن المواظبة عليها، أي على المصافحة بعد الصلاة، إن المواظبة عليها بعد الصلوات خاصة، قد تؤدي بالجهلة إلى اعتقاد سنيتها»، أي أن الجاهل هذا الذي صار بعض الناس يفعل هذا، إن قيل له: لم تفعل هذا؟ يختار الناس، كل الناس على هذا، إمام المسجد يرى، وصاحبي، وهذا، وهذا، فيشير إلى خلق الله أنهم اعتادوا على هذا، فيرى أنها سنة، فيرى أنها سنة. وإلا فالعلماء، أكثر العلماء، إما أن يطلقوا بالبدعية أنها بدعة، أو أنهم ذكروا الكراهة. ولهذا نقل أيضًا ابن عابدين رحمه الله تعالى عن بعض الفقهاء أنهم قالوا: «تكره المصافحة بعد الصلاة بكل حال»، تكره المصافحة، فهي مكروهة. وقد صرح شيخ الألباني رحمه الله تعالى بالبدعية. وحالوا في هذا الباب كحال من سبق من علماء أجل، كذلك ذهبوا إلى البدعية. يقول علامة الألباني رحمه الله تعالى: «أما المصافحة عقب الصلوات فبدعة لا شك فيها، إلا أن تكون بين اثنين لم يكن قد تلاقيا قبل ذلك، فهي سنة»، هذا أمر آخر، أمر آخر، كوني أصلي، فبعدما صليت، فإذا بي صاحبي عن يميني، فهنا أسلم عليه، لا بقصد أن هذا الوقت وقت مصافحة، لا، لأن هذا الوقت هو وقت التلاقي الآن، قد لقيته الآن، قد لقيته، فأسلم عليه في حاله، وأنا أنت، وأتحدث معه، وأعادي هذا، ليس فيه شيء، لأن قد تلاقينا، وهذه من السنة عند اللقاء. لكن أن تجعل هذه السنة، بغض النظر لقاء أو عدم لقاء، فهذه بدعة. وعلى هذا المنوال، سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء حول المصافحة بعد الصلاة، فقالوا: «التزام المصلي السلام على من هم عن يمينه ومن عن يساره عقب الصلوات الخمس بدعة»، أن هذه بدعة. والأقوال كثيرة، ولهذا ينسب هذا القول إلى أكثر الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية، على كراهة وبدعية وعدم جواز المصافحة بعد الصلوات، بحجة أنها من الأمور المستحبة، ولا يجوز هذا إلا في حال كما قلنا: أخوك أو قريب لك صلى بجنبك، فتحب أن تسلم عليه، سلم عليه، عبد الله، لأنك قد لاقيته الآن. أضف إلى ذلك أن هذا الفعل في حد ذاته ليس مشروعًا، ثم أن هذا الفعل غير المشروع ترتبت عليه أمور، من هذه الأمور التي تؤثر على المصلين كذلك، أنك تقطع على الناس ذكرهم ووردهم وقراءتهم لأذكار الصلاة. فتجد أنك تسلم في مجلسك، تسبح الله عز وجل، فتجد هذه اليد مدت، فتسلم عليها، ثم تقبل على صلاتك، فإذا باليد الأخرى عن الجهة الأخرى مدت، فتسلم عليها. ما هو الغرض من هذا السلام؟ وهذا السلام، والمصلي منشغل بذكر الله وبورده، وهؤلاء أشغلتهم هذه المسألة، وهي غير مشروعة. أنت يا عبد الله في مصلاك، بعدما تسلم، تأتي بالأذكار الواردة، ثم تنصرف، إلا إذا كان هذا تريد بحاجة، سلم عليه واجلس معه. أما أنك تقوم هكذا، السلام مجرد، في ظنك أنه مشروع، ثم تقطع على الناس أذكارهم وأورادهم، حتى يتأفف ويتأذى بعض المصلي من هذا، فهذا لا يجزي، عبد الله، بل هذا سيؤثر عليك في ماذا؟ في مسألة أعمالك. وزد على ذلك مسألة أخرى تفرعت عن هذه المسألة، وهي الصيغة. تجد أن بعض من يسلم بعد صلاة، ماذا يقول؟ ما يقول السلام عليكم، لا، ماذا يقول؟ تقبل الله، ماذا؟ تقبل الله. هذه يعني قد مرت معنا، إخواني في الله، صيغ السلام، وأن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في هذا الباب. وقد أطلنا النفس في مباحث إلقاء السلام ورد السلام، لكن بقي: هل مر علينا في السنة أن السلام يقول: تقبل الله؟ لا، ما عندنا. تقبل الله، تجعله بعد التحية، لكن بعض من يستعوض عن السلام، بل يرى أن هذا هو السلام الخاص في هذا الوقت، فهو وقت غير مشروع، ثم أضفت له صيغة غير مشروعة. وهذا، إخواني، من شؤم الخروج عن الهدي النبوي. فتجد بعضهم يقول: تقبل الله، تقبل الله، تقبل الله. من أين جئتم بهذه الصيغة؟ إن كان وربط السلام عليكم ورحمة الله، وانصرف، لكن ما يأتم بهذه الصيغة، جل من يبتلى بهذه المصافحة، يأتي بهذا الورد غير الشرعي. ولهذا، إخواني في الله، فالجواب لهذه المسألة التي يسأل عنها كثير من الناس: ما حكم المصافحة عقب الصلوات؟ نقول: لا يجوز، لا يجوز، إلا لمن كان هناك شخص تريده، عن لقاء، فسلم عليه وصافحه، واجلس معه، واتكلم كما تريد. لكن مصافحة مجردة، لأنك تعتقد أن هذا الوقت وقت استحباب المصافحة بعد الصلوات، فكما سمعت، أكثر العلماء على كراهة ذلك. الصورة الثانية من صور المصافحة، المصافحة بعد الصلاة، في حق من خص المصافحة بعد صلاتي الفجر، الصبح والعصر. بعض الناس يفعل المصافحة، لكن متى؟ يخصها في هذين الوقتين، الفجر وبعد العصر. ولم هذا الاختيار؟ هذا الاختيار تم عند بعض الناس، لما علم أن هذا الوقت فيه من الفضائل ما يكون من تناوب الملائكة في الفترتين، الفترة المسائية والفترة النهارية. فقد جاء في الحديث الصحيح: أن في صلاة الفجر تنزل ملائكة النهار وترتفع ملائكة الليل، وفي صلاة العصر ترتفع ملائكة النهار وتنزل ملائكة الليل. وعلى هذا دوالي، فيكون التعاقب بين الملائكة على ماذا؟ على هذه الأرض، بين صلاتي الصبح وبين صلاتي العصر، للفترة الصباحية والمسائية، في حضرة الملائكة. طيب، هذا الحديث نعم، ورد في هذا التعاقب. بقي يأتي من يأتي من بعض الناس ويقول: إذن هذا وقت مبارك، ماذا تريد؟ إذن نستغل بركة هذا التعاقب بأن نتصافح. فانظر يا عبد الله إلى بعد الاستنتاج وإلى هذا الاجتهاد الذي ليس له برهان شرعي. نسألهم سؤال: من أخبركم بهذا التعاقب؟ يقول: ألا ترون كيف صح عن رسول الله أنه قال هذا؟ السؤال الذي بعده: وهل فعل رسول الله هذه الفعلة الذي أخبركم بالتعاقب؟ هل شرع لنا المصافحة هو بنفسه، صلوات ربي وسلامه عليه؟ الجواب: لا، لم يصافح هو، ولم يأمر غيره، ولا حث أمته على هذه المصافحة. حتى وجدنا أن من الناس، وقد رأيت هذا كما رأى غيري، أن في بعض المساجد أنه لربما وقفوا صفوفًا بعد صلاة صبح وبعد صلاة العصر، عند الانصراف، إما داخل المسجد يقومون قيامًا، الكل يسلم على الآخر بالدور، أو عند مخرجهم من المسجد. وهذا قد رأيناه، وكما قلنا: ولله الحمد، المساجد التي بنيت على السنة وفيها العلم، لا تجد مثل هذه الظواهر، لكن في غيرها من المساجد التي عم فيها الجهل ولم يظهر فيها السنة النبوية، تجد هذه الأمور ماثلة أمامك، تجدها نهارًا جهارًا، يصطف الناس على صفين، الكل يسلم على الآخر، في صلاتي الصبح وفي صلاة العصر. لماذا هذا؟ هذا بأنهم يرون أن هذه الأوقات من الأوقات المباركة التي تشرع فيها المصافحة. وكما سمعت من ذكر، ومن مضى ذكرهم من العلماء، من المالكية ومن كثير من الشافعية ومن الحنفية، على كراهة وعلى بدعية التسليم والمصافحة بعد الصلوات، ويندرج في هذا صلاتي الصبح وصلاة العصر. ولهذا، العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، عندما سئل عن هذه المصافحة، فقال رحمه الله: «المصافحة عقب الصبح والعصر من البدع»، من البدع، إلا لقادم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة، كما قلنا: عند اللقاء، هذا أمر آخر، اللقاء أمر آخر. لكن نجد نتكلم عن من يظن أن هذا الوقت وقت مباركة، ووقت يستحب فيه المصافحة. قال: «من البدع»، إلى أن قال رحمه الله: «والخير كله في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم». هذا ما يتعلق، إخواني في الله، في المصافحة بعد الصلوات، إما بجميع الصلوات أو بعد صلاتي الصبح والعصر، فيها المنع والحظر وعدم المشروعية. مسألة أخيرة نقتم بها المقام في مسألة المصافحة، وهي المصافحة، مرت معنا من أحكامها أنها تشرع عند اللقاء، فهل تشرع المصافحة عند الفراق أم لا؟ هذا نعم، محل خلاف. مثاله: عندما نلتقي أنا وإياك، نسلم ونتصافح، السلام عليكم، مع استحباب المصافحة كما مضى، جلسنا في مجلس، انتهينا وانتهى المقام، أردنا الانصراف، هل يشرع أني أمد اليد مرة ثانية أصافحك؟ حياك الله، السلام عليكم، أنصرف، هل يشرع هذه المصافحة التي عند الفراق؟ التي عند الفراق، هذه مسألة، نعم، وقع فيها خلاف من أهل العلم. يا من لا يرى المصافحة عند الفراق، يقول: ما عندي دليل، ما عندي دليل أن عند الفراق من المجالس أننا نتصافح، وإنما المصافحة عند اللقاء فقط، ووقتها ضيق، عند اللقاء، وبعدما نتجالس، نتسامر، نتحدث، ننصرف، كل يودع آخر بالسلام فقط دون المصافحة، هذا قول طائفة من الفقهاء وطائفة من أهل العلم. ومن يرى أن المصافحة تكون عند اللقاء وتكون كذلك عند الفراق، وممن ذهب إلى هذا القول وانتصر له العلامة الألباني رحمه الله تعالى، حيث قال رحمه الله تعالى: «والمصافحة تشرع عند اللقاء وعند الفراق»، فيرى أن الفراق كذلك من الأماكن التي تشرع فيها المصافحة. مع أنه رحمه الله سلم على أن المصافحة عند اللقاء أدلتها أقوى وأظهر وأبين من أدلة المصافحة عند الفراق، فهي أضعف، فهي ضعيفة. ولهذا أعظم ما استدل به الألباني رحمه الله تعالى وغيره من العلماء في مشروعية المصافحة عند الوداع، فيما يتعلق بقضية السلام. وقد مر معنا في مباحث السلام: أن السلام يشرع لمن أراد أن يدخل إلى المجلس، ويشرع كذلك لمن أراد أن يقوم من المجلس، ﴿فَلَيَسْتَأْذِنُواْ وَلْيُسَلِّمُواْ﴾، ﴿فَإِذَا قُمْتُمْ فَأْتُواْهَا﴾، «فليسلم»، «فليسلم»، «ليست الأولى أحق بالآخرة»، لو تذكرون هذا الحديث قد مضى معنا: «ليست الأولى بأحق من الآخرة»، فمن انتهى إلى مجلس فليسلم، ومن أراد أن يقوم فليسلم. فقال الشيخ الألباني رحمه الله: فإذا كان السلام عند اللقاء وعند الفراق، فالمصافحة تسير مع السلام، فالمصافحة تكون عند اللقاء وتكون كذلك عند الفراق. وكما ذكرنا، إخواني في الله، الأمر فيها سعة، والأمر في ذلك واسع، والأمر يتداوله العلماء بين مجيز وعدم مجيز. وكما سمعت، الأدلة، عمومات الأدلة تدل على أن المصافحة يمكن أن تكون عند الفراق. فهذه، إخواني في الله، مسائل المتعلقة بالمصافحة. وإن شاء الله مما سيأتي من الدروس القادمة، سنتكلم حول المسائل المتعلقة بالمعانقة والتقبيل، لأنها كذلك من المسائل التي تكون مقترنة بالمصافحة، ومما لها تعلق بالسلام. وزد على ذلك أن لها أحكام ولها تفريعات، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.