الدرس في شرح الباعث الحثيث 12، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يذكر الحافظ السلفي إجماع العلماء على صحة الكتب الخمسة، فيصحح الشيخ أحمد شاكر أن هذا تساهل لعدم اشتراط أبي داود والترمذي والنسائي الصحة، وينقل إنكار ابن الصلاح مع تأكيده أفضلية هذه الكتب على المسانيد.
يوضح الشيخ أحمد شاكر أن الحافظ العراقي أقر بصحة أصول الأحاديث في سنن أبي داود دون التزام بصحة كل إسناد، مبيناً اعتماد الفقهاء على أصل الباب وقوة القرائن، وأن التشدد في رد الحسن لغيره يعيق الفتوى.
يبيّن ابن الصلاح أفضلية كتب السنن على المسانيد لترتيبها على أبواب الفقه، ويستعرض تطور مفهوم الأصول السبعة بإضافة سنن الدارمي وابن ماجة إلى الصحيحين والسنن الأربع، مع التنبيه على كثرة الضعيف في سنن ابن ماجة، ويختتم بتعريف الأصول السبعة بأنها سنن الدارمي والسنن الأربعة والصحيحين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازمنا في توابع مباحث الحديث الصحيح، وبقي لنا مبحثان وندخل في الحديث الحسن. قال رحمه الله تعالى: العنوان للعلامة الشيخ أحمد شاكر: الكتب الخمسة وغيره. وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي، هو بكسر السين، السلفي، إمام حافظ من علماء القرن السادس، من كبار الحفاظ من أهل السنة السلفيين، له منظومة جميلة في البراءة من جماعة من الرؤوس المبتدعة. يقول: وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي، علق الشيخ أحمد شاكر: السلفي بكسر السين المهملة وفتح اللام مهملة لأنها ليست منقوطة، ويقابلها الشين المعجمة، نسبة إلى سلفة لقب لأحد أجداده، لقب بذلك لشق في شفته السفلى، لقب بذلك لأن شفته السفلى حصل لها قطع وكبرت، فكانوا يسمونه سلفة فنسب إليه، وقيل السلفي، وهو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد، أحد الحفاظ الكبار، قصده الناس من البلاد البعيدة ليأخذوا عنه، رجل صاحب رحلة مشهور، أبو طاهر السلفي رحمه الله، مات سنة ست وسبعين وخمسمائة، من علماء القرن السادس، وقد جاوز المئة بنحو ست سنين، وهو القائل: «أنا من أهل الحديث وهم خير فئة، جزت تسعين وأرجو أن أجوز المئة»، أو المية، وجاوزها رحمه الله، فهو من المعمرين الذين يجاوز عمرهم مئة سنة، وهذا قليل، أكثر الناس يموتون ما بين الستين والسبعين، وبعضهم دون ذلك، ومن يجاوز القليل في الأمة كما جاء في الحديث الذي هو خارج الصحيحين، الصحيح المسند، وقد جاوز المئة بنحو ست سنين، له ترجمة جيدة في تذكرة الحفاظ، ينبغي لطالب العلم أن يقرأ في مثل هذه الكتب ليعرف أحوال هؤلاء الأئمة وكيف كانوا، رحمه الله. وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي، وكان سلفياً أيضاً في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، تساهل منه، أما البخاري ومسلم فنعم، وأما أبو داود والترمذي والنسائي فلا، فإنهم لم يشترطوا الصحة، فكيف تدعيها لهم وهم لم يشترطوها، وفي كتبهم الكثير من الأحاديث الضعيفة. قال رحمه الله تعالى: تساهل منه، وقد أنكره ابن الصلاح وغيره. قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد. علق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قال أجاب العراقي بأن السلفية إنما قال بصحة أصولها كما ذكره في مقدمة الخطابي، كما ذكره، لعله الخطابي في مقدمة، إذ قال: «وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اعتمد أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها». قال العراقي: «ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون صحيحا». هكذا أجاب الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في هذا الموضع، فهو يعني بكلامه أن الأحاديث المذكورة في أبواب الفقه، المذكور الأصل أن أصول تلك الأحاديث ثابتة، وإن كانت أعيان بعض أحاديث الباب فيها نظر من ناحية الإسناد فتكون ضعيفة الإسناد، لكن أصل الباب هل هو ثابت في الجملة، هذا ما يعني، ولهذا يقول: «وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اعتمد أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها». وهذا كلام له وجهه، هذا الكلام له وجهه، وقد يورد عليه أيضا من وجه آخر، له وجهه الكلام، لا سيما في صناعة الفقه، فإن صناعة الفقهاء تحتاج إلى عناية بالحديث الحسن لغيره، فكم من أبواب الفقه قامت على روايات عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، ولهذا يقول ابن القيم في بعض كتبه: إن من لا يتعنى بأمر الفتوى لا يدرك ما عليه المشقة عند الفقهاء في باب الفتوى، فربما لا يوجد حديث إلا من طرق قد يغمز فيها بعض المحدثين، فإن لم يوجد نوع من جمع الطرق أو غض الطرف إذا وجدت قرائن تدل على قوة أصل الحديث حصل خلل كبير، ولهذا احتاج الفقهاء، يقول ابن القيم، يعني الذين يشددون في نقد الأحاديث، لم يبتلوا بأمر الفتوى. الآن يمر بنا في الفرائض، أمس مر بنا حديث حسن لغيره بطرقه، الناس بحاجة إلى مثل «لا يتوارث أهل ملتين شتى» ونحو ذلك من الأحاديث التي تمر بنا، فمن ينظر بنوع من التشدد يتعب في باب الفتوى، لأن هذه الأحاديث قام عليها فقه، فإسقاطها مع وجود القرائن التي قد تدل على قوتها وصحة أصلها يتعب الفقهاء، الكلام هذا له وجه من النظر لمن تأمل وتدبر، فهو يعني أصل الباب لا أعيان الأحاديث. قال رحمه الله تعالى: تساهل منه، وقد أنكره ابن الصلاح وغيره. قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد، كمسند عبد بن حميد والدارمي وأحمد بن حنبل وأبي يعلى والبزاري وأبي داود الطيالسي والحسن بن سفيان وإسحاق بن راهويه، ويقرأ راهوية، يقرأ أيضا راهوية، وإسحاق بن راهويه وعبيد الله بن موسى وغيرهم، لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه، يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه، هكذا يذكرون في ذكرهم لذلك عدم تحر عن صحة أو ضعف، إذ همهم أن تجمع أحاديث ذلك الصحابي في موضع واحد، كأحاديث أبي بكر رضي الله عنه مثلا تجمع في موضع واحد، تجمع في موضع واحد. والحاصل أن سنن أبي داود وسنن الترمذي والنسائي ليست صحيحة كلها، لأن همهم أن يذكروا الأحاديث الواردة على أبواب الفقهاء، همهم أن يذكروا الأحاديث الواردة على أبواب الفقهاء، وقد يذكرون أحاديث منتقدة، بل وقد ينصون على ضعف جماعة من الأحاديث الواردة في الباب، بل وينكرونها أيضا ليبينوا للعالم أن حديث كذا لا تحتج به، وحديث كذا غير صحيح، وحديث كذا معل عند الحفاظ، فينصحونه، هذه طريقتهم، فهم يذكرون الصحيحة والضعيفة والمعلة والضعيفة جدا، لأن قصدهم جمع الأحاديث الواردة في الباب سواء صحت أو لم تصح، هذا قصدهم رحمهم الله تعالى وغفر لهم، ونسأل الله جل جلاله أن يجزيهم الجزاء الحسن، فإنهم أرادوا الخير وخصدوه وخدموا الشريعة والإسلام، ولا زالت الأمة تغترف من كتبهم وتستفيد منها، لا زالت الأمة تغترف من كتبهم وتستفيد منها. وبقي أنه لم يذكر في الأصول الخمسة سنن الدارمي، ومن جاء بعد أبي طاهر عدها منه، فصارت الأصول ستة بوجود سنن الدارمي، وزاد بعضهم سنن ابن ماجة، مع أن ابن ماجة الأحاديث الضعيفة فيه كثيرة، والزيادات على الصحيح فيه كثيرة، ولكنها الغالبة منتقدة كما قال الحفاظ، فصارت الأصول سبعة، فما هي الأصول السبعة؟ الصحيحان البخاري ومسلم، بقي عليك خمسة: أبو داود، سنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة، مسند أحمد، لا، غلط، ليس مسند أحمد، سنن الدارمي، نعم هو مسند وسنن، يسمى مسند ويسمى سنن، هذه الكتب السبعة، أخرجه السبعة من السبعة، يذكرون أيضا هذا اصطلاح للحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، يقول: أخرجه السبعة، يعني السنن الأربع والصحيحان والصحيحين ومسند أحمد، كما بيّن ذلك في مقدمة كتاب. عندنا الأصول السبعة هي الدارمي مع السنن الأربع زائدا الصحيحان. نقرأ المبحث الآتي كاملا إن شاء الله تعالى في المجلس القادم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.