الدرس في شرح الباعث الحثيث 58، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع كيفية التعامل مع لحن الشيخ في الرواية، مؤكداً على رواية النص على الصواب وإثبات التصويب في الهامش، مع التمييز بين اللحن الجلي والخفي. كما يتناول حكم السقط في السند أو المتن، جواز إلحاق ما سقط، وجواز ركوب السياق من روايات الثقات مع النهي عن خلط روايات الضعفاء، مبيناً عناية مسلم بالألفاظ والزيادات مقارنة بالبخاري.
يتناول المقطع ضوابط رواية الحديث من حيث زيادة توضيح أسماء الرواة مع نسبة الزيادة للراوي، ووجوب لفظ «قال» بين صيغ التحمل عند القراءة. كما يشرح كيفية التعامل مع الإسناد المتكرر، جواز تقديم المتن على الإسناد مع تنبيه ابن خزيمة، وحكم رواية لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني عند قول الراوي «مثله» أو «نحوه».
يناقش المقطع خلاف العلماء في جواز إتمام المتن عند قول الراوي «نحوه» أو «مثله»، وحكم رواية الحديث بتمامه إذا قال الشيخ «الحديث» دون سياقة. كما يتناول ضوابط الرواية في المذاكرة، الفرق بين الرواية من الحفظ والكتب، ويختم بجواز ذكر أحد الراويين الثقة وإسقاط الآخر في الإسناد المشترك.
يعلن المتحدث انتهاء فصل آداب المحدث ويشير إلى وجود فصول تالية نافعة في الأدب ينبغي لطالب العلم الاطلاع عليها. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي القرشي رحمه الله تعالى وغفر له: عند الوقف فرعاً، وإذا سقط من السند أو المتن، هذا عند الوقف. وإذا سقط، وأما إذا لحن، قال رحمه الله تعالى: وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور. وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحوناً. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في اتباع، وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. نعم، هذا غلو، فالشيخ أخطأ في اللفظ ولحن، إلا إذا كان له وجه عند النحاة، وهذا ليس من اللحن. كلامنا في اللحن الجلي الواضح الذي لا وجه له. وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه عمل أكثر المحدثين أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ. لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، حواشي موجودة إلى اليوم في الكتب المخطوطة، فأحياناً يقولون: كذا قال الشيخ، وقد يصححون، يصححون أين؟ في الهامش. قلنا: هذه طريقة المحدثين، ليس إصلاحاً في نفس الكتاب، يكتب في الهامش. لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، ومنهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه، أي كثرة فنونه. قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلك التصويب في الكتب، جسور، جسارة عند المحدثين، تصويب في الكتب، الأفضل تصويب في الهامش، تصويب في الهامش الذي عليه العمل. إذن إذا وجدت خطأ في كتاب، تصويب في أصل الكتاب أو في الهامش؟ طريقة المحدثين: التصويب أين؟ في الهامش. قال، أي ابن الصلاح: والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لأن لا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش ويسكت عن الخفي السهل. هذا الذي تقدم ذكره: أن الفاحش يغير، لكن الخفي قد يكون له وجه في لغة العرب. قلت: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشيخ ترك روايته، لأنه إن تبعه في ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه منه كذلك. وهذا ورع منه، من هذا المحدث. تقدم أن ابن المبارك، أن الأصمعي عبد الملك، أن الأصمعي عبد الملك بن قريب كان يأتي بمثل هذا المذهب ويراه رحمه الله. فالحاصل أن اللحن نوعان: لحن جلي، فمثل هذا يغير في هوامش الكتاب، ولحن خفي، يعلق بالهامش أن الرواية جاءت بكذا عن الشيخ، قلال. ثم يتأكد من سائر المرويات، فبجمع الطرق والروايات يظهر هل هذا لحن أم هذا وجه من أوجه رواية الحديث. والنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، فربما تكلم بلغة غير اللغة القرشية المشهورة، كلغة بني تميم أو بني أسد، أو أن يكون السائل من قبيلة لا تفهم اللفظ إلا كذا، فقد يراعي ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. كل هذا يعرف بجمع الألفاظ والنظر فيها. يقول رحمه الله: فرع، وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم فلا بأس بإلحاقه. وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب فلا بأس بتجديده على الصواب. وقد قال الله تعالى: ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾. استدلال لطيف من ابن كثير رحمه الله، ﴿ والله يعلم المصلح من المفسد ﴾، وهذا نيته أن يصلح. فإذا حصل في المتن سقط وعرف ذلك بالطرق والمرويات وعرف بالنسخ والمقروءات، جاز أن يكتب في الهامش: سقط من السند كذا، أو كذا في الأصل في المخطوط، وهو في رواية سائر من روى الكتاب كذا وكذا، ينبه، ينبه. قال رحمه الله: فرع، وإذا روى الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين، فإن ركب السياق من الجميع كما فعل الزهري في حديث الإفك حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، وقال: كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض، وساقه بتمامه، فهذا سائغ، فإن الأئمة تلقوه عنه بالقبول وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها، موجود في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم. لكن الزهري إمام حافظ ثقة ضابط، فليس حاله كحال من يخلط أحاديث الثقات بالضعاف ولا يميز بينها. ولهذا عيب على حماد بن سلمة جمع الرواية، عيب على حماد بن سلمة أنه كان يجمع الرواية، فكان يجمع رواية الضعيف مع الثقة ونحوهم ولا يميز، فصار هذا مما يقدح به في رواية حماد بن سلمة بن درهم رحمه الله وغفر، أحد الأئمة الأثبات، حسن الحديث رحمه الله تعالى. الشاهد ينظر في حال الصانع لهذا الفعل، فمثل الزهري يقبل منه لأنه جمع أحاديث الثقات وقرب سياقها ولم يكن بينها كبير خلاف، كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض، ساقه بتمامه رحمه الله. لكن حماد بن سلمة عيب عليه. وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، هذه طريقة الإمام مسلم كما سيأتي، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان وتحديث وإخبار وإنباء، وهذا مما يعنى به مسلم في صحيحه ويبالغ في ذلك، ولهذا صارت هذه ميزة في صحيح مسلم: العناية بألفاظ الرواة. قال: هذا حدثني، وقال هذا أخبرني، هذا زاد كلمة كذا، هذا لم يزد. فمسلم يهتم بالزيادات وبالنقص في الرواية وبصيغ التحديث وبمعنى الحديث ونحوه. صناعة الإمام مسلم صناعة متقنة، ولهذا يقول الشاعر: فقلت تجادل قوم في البخاري ومسلم، الذي قال أيذين تقدموا، فقلت لقد فاق البخاري صحة كما فاق في حسن الصناعة مسلم. هذا حسن الصناعة. قال: وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين والله أعلم، وهو نادر. فرع آخر: وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكي عن الإمام أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين والله أعلم. كان يقول: حدثني محمد بن شهاب وهو الزهري، وهو الزهري هذه من أين؟ مني أنا. حدثنا الحكم بن اليمان وهو البهراني. حدثني سليمان بن مهران وهو أبو محمد الهلالي الأعمش. تعريف وتوضيح، فيأتي بصيغة توضح ويبين أن الزيادة من عنده بقوله: وهو فلان. قال: فرع آخر، جرت عادة المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرك فلان، قال أخبرنا فلان، قال أخبرنا فلان. ومنهم من يحذف «قال» وهو سائغ عند الأكثرين. هذه المسألة مهمة في قراءة كتب المحدثين، الأصل أن يقول الراوي «قال» بين صيغ التحمل، لكن المحدثين، لا سيما في العصور المتأخرة، يحذفون لفظة «قال»، فتجدهم يقولون: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، ثنا الزهري، ثنا سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وساق الحديث. أصل الحديث: قال حدثنا أبو اليمان، قال أخبرنا مالك، قال أخبرنا، قال حدثنا الزهري، قال حدثنا سعيد، قال حدثنا، قال أخبرنا. لفظة «قال» لا تترك. ولهذا تجد بعض من لم يدرس علم الحديث يقول: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا فلان الزهري، حدثنا سعيد، يحذف لفظة «قال». يعرف أن هذا الطالب أو هذا الشيخ لا يدري صناعة المحدثين. لا بد أن يذكر لفظة «قال». إنما حذفت اختصاراً، حذفت اختصاراً. ولهذا إذا أراد أن يقرأ الكتاب على أحد يقولون: قال، أخذنا سعيد، قال أخذنا، قال أخذنا فلان، قال أخذنا فلان، قال حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، إلى آخر. لا بد أن تلفظ لفظة «قال»، كتبت أو لم تكتب، أو لم تكتب، لا بد أن تلفظ، لا بد أن تلفظ. ولهذا في نسخ البخاري القديمة ما من صيغة «حدثنا» أو «أخبرنا» إلا وقبلها لفظة «قال». في النسخ، بعض الطبعات المتأخرة حذفت لفظة «قال». إذن عند المحدثين في الأحاديث لا يتركون لفظة «قال» بين صيغ التحديث، بل يذكرونها. إذا كان الصيغ صيغ تحمّل سماع، قال: وما كان من الأحاديث بإسناد واحد كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومحمد بن عمر عن أبي... نسخ، أي إسناد واحد تحته أحاديث كثيرة تسمى صحيفة. صحيفة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، صحيفة خرجها عبد الرزاق في كتابه المصنف، وخرجها معمر أيضاً في كتابه الجامع الذي يوجد في آخر مطبوعاً في آخر كتاب المصنف لعبد الرزاق. وما كان من الأحاديث بإسناد واحد كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك، فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها ثم يقول: وبالإسناد، أو وبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد. قلت: والأمر في هذا سهل قريب، سهل يسير والله أعلم. يعني هل يذكر عند كل رواية من روايات هذه الصحيفة الإسناد يكرره؟ إن فعل هذا فهو أتم، وإن لم يفعل فهو سائغ. إذا ذكر في أول الإسناد ساق إسناده، وهذا الذي يعمل به الآن عند القراءة على المشايخ، كالشيخ محمد بن علي الأثيوبي رحمه الله وغفره، فيقرأ في أول المجلس الإسناد من الشيخ إلى الكتاب، ثم بعد ذلك يقال: وبه، قال حدثنا، ويساق سند البخاري أو مسلم، وبه، أي وبالإسناد السابق، أو وبالإسناد السابق، وبإسنادك، أو وبالإسناد، يختصرون ذكر هذا السند المتكرر عند كل حديث من أحاديث البخاري أو مسلم أو السنن أو نحوه. يقول ابن كثير: والأمر فيه هذا قريب سهل يسير والله أعلم. قال: وأما إذا قدم ذكر المتن على الإسناد، كما إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ثم قال: أخبرنا به وأسنده، فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولاً ويتبعه بذكر المتن؟ الحديث فيه خلاف، ذكره الخطيب وابن الصلاح. صورة المسألة: أن يذكر المتن ثم يتبع بالإسناد، يذكر المتن ثم يتبع بالإسناد. فهل يجوز هذا؟ السؤال: هل يجوز للراوي أن يقدم المتن؟ كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ثم يسوق إسناد هذا الحديث، ثم يسوق إسناد هذا الحديث كاملاً. يقول رحمه الله: فيه خلاف، ذكره الخطيب وابن الصلاح. يقول ابن كثير: والأشبه عندي جواز ذلك والله أعلم. ولهذا يعيد محدث زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء من تقديم إسناده وتأخيره والله أعلم. وأما الإمام ابن خزيمة، في صحيح، وأما الإمام، إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، فإنه إذا قدم المتن على الإسناد فهذا يدل على أن الحديث ليس بثابت عنده، وهذا اصطلاح خاص بإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه التوحيد وكتابه الصحيح ونحوها. إذن يجوز أن يقدم المتن ويتبع الإسناد، لا إشكال إن شاء الله، الأمر واسع. لكن من الأئمة من يفعل ذلك تضعيفاً للحديث، فمن هذا الإمام الذي إذا رأيته قدم المتن على الإسناد فهذا معناه أنه يضعف هذا المتن، فينبهك إلى أن لا تغتر بهذا المتن، وانتبه إلى أن إسناده معل. من يفعل هذا؟ عندك أخوانا، سالم، ابن خزيمة، إمام الأئمة، ولا أعلم غيره عرف عنه هذا. يقول رحمه الله: فرع، إذا روى حديثاً بسنده ثم أتبعه بإسناد له آخر، وقال في آخره: مثله، أو نحوه، وهو ضابط محرر، فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا. يعني صورة المسألة: أن يأتي بإسناد ثم يذكر حديثاً، ثم يبدأ في الإسناد الثاني، فيكسل أن يعيد الحديث لأنه بمعنى، فيقول: بنحوه، أي بنحو الذي تقدم، بنحو الذي تقدم، ولا يسوق اللفظ. فهل يسوق لمن سمع هذا المجلس أن يسوق الإسناد الثاني ويكمل باللفظ الأول؟ عرفت الصورة يا إخوان، عبد الرحمن، هذه صورة المسألة، هل اتضحت لكم؟ عندك يا إخوان، عبد المالك، متضحة؟ طيب، نعيد الكلام. يأتي الشيخ فيقول: حدثنا أبو اليمان، قال أخبرنا شعيب، قال أخبرنا شعيب عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وكذا. ثم يقول: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ثم يقول: نحوه، أي نحو المتن سابق، أو مثله، أو بنحوه. هل يجوز لي إذ سمعت الشيخ يذكر هذا أن أقول: حدث، قال الشيخ: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتمم بالمتن الأول، أحذف كلمة «بنحوه» وأضع المتن الأول في موضع «بنحوه»؟ قال شعبة: لا. وقال الثوري: نعم. حكاه عنهما وكيع، وكيع بن الجراح الرؤاسي، أحد أئمة الكوفة من كبار أئمة الحديث وحفاظ الأمة. وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله «مثله» ولا يجوز في قوله «نحوه». لماذا؟ لأن «مثله» تقتضي المماثلة في اللفظ، و«نحوه» تقتضي أنه بالمعنى. قال الخطيب: إذا قيل بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله «مثله» أو «نحوه»، ومع هذا أختار قول ابن معين والله أعلم. المسألة محتملة، والضبط والأولى أن يفرق بين «مثل» و«نحو». فإذا قال: «بمثله» فهذا يقتضي أنه بلفظه ومعناه، وإذا قال: «بنحوه» فهذا يقتضي أنه بتصرف في اللفظ مع اتحاد المعنى. فالأولى في مثل هذا أن يحتاط. قال: أما إذا، وأورد السند وذكر الحديث، أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: الحديث، إيش إعراب الحديث عندك؟ فضل، مفعول به لفعل مقدر، تقديره إيش، إيش تقدير الفعل؟ نعم، ليس قول «إيش» الفعل مناسب، أكمل الحديث، اذكر الحديث، أتم الحديث، هذا الفعل مناسب، هذا الفعل مناسب، ولهذا هي منصوبة. ثم قال: الحديث، أي بتمامه، اقرأه بتمامه، أو الحديث بتمامه، أو بطوله إلى آخره، كما جرت به عادة كثير من الرواة. فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم، ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، الفقيه الأصولي. وسأل أبو بكر البرقاني، أحد كبار أئمة الحديث، شيخه أبا بكر الإسماعيلي، أحد كبار أئمة السنة والحديث، عن ذلك، فقال: وهذا من فوائد سؤال المشايخ، هذا من فوائد سؤال أهل العلم، تدوين المسائل. فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أنه يجوز ذلك، والبيان أولى. جواب عظيم من الإمام الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، صاحب كتاب الاعتقاد، اعتقاد أهل الحديث، أو كتاب نفيس في هذا الباب. قال ابن الصلاح: قلت، وإذا جوزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية، وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان قد سمع... يقول ابن كثير: وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه، والله أعلم. هذا الباب وغيره من الأبواب الأصل فيه الإبانة والإيضاح، وعدم الإيهام، عدم الإيهام. فإذا كان الراوي كما قال ابن كثير يعرف الرواية وقد سمعها من الشيخ، والشيخ الغالب أنه لا يقول الحديث إلا لشيء يعرفه الطلاب أو قد سمعوه منه أو هو معروف عندهم، فهذا جائز إن شاء الله تعالى، هذا الغالب في مثل هذا والله أعلم. قال: إبدال نبي الرسول بالنبي، أو النبي بالرسول. قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني الاختلاف في معنييهما. ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك، فإذا كان في الكتاب النبي فكتب المحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب على رسول وكتب النبي. قال الخطيب: هذا منه استحباب، وإنما مذهبه الترخيص في ذلك. قال صالح: سألت أبي عن ذلك فقال: أرجو أنه لا بأس بذلك. وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهز كان يفعلان ذلك بين يديه، بين يدي حماد بن سلمة، فقال لهما: إما أنتما، أما أنتما فلا تفقهان أبداً. الرواية في حال المذاكرة، مثل هذا الباب لا يضر إن شاء الله تعالى، ولكن الأكمل نقل اللفظ الذي ذكره المحدثون، وإن لم يفعل فهذا جائز أن يبدل لفظ النبي بالرسول، أو الرسول بالنبي، أو بنبينا، أو برسولنا، أو بنحو ذلك. وروي، قال رحمه الله: الرواية في حال المذاكرة، المذاكرة هي أن يجتمع الطلاب أو المحدثون فيتذاكرون باباً من العلم، فيقول أحدهم: سمعت من فلان كذا، ويقول الآخر: سمعت في الباب حديث كذا. فهل لأحدهما أن يروي عن الآخر مع أنهم يتذاكرون وكأنهم يراجعون؟ قال رحمه الله: هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة المنع، حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة المنع من التحديث بها لما يقع فيها من المساهلة والحفظ خوان. قال ابن الصلاح رحمه الله: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل. قال: فإذا حدث بها فليقل: حدثنا فلان مذاكرة، أو في المذاكرة، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس والله أعلم. المذاكرة يحصل فيها نوع من التساهل في سياق الأحاديث في إتمامها، وأحياناً في روايتها بالمعنى. ولا شك أن الرواية من كتاب أضبط، الرواية من كتاب أضبط. ثم ثم إن الحفظ يخون، يعني أن الرجل قد يكون حفظ الكتاب فمر على حفظه له خمسون سنة، فربما استبدل لفظاً بلفظ، أو أخطأ في لفظ، أو أخطأ في عبارة، لأنه لا يحمل كتابه الذي حفظه منذ خمسين سنة بين يديه، فربما حصل له أوهام. ولهذا ينبغي التنبيه، لأجل أنه إذا جمعت الطرق فبان أن اللفظ فيه خلل، أو أن الرواية فيها إشكال وخلل، فيقال: إنما سمعه مذاكرة، فتكون علة لبيان أن الحديث لم يضبط ضبطاً تاماً. قال رحمه الله تعالى: وإذا كان الحديث عن اثنين، يجوز ذكر ثقة منهما وإسقاط الآخر، ثقة كان أو ضعيف، وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالباً. وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه بل يذكره والله أعلم، لأن الإسناد يدور على ثقة، ورواية الضعيف تعضيد له، ورواية الثقة نوع توكيد، فلا بأس بالاختصار على أحدهم. هذا فصل آداب المحدث، ويليه فصول نافعة في الأدب وغيرها، وهي أمور مهمة ينبغي لطالب العلم أن يمر عليها ويقرأها. إذا كان لكم شيء... اللي وقفنا هاهنا. هذا، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.