الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 11، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يقرر المؤلف أن الله متكلم بكلام قديم غير مخلوق، سمعه موسى وجبريل مباشرة، وسيكلمه المؤمنون في الآخرة، مستدلاً بالآيات والأحاديث وآثار السلف، ويرد على الجهمية والمعتزلة والأشعرية الذين زعموا أن كلام الله مخلوق أو معنوي نفسي، مبيناً أن الكلام صفة ذاتية وفعلية ثابتة لله على ما يليق بجلاله دون تحريف أو تعطيل.
يؤكد المقطع أن الله تكلم مع موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم كلاماً حقيقياً لا مجازاً، مستدلاً بالآيات القرآنية وقاعدة التأكيد تنفي المجاز، كما يثبت كلام الله لأهل الجنة في الآخرة ورؤيتهم إياه، ويناقش ضعف حديث الزيارة يوم الجمعة مع إثبات أصل الرؤية والنظر إلى الله تعالى.
يستدل المقطع بآيات نداء الله لموسى وآدم وآيات القرآن على أن الله يتكلم بصوت مسموع وحروف متى شاء، ويرد على من يقول بالكلام النفسي أو خلق القرآن مبيناً أن ذلك يؤدي إلى تعطيل صفة الكلام، كما يستشهد بأثر ابن مسعود وحديث النداء يوم القيامة لإثبات أن كلام الله له صوت يسمعه من قرب ومن بعد.
يستعرض المقطع حديثاً عن موسى عليه السلام سماع كلام الله عند النار استئناساً لا احتجاجاً، ويرد على الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة الذين يجحدون صفة الكلام، مؤكداً أن الكلام والإحاطة والسمع والبصر صفات لا تليق إلا بالله تعالى، وأن الحجة الحقيقية في القرآن والسنة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في جزء الاعتقاد الذي يسمى "لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد"، كتبها وكتبه شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة. قال رحمه الله تعالى: فصل، ومن صفات الله تعالى التي يجب الإيمان بها أنه متكلم بكلام قديم غير مخلوق، يسمعه منه من شاء من خلقه. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه جبريل عليه السلام، ومن أذن له من ملائكته ورسله. وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، ويكشف لهم الحجاب فينظرون إليه. قال الله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، وقال سبحانه: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ﴾، وقال سبحانه: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾، وغير جائز أن يقول هذا إلا الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاتا عراتا بهما غرلا، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان». رواه الأئمة واستشهد به البخاري. وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك ووراءك، وعن يمينك وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى. قال: فكذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلام يا موسى. هذا الفصل في إثبات صفة الكلام لله تعالى، وقد ضلت أقوام في هذه الصفة العظيمة التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم. وأجمع سلف الأمة على إثبات الكلام صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، وضل في هذا من ضل من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية وغيرهم. فهؤلاء المخالفون يجعلون كلام الله مخلوقا. الجهمية والمعتزلة قالوا: ليس من صفات الله الكلام، وهذا الموجود من كلام الله مخلوق من مخلوقات الله، وهو مخلوق خلقه الله في الهواء أو في غير ذلك. هكذا تقول الجهمية، عياذا بالله: مخلوق في الهواء، أو في المحل الذي سمع فيه، عياذا بالله. ضلت في هذا الباب أيضا الأشعرية، الكلابية والأشعرية، ومذهب الأشاعرة الموجود اليوم مأخوذ من الكلابية في هذا الباب، فإنهم يقولون: إن كلام الله كلام معنوي نفسي، وهذا ضلال عن سواء السبيل، هذا ضلال عن سواء السبيل. فإن النصوص قد أثبتت الكلام كما سيأتي صفة لله تعالى، سيأتي أثناء ذكر الأدلة استعراض أقوالهم ومناقشتهم. فصل: ومن صفات الله تعالى التي يجب الإيمان بها، فهذا من الواجبات أن نثبت لله ما علمنا أنه أثبته لنفسه، حتى نكون مصدقين لله فيما قال، ومصدقين لرسول الله فيما أخبر. قال الله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾. ومن صفات الله تعالى التي يجب الإيمان بها أنه متكلم بكلام قديم، أي قديم النوع، والله متصف بصفة الكلام في الأزل، كما أنه متصف بصفة الحياة في الأزل، كما أنه متصف جل جلاله بصفة العلم في الأزل، فكذلك صفة الكلام، الله متصف بها أزلا. فهذا معنى قوله: قديم، أي متصف به في الأزل. هذا معنى قوله رحمه الله: أنه متكلم بكلام قديم، أي كلام صفة متصف بها في الأزل، وهو من هذا الوجه يسمى صفة ذاتية. الكلام صفة ذاتية، وهو أيضا صفة فعلية. فهو باعتبار صفة ذاتية، وباعتبار آخر صفة فعلية. الكلام باعتبار أنه صفة لله في الأزل ملازمة للذات، فهذه صفة ذاتية. الصفات الذاتية هي الصفات التي تلازم الذات لا تنفك عنها بحال، كالعلم والسمع والكلام والحياة والقدرة وغيرها من الصفات، هذه صفات ذاتية. وهو أيضا باعتبار أنه يفعله الله متى شاء كيف شاء صفة فعلية، فهو يكلم أولياءه متى شاء سبحانه وتعالى كما سيأتي. فعلى هذا الله متصف بصفة الكلام، وصفة الكلام صفة ذاتية وهي أيضا صفة فعلية. صفة الكلام صفة ذاتية وصفة فعلية معا، فالله متصف بالكلام حقيقة على ما يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. نثبت لله صفة الكلام كما أثبتها لنفسه سبحانه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليها السلف الصالحون الماضون، وأن الله من صفاته الكلام، وأنه يتكلم متى شاء بحروف وأصوات، يسمعها الله من شاء من عباده، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قالوا: من صفات الله تعالى التي يجب الإيمان بها أنه متكلم بكلام قديم غير مخلوق، خلافا للمعتزلة، فإنهم قالوا: القرآن مخلوق. ومن الطرائف ما جرى في بعض المجالس التي كان بعض الولاة فيها على عقيدة المعتزلة، فقال لبعض العلماء: قم وصل بنا. قال: أصلي بك بماذا؟ قال: اقرأ لنا القرآن. قال: القرآن قد مات، القرآن قد مات، أوليس مخلوقا؟ قال: نعم بلى. قال: فهو يموت. قال: أو يموت القرآن؟ قال: إذا قلت إنه مخلوق فلابد لكل مخلوق أن يموت، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾، لابد أن يموت. فكان جوابا لطيفا. قال رحمه الله: غير مخلوق، يسمعه منه من شاء من خلقه. هذا يدل على أنه صفة لله عز وجل حقيقة بحروف وأصوات. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، أي لا بواسطة ملك ولا بغير ملك من الوسائط، كما يقوله أهل الأهواء والبدع. ولكن موسى سمع كلام الله من الله جل جلاله حقيقة. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة. إذن موسى سمع من الله سبحانه وتعالى. قال الله له: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾، هل هذا يقوله مخلوق؟ هل لمخلوق أن يقول: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، بضمير المتكلم؟ لا يقوله مخلوق. لو قالوا: بل بواسطة، قلنا: هذه الواسطة قالت: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، الواسطة تقول ذلك، أو: إني أنا ربك، الواسطة تقول: إني أنا ربك؟ متى سمع الناس في كلام العرب أو في عقل أي عاقل من أي جنس من الناس أن هذا ليس إلا... ليس كلام الله، بل هو كلام الله. سمعه منه، سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة. وسمعه جبريل عليه السلام، ومن أذن له من ملائكته، يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى، سمعون كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله، كموسى كما تقدم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، فإن الله كلمه. الله جل وعلا كلم موسى، كلم نبينا كما كلم موسى عليهما السلام، في حديث الإسراء والمعراج، في ما جرى في حديث أبي سعيد وعقبة بن مالك وأنس، أحاديث طوال في قصة الإسراء والمعراج، حين ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة فكلمه المولى العظيم جل جلاله، متقدسة أسماء. وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمهم، هذا ثابت وهو من نعيم أهل الجنة، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك». خطاب من الله ونداء: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمهم، فيقول: هل رضيتم؟ الله جل جلاله يقول لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقه. كلام بين الله جل جلاله وبين المؤمنين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، أنا أعطيكم أفضل من ذلك. هذا الكلام يقوله الرب جل جلاله، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: يا ربي أو يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ يكلم المؤمنين ويكلمون في الآخرة، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمهم، وهذا من عظيم نعيم للمؤمنين. ويأذن لهم فيزورونه. في هذا الباب، باب الزيارة للمولى جل جلاله، رزقنا الله جميعا ذلك، فيها حديث ولكن الحديث في إسناده ضعف، وهو حديث أبي هريرة، وفيه: ثم يؤذن لهم. يقول المؤلف: ويأذن لهم فيزورون، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم، ثم يوم المزيد. لكن هذا الحديث ضعيف، ولا أعلم الآن حديثا يدل على هذه الخصلة العظيمة مع جوازها وإمكانها، ففضل الله واسع سبحانه وتعالى، ويعطي المؤمنين ما يطلبونه جل جلاله وما يتمنونه سبحانه وتعالى، فهو الكريم وهو الحليم وهو العظيم جل جلاله. لكن دليلا... لكني لا أعلم دليلا ثابتا في هذه المسألة، فيحتاج الإنسان إلى نظر في الدليل. الثالث: وأما حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود ورواه الترمذي، ففي إسناده ضعف، فيه عبد الحميد بن أبي العشرين، فيه عبد الحميد بن أبي العشرين كاتب الأوزاعي، من الأئمة من ضعفه، وله أوهام، وله أوهام وأخطاء، وإن كان صدوقا في الجملة، وانفرد بهذا، وانفراد من كان صدوقا له أوهام بمثل هذا الواجب التوقف فيه. ولهذا ضعف الحديث محدث العصر وفقيه الشام ناصر الدين الألباني في الضعيفة برقم 1722، لمن أراد مراجعة بحث الحديث، يقول رحمه الله: 1722. يقول رحمه الله: ويأذن لهم فيزورونه، ويكشف لهم الحجاب فينظرون إليه. هذا من خصائص أهل الجنة يوم القيامة. قال الله جل وعلا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، من النظرة إلى ربها، ناظرة من النظر، وعداه بإلى، فيدل على أنه نظر الأبصار. وهذا لتكامل ما هم فيه في الجنة، ولو كانوا محجوبين لكانوا هم والكفار سواء، كما قال الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة. قال رحمه الله: ويأذن لهم فيزورونه. قلنا: هذا يحتاج إلى دليل، ونحن نتبع الأدلة، فإذا وقف الإنسان على دليل فيفيدني فيها. ويكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، سيأتي الكلام على الرؤية إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾. هذه الآية صدَّرها المؤلف، والظاهر والله أعلم أنه صدَّرها لأنها صريحة في إثبات صفة الكلام حقيقة لا مجازا، لأن القاعدة عند علماء البلاغة والبيان أن التأكيد ينفي المجاز. القاعدة عند علماء البيان عندك... أن التأكيد ينفي المجاز. قال الله: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، فقوله جل جلاله: تكليما، ينفي إرادة المجاز عند علماء البلاغة، كما قرروا من الأشياء التي تنفي المجاز: التأكيد. فهذا المفعول المطلق تأكيد في هذا الموضع، وأن الكلام صفة حقيقية. ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، فهو كلام حقيقة لا مجاز، كلام حقيقة لا مجاز. وقال سبحانه: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ﴾، فالله اصطفى موسى فسُمي الكليم، فهو رسول كليم، سُمِّي الكليم لأن الله كلمه كلاما سمعه وحاوره، كما في آية المائدة: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ ﴾، قال: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني. الآية: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ ﴾، هل يقول موسى هذا الكلام لمخلوق فيقول له: رب؟ قال الله: لن تراني، هذا في الدنيا، لكن في الآخرة الرؤية ممكنة واقعة. يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، هذا يدل على طيب... نكمل. وقال سبحانه: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، ذكرنا رسولين كلمهم الله سبحانه وتعالى، فمن الرسول الأول عندك يا أخي؟ موسى عليه السلام، ومن الثاني؟ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم غيرهم، لكن قد يوجد، الله أعلم. ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، جاء بعض المحرفين إلى أبي عمر بن العلاء وقال له: لو تقرأ الآية: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، يريد أن ينفي صفة الكلام، ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، فيجعل الله في موضع النصب على المفعولين. قال عمر بن العلاء، أبو عمر بن العلاء: كيف تصنع بقوله: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، وكيف تصنع بقوله: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾؟ فبهد: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، أي الرسول، ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾، فهذا فيه... فهذا فيه إثبات صفة الكلام لله عز وجل. الله يقول: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، ويقول: ﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ﴾، ويقول: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ الرسل، ويأتي مجادل فيقول: الله لم يتكلم، نسأل الله العافية والسلامة. وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ﴾. هذه الآية فيها امتناع أن يكلم الله خلقه في الدنيا مقابلة، لأن هذه المقابلة لا تكون إلا برؤية، والله لا يرى في الدنيا، الله جل جلاله لا يرى في الدنيا. وفي هذه الآية أيضا أن الله عز وجل ينزل شرعه ووحيه عبر واسطة الملك، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، هذا النوع الأول، أو النوع الثالث، أو يلهمه إلهاما يلقيه في روعه، أو يكلمه من وراء حجاب. ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾، كما جرى لموسى، كما جرى لموسى، فالله كلم موسى من وراء حجاب، الله الله كلم موسى من وراء حجاب. فذلت الآية على أن الله يفعل ما يشاء، وأنه يتكلم متى شاء سبحانه. وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت يسمع، النداء لا يكون إلا بصوت مسموع، فمن... فمن يقول بأن الكلام نفسي يرد عليه بمثل هذا. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ ﴾، النداء لا يكون إلا بصوت يسمع، ولا يكون نداء لما لا يسمع، النداء لا يكون إلا لصوت يسمع. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴾، في الآية الأخرى نظيرها: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾، أثبت أيضا المناداة. ﴿ وَنَادَيْنَاهُ ﴾ هنا، قال: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ ﴾، قال الله جل جلاله في الآية الأخرى نظيرها: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾. قال الله أيضا في النداء في معنى النداء: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، هذا نداء بصوت سمعه آدم وحواء: ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا ﴾، ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا ﴾، يفعل الله ما يشاء سبحانه. فقال: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، هل يجوز أن يقول: إني أنا ربك مخلوق؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، ولهذا قول المعتزلة والكلابية والجهمية ومن سار على دربهم من الأشعرية المتأخرين انحراف عظيم في هذه الصفة العظيمة الجليلة لله سبحانه. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴾، نداء يكون بحرف وصوت، إذن كلام الله يسمعه من شاء من خلقه من الملائكة أو الرسل، من شاء من خلقه سبحانه وتعالى. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، فيها إثبات الحرف والصوت لله عز وجل، وأن الله يتكلم بمشيئة، فإذا شاء تكلم، متى شاء سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل بمشيئته كلم موسى حين أتاها، وقبل ذلك لم يكلم. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ ﴾، ومعنى النداء الكلام، فالكلام لموسى لم يكن قبل أن يأتي موسى، وإنما حين أتى موسى. ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾، هل قال الله له: إني أنا ربك قبل أن يأتي إلى ذلك الموضع؟ الجواب: لا. ولكن موسى حين جاء إلى وادي الطور الجانب الأيمن منه عند الشجرة، نودي: يا موسى، ناداه الله: إني أنا ربك. إذن الله يتكلم متاشا، كلم موسى سبحانه وتعالى. قال الله: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، فالتكليم حصل لموسى بعد المجيء. ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، هل كلمه قبل المجيء في هذا الموضع بذلك الكلام؟ الجواب: كلمه بعد المجيء، فيدل على أن الله يتكلم متى شاء سبحانه وتعالى، يتكلم متى شاء، والكلام يتعلق بالمشيئة. وقالت طيب... وقال... وقال: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾. قال رحمه الله تعالى: وغير جائز أن يقول هذا إلا الله تعالى. يقال لهؤلاء الذين يقولون بخلق القرآن: أمخلوق يقول: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبد؟ يقال لمن يقول بالكلام النفسي: هذا الذي بين دفتي المصحف حروف من... وكلام من يقولون: عبارة عن كلام الله، هكذا يقول الكلابية والأشاعرة، حكاية عن كلام الله. طيب، إذا كان عبارة أو حكاية، فمن المعبر؟ وهل هذا الذي يوجد: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ إلى سورة الناس، هو كلام الله أم كلام المعبر عن كلام الله؟ هم يقولون في مآل قولهم بأن هذا الذي موجود ليس كلام الله، وأنه مخلوق، لأنه كلام مخلوق، عياذا بالله. قال رحمه الله: وغير جائز أن يقول هذا إلا الله تعالى. الكلام النفسي والمعنوي لا يجوز إطلاقه في لغة العرب، لا يجوز إطلاقه. يقول الله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾، ويقولون في أنفسهم: ﴿ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ﴾، هذا قول في النفس، لا بد أن يقوم... إذا حذفت كلمة "ويقولون في أنفسهم" صار هذا كلاما ظاهرا، وهذا لم يحصل، إنما يحيون رسول الله بما لم يحيه الرب جل وعلا بتلك التحية، ثم يسكتون ولا يتكلمون ولا ينطقون ولا يخرجون صوتا. قال الله: ﴿ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، فلا يجوز أن يجعل الكلام الذي في الصدر كلاما حتى يحصل اللفظ. قال الله: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، هذا شيء في أنفسهم وهو مخفي ليس بظاهر. قيد الله الكلام إذا كان في النفس بالنفس، ولا أطلق. قال الله: ﴿ فَيُصْبِحَ عَلَى مَا أَسَرَّ ﴾ هنا، قال: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ فَيُصْبِحَ عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾، ﴿ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾، فالكلام النفسي نوع من أنواع التلبيس والتلاعب بالألفاظ، وهو يؤول إلى قول المعتزلة، وأن القرآن الموجود كلام مخلوق عبر به عن الله عز وجل، وأنه ليس بكلام الله، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء. حديث معلق في صحيح البخاري، وإسناده ثابت. إذا تكلم الله بالوحي، إذن الله يتكلم متى شاء سبحانه، يتكلم الله متى شاء، سمع صوته، فالله سبحانه كلامه له صوت، سمع صوته أهل السماء، فهذا فيه إثبات الصوت والحرف لله عز وجل في الكلام. قال ابن مسعود: لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف. في حديثه الآخر: الكلام صفة ذاتية فعلية. قال: وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث المرفوع ضعيف، وأخره لأجل ضعفه في الحاشية بوجود التخريج. وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاتا، أي غير منتعلين، عراتا، أي ظاهرة عوراتهم، بهما، أي غير مختونين، بهما، غرلا، غرلا غير مختونين، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان». هذا من خصائص الله عز وجل، أن صوت الله عز وجل يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، سبحان الله، والمخلوق لا يسمع صوته إلا من قرب، من بعد لا يسمع صوته، إذن هذا من خصائص الله. يناديهم، هذا فيه إثبات النداء لله عز وجل، وهو الكلام بصوت يسمعه من قرب، من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، هذا لا يجوز أن يقوله مخلوق، هل يجوز لمخلوق أن يقول: أنا الملك، أنا الديان؟ عياذا بالله، هذا لا يجوز. رواه الأئمة واستشهد به البخاري، حديث حسن لغيره كما في التخريج. قال: في بعض الآثار، أي التي تروى في كتب أهل الكتاب، ختم بها هذا الفصل، ليس للاحتجاج ولكن من باب الاستئناس في شيء يوافق أدلتنا الواردة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وفيها الغنية والكفاية، ولكن من باب الاستئناس والفرجة على ما يوافق الكتاب والسنة، وهذا من طرائق الأئمة في تكثير الأدلة، فكأنه يقول: يا أهل الجهمية، ويا أيها المعتزلة الضالون، ويا أيها الكلابية والأشعريون، إن إثبات صفة الكلام موجود في القرآن وفي سائر كتب الله، وأنتم لهذه الصفة تجحدون، عياذا بالله. وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام رأى... ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، فناداه ربه: يا موسى، كما في القرآن: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ يَا مُوسَى ﴾، فأجابه سريعا استئناسا بالصوت، إذن موسى سمع الصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، لأن الرؤية لا تكون إلا في الآخرة، ولما طلبها موسى قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾، قال: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، أي في الدنيا. فأين أنت؟ قال: أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك ووراءك، وعن يمينك وعن شمالك، أي محيط بك علمي، والله عز وجل على عرشه محيط بك سمعا، فهو محيط به سمعا وعلما وإحاطة سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي... لا تنبغي إلا لله تعالى، أي الكلام، وكذلك الإحاطة، وكذلك سعة العلم والسمع، والسمع والبصر سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى وتقدس سبحانه. قال: فكذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلام يا موسى. تقدم أن هذا استئناس فقط، استئناس فقط، والاحتجاج والحجة بما سبق. نكتفي بهذا، ونسأل الله جل جلاله أن يوفقنا، ويحشرنا في زمرة أنبيائه ورسله، أن يغفر لنا ولكم وللمسلمين، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.