باب السواك 6

الدرس في باب السواك 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم نتف الإبط ووقته وكيفيته والفرق بينه وبين الاستحداد

يبيّن المقطع أن نتف الإبط سنة مستحبة عند الجمهور ولا وقت محدد له بل يرجع إلى الحاجة، ويجوز الحلق بالموسى مع أفضلية النتف لتقليل الرائحة وتضعيف الشعر. كما يوضح الفرق بين لفظ "النتف" في الإبط و"الاستحداد" في العانة، مرجحاً أن لكل موطن هيئة تناسبه.

حكم قص الشارب والفرق بينه وبين الحلق والخلاف الفقهي فيه

يعرض المقطع أقوال العلماء في قص الشارب، فذهب الجمهور إلى استحبابه بينما رأى ابن العربي وجوبه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحفاء الشارب. ثم يفصل الخلاف بين القص (إزالة ما طال على الشفة) والحلق (الاستئصال الكامل)، مبيناً أن الحنفية جوزوا الحلق قياساً على النسك بينما منعه المالكية والشافعية وقول للحنابلة واعتبره مالك بدعة ومثلة، والراجح عدم جواز الحلق.

حكم تطويل الشارب وحلق اللحية وأفضلية تقصير الشارب أو إحفاؤه

يشير المتحدث إلى مسألة تطويل الشارب وحلق اللحية موضحاً أنها ستفصل لاحقاً، ثم يطرح مسألة الأفضل بين تقصير الشارب أو إحفاؤه (حلقه حتى يبدو جلد الشفة) مبيناً أن الخلاف فيها قوي وسيكمل الحديث فيها لاحقاً.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه الألفية والمنظومة النافعة السائرة: "صفوة الزبد فيما عليه المعتمد في فقه السادة الشافعية"، رحمهم الله تعالى وغفر لهم، للعلامة الزاهد أحمد بن الحسين بن رسلان، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: "وانتف لإبط، ويقص الشارب، والعان تحلق، والختان واجب". هذه جملة من المسائل التي هي من خصال الفطرة، أو ما يتعلق بالفطرة. واختلف العلماء: ما هي الفطرة؟ وأكثر العلماء على أن الفطرة هي السنة في الحديث، وأما أصل معناها فالخلقة، هكذا قال. وقيل: الفطرة الدين، وهذا أيضا معنى قريب. فإن جعل الفطرة هي السنة فيه إشكال، كما قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى، ونقله النووي في المجموع، رحمهم الله تعالى جميعا. فهذا الباب متعلق، وهذا البيت وما يأتي وما قبله كله يتعلق بالفطرة وخصالها، أو ما يتعلق به. "وانتف لإبط": تقدم الكلام أمس على نتف الإبط، وأن الخلاف فيه بين الوجوب والندبية حاصل بين أهل العلم، وأن الأئمة وجماهير أهل العلم في المذاهب على أن نتف الإبط سنة مستحب، حتى نقل الإمام النووي رحمه الله أن هذا متفق على سنته، أي على أنه سنة نتف الإبط. أما صنيع الإمام أبي بكر بن العربي المالكي، فإن له مذهبا في جميع خصال الفطرة، سيأتي الكلام عليه عند الكلام على حلق العانة. مذهب ابن العربي: وجوب هذه الخصال وجوبا عينيا، أنها واجب، والشوكاني يميل إليه في هذا. واختلف العلماء في وقت نتف الإبط. تقدم الكلام: متى استحب نتف الإبط؟ والسادة الشافعية يرون أن لا وقت محددا، أنه لا وقت محدد لقطع نتف الإبط، بل هذا يعود إلى الحاجة. فإذا وجدت الحاجة صار من السنة نتف الإبط. والحاجة في نتف الإبط تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لمكان، في أحوال يختلف فيها الناس، إما في طبائعهم، وإما في أجوائهم، وغير ذلك. وذهب الجمهور، وذهب الحنفية والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد، ونقله النووي أيضا عن الشافعي: أن نتف الإبط مستحب في كل جمعة. نتف الإبط مستحب في كل جمعة، وقيل في كل أسبوع مرة. ولعل هذا يستند إلى أن نتف الإبط إذا أهمل آذى الناس وهو قادم على جمعة، فمن باب التزين والتطيب والتجمل للجمعة استحبه. هذا أوجه ما يقال في توجيه كلامهم. وأما عن المعتمد فهو أنه لا وقت محدد لنتف الإبط إلا إذا وجدت الحاجة، إلا إذا وجدت الحاجة إلى نتف الإبط فحينئذ يكون نتفها مستحبا، يكون نتفها حينئذ مستحبا. قال: "وانتف لإبط". أما سيأتي الكلام على بقية المسائل في ترك نتف الإبط لما بعد الأربعين، أي بعد أربعين ليلة، سيأتي الكلام عليه عندما نتكلم على حلق العانة. وخلاصة ما يقال: أن ما بعد الأربعين فيه خلال. الحنفية يرون التحريم، يرون التحريم، واختاره الشوكاني من المتأخرين. والشافعية في المشهور عندهم، وكذلك الحنابلة وغيرهم من الفقهاء، يرون أن ترك نتف الإبط لأكثر من أربعين مكروه كراهة شديدة، هكذا قالوا، هكذا قالوا. وعندنا من المسائل المهمة أيضا: أن ظاهر لفظ الحديث "النتف"، نتف الإبط، هذا الظاهر، هذا الظاهر في الحديث: نتف الإبط، هذا هو الظاهر في الحديث. وهل يجوز حلقه بالموس، أو إزالته بمزيل آخر مثل النورة، أو مثل بعض المواد التي إذا وضعت أزيل؟ فيه خلاف بين أهل العلم، فيه خلاف بين أهل العلم. وأكثر أهل العلم على أن السنة تتحقق بالنتف، ويجوز غيره، وهو قول الشافعية وغيرهم من الفقهاء. قال النووي رحمه الله: "ثم السنة النتف، ولو حلقه جاز". هكذا قال النووي في هذا. ثم السنة النتف، والنتف معروف: أن يقبضه بأصابعه ثم يجره، هذا هو النتف، هذا هو نتف الإبط. لو حلقه بموسى، بعض الناس يقول "بموس"، وهذا من الألحان في لغة العرب. هذه الأداة المحددة اسمها "موسى" بألف مطوية، ومن اللحن أن تقول: "حلقت بالموس"، هذا لحن. ولهذا لا يستغرب أحد حينما يسمع "ما حكم حلقها بالموسى" فيقول: "إيش الموسى؟" هذا لذن نعرف "الموس"، لا، الذي تعرفه غلط، لحن. إنما تسمى بالموسى، هكذا في لغة العرب. فإذا قلت "الموس" لحنت عند أهل اللغة ومن يفهمون هذه الصناعة. شاهد: يجوز حلقها بالموسى، الموسى يجوز حلق الإبط بالموسى، يجوز، بل نقل بعضهم الاتفاق على ذلك، نقل بعضهم الاتفاق على ذلك. وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل، هذه المسألة تحتاج إلى تأمل. فإن الناظر إلى هذا الحديث: "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الأظافر، ونتف الإبط"، لا، ذكرنا الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب. الناظر في هذا الحديث يجد أنهما موضعان في الحديث فيهما إزالة شعر: الاستحداد، الاستحداد هو حلق العانة، ونتف الإبط إزالة شعر الإبط. فها هنا إزالة، وها هنا إزالة، في نفس سياق الحديث. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الإبط النتف، وفي العانة الحلق. تب معي في هذا: في نفس الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الإبط النتف، ذكر النتف، وفي العانة الاستحداد. الاستحداد سيأتي معنا: آلة حادة يجز بها ويقطع ويزال. هل لهذا سر؟ هل لهذا مقصد؟ أم أنه يجوز الاستحداد في نتف الإبط، ويجوز النتف في العانة مثلا؟ هل هذا وهذا سواء؟ هذا البحث أثاره الإمام ابن دقيق العيد، وابن دقيق العيد محمد بن علي من محققي المتأخرين، يقول في كتابه النافع "الإحكام": "ونتـف الإبط إزالة ما نبت عليهما من الشعر، ونتف الإبط إزالة ما نبت عليهما من الشعر، بهذا الوجه أعني النتف، والنتف معروف لا داعي لبيانه، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال ما دلت عليه السنة أولى، هذا هو التحقيق في المسألة: استعمال ما دلت عليه السنة أو لا". وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول الاستحداد، وفي الثاني النتف، وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محليهما. هذا يدل على أنه ينبغي رعاية هذا الحال بهذه الهيئة، وهذا الحال بهذه الهيئة. يقول رحمه الله تعالى: "ولعل السبب فيه" ما هو السبب في أن الإبط ينتف، خصه النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "نتفوا"؟ يقول رحمه الله: "ولعل السبب فيه أن الشعر بحلقه يقوى أصله". الشعر معروف: إذا حلق بالموسى يقوى في جذوره ونموه، يقوى. ولهذا يقال: إن الطفل إذا حلق، من المسائل أن الطفل يحلق له بعد ولادته بسبعة أيام أو أكثر، قالوا: إنه يقوي حويصلات الشعر، فيقوى نمو الشعر في هذا الطفل، بخلافه ما لو ترك بنفس الشعر الذي ولد به. هكذا يقول ابن القيم في كتابه "تحفة المودود". هذا يعرفه هنا أطباء. يقول رحمه الله: "ولعل السبب فيه أن الشعر بحلقه يقوى أصله ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد بها قوته فيها، في المواضع التي يراد للشعر أن يكون غزيرا وقويا، ينصح بالحلق". قال رحمه الله: "والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها". وهذا موجود: الذين يزيلون الإبط بأدوات الحلاقة غالبا يعانون من شدة رائحة العرق عندهم، هذا موجود، فيشتد العرق عندهم ويعض، ويحصل عندهم النتن. ولهذا بعضهم يستخدم المواد، المادة هذه البيضاء، الشب، شب الفؤاد، هذا الشب، بعد أن يغتسل يضطر لأنه يزيل شيء من الرائحة. الشاهد: يقول هذا الأطباء: إن حلق الإبط يغلظ الشعر ويزيد الشعر فيه، وكان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها. فناسب أن يسن فيه النتف المضعف لأصله، النتف يضعف نمو الشعر. ويقال أيضا: يضعف الشهوة، يقال إن نتف الإبط يضعف الشهوة، هكذا يقال، الله أعلم. المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة. وأما العانة فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، ورجع إلى الاستحداد لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض. سيأتي الكلام على هذا، سيأتي الكلام على الاستحداد في العانة إن شاء الله وتعالى. الحاصل في المسألة: نتف الإبط سنة، وحلقها جائز. نتف الإبط سنة كما يقول الشافعية، وحلقها جائز، وإزالتها بالنورة ونحوها جائز. من النتف اليوم ما يصنعه بعض الناس من استعمال الحلاوة، الحلاوة التي تستخدمها النساء أيضا، هذا مما يدخل في معنى النتف، يدخل في معنى النتف. هنا فائدة تذكر قبل أن ندخل فيما بعد، وهي ما جاء في "مناقب الإمام الشافعي وآدابه" لابن أبي حاتم: قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: رأيت الشافعي يوما وقد أخرج إحدى يديه من جيبه، والحجام يحلق الشعر الذي على إبطه. هكذا كان يفعل الإمام الشافعي رحمه الله: فيحلق ثم يردها، ثم يخرج يده الأخرى فيحلق ثم يردها. الشافعي رحمه الله يحكي يونس بن عبد الأعلى أنه رأى رجلا يحلق للشافعي إبطه بالموسى أو بآلة حادة. قال أبو محمد بن أبي حاتم صاحب الكتاب: وسمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: اعتذر إلينا الشافعي من هذا، اعتذر إلينا الشافعي من هذا، وقال: "قد علمت أن السنة نتف الإبط، ولكني لا أقوى على الوجع". هكذا قال رحمه الله تعالى وغفر له. الشافعي رحمه الله بشر، وهكذا البشر ما يتحمل النتف، يعني يوجعنا، مرة ما أقدر، رحمه الله وغفر له. هذا يدل على أنهم بشر. يقول: "قد علمت السنة، لكن النتف هذا ما ما سطعت، ما تحملت الوجع". قد يكون في العلماء مثل هذا الأمر لا ينكر لأنهم بشر. يقال: أن الإمام في ترجمة الإمام يحيى بن سعيد القطان أنه كان يخاف في الظلام، إمام كبير تحتز الدنيا لجرحه، إذا جرح واحد يحيى بن سعيد القطان، يعني ربما يخاف وهو في بيته من كلمة يقولها يحيى بن سعيد القطان، إمام كبير، وكان إذا شاف الغدرة أو الشيء يفزع، شيء يخاف، رحمه الله، رحمه الله، أعلمه بشر، بشر. هل نترك السنة ونقول: خلاص يستحب الحل لأن الشافعي كان يحلق؟ عندك يا أخوان هاشي، إيش الحل، إيش نسوي الآن؟ ثبت عندنا بعض الناس يقول: نحن شافعية، نقولهم: خلاص، الشافعي كان لا ينتف الإبط، كان يحلق الإبط. الشافعي بشر، وأيضا اعتذر، قال: "قد علمت السنة أن السنة النتف، لكني لا أقوى على الوجع"، رحمه الله تعالى. فهو اعتذر بأنه يضعف عن الوجع، فلا يتحمل، لا يتحمل، رحمه الله تعالى. طيب، من الأمور التي نختم بها أيضا: أنه إذا ابتدأ الإنسان في نتف الإبط فينبغي أن يبدأ بإبطه الأيمن، يستخدم يده اليسرى، يستخدم يده اليسرى، ثم يبدأ بيده بإبطه الأيسر، يستخدم يده اليمنى، لعموم حديث عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله". رحمهم، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. قال رحمه الله تعالى: "وانتف لإبط، ويقص الشارب". هذه الخصلة من خصال الفطرة، وهي قص الشارب. قص الشارب هذه من خصال الفطرة. قص الشارب، والفقهاء على أن قص الشارب سنة، هكذا قالت المذاهب الأربعة: يقولون قص الشارب سنة، يقولون قص الشارب سنة، هذا مذهب الأئمة الأربعة: أن قص الشارب سنة من السنن. وذهب الإمام ابن العربي رحمه الله إلى أن قص الشارب واجب، ذهب ابن العربي رحمه الله إلى أن قص الشارب واجب، هكذا ذهب ابن العربي رحمه الله تعالى. فالمذاهب الأربعة من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أن قص الشارب سنة من السنن، على أن قص الشارب سنة من السنن، وابن العربي يرى وجوبها، أي وجوبة قص الشارب، هذا مذهب ابن العربي كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والحقيقة أن هذه المسألة أقوى مما تقدم، فالقول بالوجوب له وجهه. فإن الناظر في النصوص الواردة يجد أن السنة جاءت آمرة أمرا ظاهرا لا صارف له بقص الشارب. السنة جاءت آمرة أمرا لا نعلم له صارف بقص الشارب. في الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشارب، وأحفوا الشارب". هذا الشاهد: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشارب". في صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس". جزوا الشوارب وأرخوا اللحى. في صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية. في صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشارب. سيأتي أن الإحفاء: القص أو أكثر قليلا، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. أمر بإحفاء الشارب صلى الله عليه وسلم وإعفاء اللحية. في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهذا أشد ما في الباب، هذا الحديث الذي سنقرأه وتسمعونه أشد ما في الباب، عن زيد بن أسلم، وهذا في مسند الإمام أحمد رحمه الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا". من لم يأخذ من شاربه فليس منا. قد يقال: هذا على ظاهر هذا الحديث يكون من الكبائر. قد يقال: هذا، هذا محتوم. "من لم يأخذ من شاربه فليس منا". بعض الفقهاء يحاول أن يتأول، لكن لفظ الحديث يضعف التأويل، لا سيما مع ما في الباب من أوامر، الأوامر الأخرى في الباب: "جزوا، أحفوا، أمر بإعفاء، أمر بإحفاء"، إلى آخره، أمر بالقص في أحاديث الباب الآمرة. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله، رحمه الله في "تحفة المودود": "وأما قص الشارب فالدليل يقتضي وجوبه". إذا قال، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في "تحفة المودود بأحكام المولود": "وأما قص الشارب فالدليل يعني في السنة يقتضي وجوبه إذا قال، وهذا الذي يتعين القول به". هكذا يقول ابن القيم: "هذا الذي يتعين القول به، ليس الأمر أمر اختيار عند ابن القيم"، مع أنه حنبلي ويخالف الحنابلة في هذه المسألة. يقول ابن القيم: "وأما قص الشارب فالدليل يعني في السنة يقتضي وجوبه إذا قال، وهذا الذي يتعين القول به، هذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقوله: من لم يأخذ شاربه فليس منا". انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وغفر له. ولهذا فالراجح باعتبار الدليل لا باعتبار الأقوال: الراجح باعتبار الدليل أن قص الشارب إذا طال يكون من الواجب، كإعفاء اللحية، كإعفاء اللحية. هذه المسألة من المسائل التي خرجنا فيها عن الأصل الذي مشي عليه في الكتاب. يقول الناظم: "وانتف لإبط، ويقص الشارب". هناك مسألة مهمة: ما هو الأفضل في قص الشارب، قصه أو حلقه؟ هذه المسألة الأولى: ما الأولى للشارب أو في الشارب، القص أم الحلق؟ الحلق معناه أن يز معناه الإزالة الكاملة بآلة حادة كالموسى ونحوها. هذه المسألة الأولى. إذن أي مسألة نحن فيها؟ عند من يا أخوان؟ عندك يا أخوان عبد الرحمن؟ أي مسألة نحن فيها الآن؟ ما هو الأولى: قص الشارب أو حلقه؟ طيب، لا بد أن نركز لأنه سيأتي معنا ما هو الحكم والأولى: قص الشارب أو إحفاؤه؟ هذه مسألة ثانية. فنفرق بين مسألة الإزالة الكاملة بموسى ونحوها، وبين الحف بالمقص حتى يكون يظهر الجلد. هذه مسألة، وهذه مسألة. هل فرقتم بين المسألتين؟ عندك يا أخوان عبد الرحمن، هل فرقتم بين المسألتين؟ الجواب: نعم إن شاء الله. طيب، هذه المسألة فيها خلاف. هذه المسألة فيها خلاف. مذهب الحنفية: جواز الحلق، أي إزالة الشارب بالموسى أو بآلة حادة، هذا جائز في مذهب الحنفية. والإمام مالك رحمه الله أغلظ في هذه المسألة، الإمام مالك وهو مذهب المالكية، وهو مذهب الشافعية أيضا، وهو قول الحنابلة، وهو قول للحنابلة. إذن مذهب المالكية والشافعية وقول للحنابلة: لا يجوز حلق الشارب. من الذي قال بجواز حلق الشارب؟ الحنفية. الإمام مالك أغلظ في هذه المسألة، مسألة حلق الشارب. ولازلت أكرر في التركيز على المسألة. قال الإمام مالك: "أرى أن يؤدب من حلق شاربه"، أي يضرب أو يؤدب بأدب من الآداب، أي عند القاضي يأخذه ويؤدبه. "أرى أن يؤدب من حلق شاربه". وقال أيضا: "حلق الشارب بدعة"، حلق الشارب بدعة، أي محدثة لم تكن معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن الصحابة. ويقول أيضا الإمام مالك: "حلق الشارب مثلة، والمثلة لا تجوز"، أي تمثيل للإنسان فيما خلقه الله به سويا، وهو يزيل ذلك العضو الذي خلق به على وجه التمام. الأحاديث في هذا الباب، باب قص الشارب، لم يأتي فيها ولا حديث واحد فيه حلق الشارب. لم يأتي ولا حديث فيه حلق الشارب. والمراد بالحلق: الاستئصال الكامل لشعر الشارب. المراد بالحلق: استئصال الشعر تماما، استئصال الشعر تماما، سواء بالنتف، أو بجعل مادة تسقطه وتفنيه، أو بحلقه بموسى، أو بنحوه. الأحاديث الواردة في الباب، كما سيأتي وسمعنا فيما سبق، فيها: "خمس من الفطرة"، ثم قال: "وقص الشارب". وفي الأحاديث الآمرة: "أرخوا اللحى، وأحفوا الشوارب"، "جزوا الشوارب"، ونحوه. لم يأتي فيها: "احلقوا الشوارب". الإمام مالك رحمه الله من أئمة المدينة الذين تتلمذوا على من بقي من التابعين في المدينة، كسالم ونافع وجماعات من التابعين، وهم ينقلون عمل أهل المدينة. والمدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دار العلم، كما يقول عمر بن الخطاب، كما يقول الراوي لعمر بن الخطاب في صحيح البخاري: فإذا ذهبت، قام عمر في الحج فقال، وأراد أن يتكلم في استخلاف رجل بعده، إن جرى له شيء، فقال له بعض الصحابة، لا يحضرني اسمه الآن في صحيح البخاري، قال: "يا أمير المؤمنين، إن الحج يجمع غوغاء الناس وجهلتهم، وأخشى أن يحدث شر، ولكنك إذا جئت المدينة دار السنة ومحط العلماء، عقل عنك الناس ما تقول". شاهد: نحن من هذا الحديث أن المدينة دار العلم ودار السنة. ولهذا الراجح في المسألة أن حلق الشارب لا يجوز، لعدم الدليل عليه، ولعدم سبق العمل به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ولهذا قال مالك: بدعة، وقال: يؤدب من فعل ذلك، قال: يؤدب من فعل ذلك. وبهذا قال محدث العصر الإمام ناصر الدين الألباني رحمه الله، قال معلقا على حديث زيد بن أرقم السالف، حديث زيد بن أرقم، ماذا فيه؟ ما لفظه؟ "ليس منا من لم يأخذ من شاربه"، "ليس منا من لم يأخذ من شاربه فليس منا". يقول الإمام رحمه الله: "هذا الحديث يدل على أن المشروع في الشارب أن يأخذ بعضه، وهو ما طال على الشفة، ما طال على الشفة. وأما أخذه كله كما يفعله بعض الصوفية وغيرهم فهو كما قال مالك: مثلة". قد يقول قائل: ذكرت مذهب الحنفية، ألا ذكرت دليلا لهم؟ الجواب: نعم، الحنفية دليلهم عجيب في هذه المسألة، وهو قياس قص الشارب على حلق الحاج رأسه في النسك، هذا دليله. فقالوا: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن دعا للمقصرين مرة، ودعا للمحلقين معهم ثلاثا. قالوا: فهذا يدل على أن الحلق دائما يكون أفضل من التقصير والقص. بما بعد الشفة هكذا يقولون: قص، لكن اللي زالها لأكمله والاستئصال حلق، وهذا أولى، وهذا أترك التعليق لكم فيه. هذا دليله، وهو دليل يعني غير منتقب، غير منتقب. هنا سؤال: هل تطويل الشارب وحلقه، وحلق اللحية معصية؟ سيأتي الكلام على هذا مفصلا إن شاء الله وتعالى. المسألة الثانية: ما هو الأفضل، التقصير للشارب أو إحفاؤه، أي كثرة حلقه حتى يبدو جلد الشفة؟ هذه المسألة الثانية، وهي مسألة قوية، والخلاف فيها قوي، ولكن الوقت دخل مكملها، إن شاء الله غدا. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.