شرح كتاب التوحيد 9

الدرس في شرح كتاب التوحيد 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

منهج النبوة في الدعوة: البدء بالشهادتين والتدرج في الفرائض

يشرح المقطع حديث معاذ بن جبل عند بعثه إلى اليمن، مبيناً أن النبي ﷺ أمر بالبدء بدعوة أهل الكتاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن النطق بالشهادتين هو أول واجب على المدعو. ثم يوضح التدرج في فرض الصلوات الخمس والزكاة بشروطها وآدابها، مع التحذير من دعوة المظلوم.

وصية النبي ﷺ لمعاذ بتقوى دعوة المظلوم ومراتب المدعوين

يحذر النبي ﷺ معاذاً من دعوة المظلوم لأنها مستجابة حتى لو كان كافراً، ويضرب مثلاً بانهيار ملك المعتمد بن عباد بسبب دعوة مظلوم. ثم يبين مراتب الناس في الدعوة: محب الحق يُدعى بالحكمة، وصاحب الشبهات يُزال شبهه أولاً، والمعاند يُجادل بالتي هي أحسن.

ختام الدرس والإعلان عن مواصلة حديث سهل

أعلن المحاضر عن التوقف عند هذا الحد على أن يُكمل غداً حديث سهل، وسأل الحضور إن كان لديهم أي استفسارات أو ملاحظات قبل الانصراف. بذلك يُختتم اللقاء مع التمهيد للدرس القادم.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

طيب، نكمل إن شاء الله تعالى. الباب: قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله». وقول الله تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. قال المصنف رحمه الله: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». وهذا فيه دليل على مراعاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحال المدعو، ومعرفته بأحوال الناس. «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب» يعني: فتحصا من العلم، ومن كشف جبهاتهم، يعني: فتحصا من العلم الذي تستعين به على كشف جبهاتهم؛ فإنهم من أهل الكتاب، فيحتاجون إلى معرفة ما عندهم، وما هو الرد عليهم؛ لأنك قد تجادل من قبل بعضهم، فتحتاج إلى علم تدفع به شبهاتهم. قال رحمه الله تعالى: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». قال أهل العلم: في هذا دليل على مراعاته صلى الله عليه وسلم لحال من يدعوه، ومعرفته صلى الله عليه وسلم بأحوال الناس. قال رحمه الله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية: «إلى أن يوحد الله». هذه الرواية رواية الإمام البخاري، هذه الرواية هي لفظ البخاري وروايته. قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وهذا فيه البدء بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله تلفظا بها، وعملا، واعتقادا. وأن من قالها بلسانه، وعمل بها، واعتقدها بقلبه فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. وفي هذا رد على المتكلمين الذين يقولون: أول واجب هو النظر، أو التفكر، أو الاستدلال. هذا فيه رد عليهم، وأن أول واجب هو التلفظ بالشهادتين. فالتلفظ بالشهادتين هو أول واجب لمن يدعى إلى الدين. هذا الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعوته، وهذا منهجه، وهذه طريقته، وطريقة الأنبياء والرسل من قبله. «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» يعني: وأني رسول الله. لكن الرواة يختصرون. فإذا رأيت لفظ «شهادة أن لا إله إلا الله» فإنه يتبعها لزوما شهادة أن محمدا رسول الله. لكن الرواة يختصرون، كأنه للمعرفة بها؛ فإنه من أتى بأشهد أن لا إله إلا الله، قيل له: كمل، أكمل الشهادة، فيقول: وأشهد أن محمدا رسول الله. فإنه الذي جاء بهذه الشهادة، ودع الناس إليها، ونحن من أمته، فيلزمنا أن نؤمن به. فهو جاء إلى هذه الأمة بشهادة أن لا إله إلا الله، فيلزم الإيمان بأنه رسول من عند الله. ولهذا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ولا بد من أن يتلفظ بها، هذا شرط فيها، لا بد أن يتلفظ بها. فإن امتنع كان كافرا. وإن عجز عجزا حكميا معتبرا كان معذورا. لكن يلزمه الإتيان بما يدل عليها كالكتابة، أو الإشارة، أو نحو ذلك. «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية: «إلى أن يوحد الله». في هذه الرواية دليل على أن الدعوة إلى التوحيد هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. هذه هي دعوة التوحيد. شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فما يفعله أهل البدع والباطل من زعمهم أن التوحيد هو كذا وكذا مما تقدم ذكره، كلهم مردود بمثل هذه الأحاديث. فتوحيد الله هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. هذا هو توحيد الله. «فإنهم أطاعوك لذلك»؛ الفاء للتعقيب. الفاء تفيد التعقيب، وتفيد التدرج في الدعوة. التدرج في الدعوة يبدأ معهم بأهم الأمور، وهو التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله. فإن آمنوا، نزل معهم إلى ما دونه. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة». وهذا دليل على فرضية الصلوات الخمس، وأنها ثاني ما يبدأ به بعد التوحيد، بعد الشهادتين. قال: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وهذه هي المرتبة الثالثة، وهي وجوب الزكاة، وفرضيتها على أغنياء المسلمين، ومن وجبت في ماله الزكاة منهم. هذا على أغنياء المسلمين صريحة، وعلى من وجبت منهم في ماله الزكاة: بأن دار عليها الحول، وبلغت النصاب. دار عليها الحول، وبلغت النصاب. فإن لم تبلغ النصاب، فلا زكاة واجبة. وإن لم يدر عليها الحول، فلا زكاة واجبة. وإنما تجب الزكاة بجولان الحول، وبلوغ المال النصاب. والأولى أن تعطى الزكاة في بلد الأغنياء أنفسهم، لقوله: «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»؛ فهم أولى بصدقة صاحبهم. فإن استكفوا، أعطيت لأقرب بلد إليهم. إن استكفوا، أعطيت لأقرب بلد إليهم. وهكذا. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم». يعني: إذا أردت أن تأخذ الزكاة من الإبل، أو الغنم، أو البقر مثلا، أو التمر المخروص، فإياك أن تأخذ أطيب ما في الباب. إياك أن تأخذ أنفس ما في الباب، فتنتقيه انتقاء. هذا منهي عنه. فالزكاة تأخذ من وسط المال، لا من رديه، ولا من أجوده. تأخذ من وسطه. وهذا فيه تطيب نفس المنفق؛ فإن المال عزيز على النفوس. قال سبحانه: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾. فإذا جاء الخارص للنخل مثلا، أو الجابي للزكاة إبلا كانت أو غنما مثلا، فانتقى انتقاء من الإبل، أو الغنم، أو التمر، كان واقعا في نهي النبي صلى الله عليه وسلم. الزكاة تأخذ من وسط المال. الزكاة تأخذ من وسط المال. ولا يجوز للمزكي أن يعطي أردى ماله. هذا من التحايل. هذا من التحايل. والواجب أن يعطي من وسط المال، لا من رديئه، ولا من أعلاه أجوده، لكن من الوسط. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم». وكرائم المال هي النفائس من الأموال. الكرائم: النفائس. «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وهذه وصية عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ، أن يحذر من ظلم الناس، يحذر من ظلم الناس. فلو ظلم إنسانا، فرفع يديه داعيا عليه، استجاب الله دعاءه، ولو كان المدعو عليه معاذ بن جبل، ولو كان الداعي كافرا. فإن دعوة المظلوم لا ترد. ثلاث لا ترد دعوتهم، كما في الحديث: «دعوة الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر». دعوة المظلوم ولو كان كافرا. دعوة المظلوم ولو كان كافرا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «واتق دعوة المظلوم». أي: اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية. اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية. فكم أذهبت من نِعم! كم من دول ذهبت بسبب دعوة المظلوم! تذهب دول، وكم من غنى يذهب، أو جاه يسقط، بسبب دعوة المظلوم. وما خبر المعتمد بن عباد، ملوك غرناطة، عنا ببعيد. فإنهم كانوا من أغنى أغنياء الدنيا، كانوا من أغنى أغنياء الدنيا. ثم دارت بهم الدائرة، حتى صاروا عالة على الناس. وأسر المعتمد وابنته، كما في تاريخ ابن خلكان، أسر في بعض بلدان المغرب، حتى قالت بعض بناته في الأطمار جائعة، يغزلن للناس، ما يملكن خطميرا. إلى أن قالت: «من كان بعدك في ملك يسر به، فإنما عاش بالأحلام مسرورا». قال العالم: هذه من أعظم العبر. سألته ابنته: ما بال ما أصابنا، ونحن كنا من أغنى أغنياء الدنيا وملوكها؟ قال: يا ابنتي، لعلها دعوة مظلوم سرت في جوف ليل، لم ننتبه لها. لعلها دعوة مظلوم سرت في جوف ليل، لم ننتبه لها. قال ابن خلكان: وأدركت أحفاد أحفاد أحفادي شيوخا يسألون الناس في المغرب، يعني: أصابت أجيالا. «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». معناه: لا تُرَد. معناه: أنها لا تُرَد. وهذا حديث عظيم، فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لداع من الدعاة إلى الله سبحانه، وهو معاذ بن جبل. وهذه وصية عظيمة، هي تعتبر منهجا للدعوة. فإن الناس في الدعوة مراتب. الناس في الدعوة مراتب. منهم من هو محب للحق، مؤثر له، ساعيا إلى طلبه. من الناس من هو محب للحق، مؤثر له، ساعيا إليه. فمثل هذا يدعى بالحكمة، وبالموعظة الحسنة؛ فإنه يستجيب. ومن الناس من يكون مشتغلا بالباطل، لكنه محب للحق. يكون في أحضان المبطلين، لكنه محب للحق أيضا. وإن تلبس بالبدع، أو المخالفات، أو الشركيات، فهو يحب الهدى، ويؤثره على الضلال. ليس بصاحب هوى. فمثل هذا تكشف له شبهته أولا. تكشف له شبهته أولا، ثم يدعى بعد ذلك؛ فإن صدره مليء بالشبه، فيحتاج إلى إزالة ما في صدره، أو تشكيكه بما فيه، أو تشكيكه فيما هو فيه من الباطل. فإذا شك، قيل: الهدى كذا وكذا. ومن الناس من هو مشتغل بالباطل، معرض عن الحق، صاحب هوى، معاند. هذا يجادل بالتي هي أحسن. فإن لم ينفع الجدال، انتفع بالجلات. مثل هذا: إن لم ينتفع بالجدال، انتفع بالجلات، يعني: بالختار. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». طيب، إن شاء الله تعالى نقف هنا، ونكمل غدا حديث سهل، إن شاء الله تعالى. فإذا كان لكم شيء... اللوحة.