الدرس في شرح كتاب التوحيد 33، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع حديث أبي هريرة في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لأقاربه بأنه لا يغني عنهم من الله شيئا، مستدلا بذلك على بطلان التوسل بالقبور ودعاء غير الله. وينتقد الأشعار التي تلجأ للرسول بدل الله مبينا أن هذا الباب من أعظم دلائل التوحيد وإبطال الشرك.
يستدل المقطع بآيات قرآنية وحديث نبوي على أن الملائكة وهم أشرف المخلوقات تصيبهم الغشية والخوف من سماع كلام الله، مما يثبت عجزهم عن النفع أو الضر. ويؤكد أن الإله الحق هو وحده المالك للضر والنفع العلي الكبير.
يصف المقطع كيفية تراكب الشياطين لاستراق السمع وإلقاء الكلمة إلى الكهان مع تعرضهم للشهب، ثم يذكر حديث النواس بن سمعان عن رجفة السماوات وخوف الملائكة عند كلام الله. يستدل بذلك على إثبات صفة الصوت والكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله ردا على المعطلة.
يؤكد المقطع ضعف حال الملائكة عن أن يكونوا معبودين مع الله مستدلا بذلك على بطلان عبادة غيرهم. ويختتم الدرس عند هذا الحد مع الإعلان عن البدء في مبحث الشفاعة في الجلسة القادمة.
طيب، إن شاء الله تعالى نكمل الباب. وقفنا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: وفيه أن أبا هريرة قال رضي الله عنه: قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أنزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، قال: «يا معشر قريش» أو كلمة نحوها: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا». وهذا الحديث خاتمة هذا الباب، وهو حديث عظيم. إذا كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا ينفع ابنته، ولا عمه، ولا عمته، ولا ينفع قرابته، ولا يغني عن قبيلته، فغيرهم من باب أولى، غيرهم من باب أولى. قال: «ويا فاطمة بنت محمد»؛ في هذا التدرج في النصيحة من الأعم إلى الأخص. ثم قال: «يا فاطمة بنت محمد، التي هي قطعة مني» صلى الله عليه وسلم: «سليني من مالي ما شئت». وفي هذا أن الإنسان يسأل ما يقدر عليه؛ في هذا أن الإنسان إنما يسأل ما يقدر عليه، أما ما لا يقدر عليه فإنه لا يجوز أن يسأله، ما لا يقدر عليه لا يجوز أن يسأله. قال: «لا أغني عنك من الله شيئا». وقد أحسن المصنف رحمه الله فقال في المسألة الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئا»، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا». قال رحمه الله: فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. قال المصنف: ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد، تبين له التوحيد، وغربة الدين. وهذه فائدة حسنة؛ فإن هذا الباب أحد بابين في دلائل بطلان عبادة غير الله سبحانه. هذا الباب أحد بابين فيهما الدلائل على بطلان عبادة غير الله سبحانه. فإذا كان رسول الله لا يغني عن أقرب الأقربين إليه شيئا، أفيجوز أن يدعى ويشرك به؟ فالجواب: لا يجوز. فكيف يدعى غيره وهو أبعد عن الله سبحانه؟ هذا دليل على بطلان شك. ومن هنا نعرف أن ما عليه القبوريون دليل على أنهم ما قرؤوا القرآن ولا عرفوا دين الإسلام. ما عليه القبوريون في أحوالهم دليل على أنهم ما قرؤوا القرآن، وعلى أنهم ما عرفوا دين الإسلام. فهذا البوصيري يقول في بردته المشهورة: «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم». أهذا قرأ القرآن وفهمه؟ أهذا عرف دين الإسلام؟ «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم»؛ المصيبة التي تعمي. لا أجد أحدا ألجأ إليه إلا أنت يا محمد. والنبي يقول لفاطمة: «سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا». «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم، فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا، وهو أوفى الخلق بالذمم. إن لم تكن في معادي آخذا بيدي فضلا، وإلا فقل يا زلة القدر». هذا ما عرف دين الإسلام. أو هكذا عبد الرحيم البراعي الذي يقول: «يا رسول الله، يا سيدي ومفخري، أنت الملاذ لما أخشى ضرورته، وأنت لي ملجأ من حادث الدهر». هكذا يخاطب الرسول: «أنت الملاذ لما أخشى ضرورته»؛ لا يلد، لا ينفعني، ويدفع عني إلا أنت يا رسول الله. «أنت الملاذ لما أخشى ضرورته، وأنت لي ملجأ من حادث الدهر». هكذا يقول عبد الرحيم البراعي. ويقول أيضا: «يا صبي...» ويقول أيضا: «يا صبي يديني، يا سندي» في أبيات كثيرة له شركية، ديوانه مليء بها. «لد على عبد الرحيم الملتجي بحمى عزك، يا غوث اليتامة... لد على عبد الرحيم الملتجي بحمى عزك، يا غوث اليتامة» أو كما قال. فالشاهد: هؤلاء ما عرفوا دين الله. المشركون الأوائل ما بلغوا هذه المنزلة؛ لم يكونوا يعتقدون في معبوديهم أنهم ينفعونهم هذا النفع، أو يدفعون عنهم هذا الدفع. لكن كما قال سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. فالشاهد: إذا عرفت أن رسول الله لا ينفع أحدا شيئا، أفتنفع الإنسان حجارة أو أصنام أو أوثان أو قبور؟ هذا معنى الباب. فهذا باب في دلائل التوحيد. قال رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23]. وهذا الباب الثاني من باب دلائل بطلان الشرك. هذا الباب والباب الذي قبله من دلائل بطلان الشرك، براهين. هذا فيه برهان واضح على بطلان عبادة غير الله سبحانه، وعلى عظمة الله سبحانه، وعلى أن الملائكة المقربين الذين هم من أشرف خلق الله سبحانه، ومن أجلّ خلق الله سبحانه، يحصل لهم هذا، فكيف يعبدون وهم ضعفاء هذا الضعف؟ فكيف يعبد من هو دونهم في الضعف؟ والواجب أن لا يعبد إلا من يملك الضر والنفع. الواجب في العبادة أن تصرف لمن يملك الضر والنفع؛ فإن الذي يملك الضر والنفع هو الإله، كما تقدم ذكر الأدلة على أن الله أنكر عليهم أن يعبدوا ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا في آيات كثيرة: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [المائدة: 76]، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الأنبياء: 66] الآية. فالشاهد: هؤلاء ضعفاء، فكيف يكونون آلهة يعبدون مع الله سبحانه؟ قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾؛ يعني: أزيل الفزع عن قلوب الملائكة. حتى إذا فزع من الغشية التي أصابتهم من سماعهم كلام الله، حتى إذا أزيل الفزع عن قلوب الملائكة حين سمعوا كلام الله، فأصابهم الغشيات بسبب ما سمعوا من كلام الله، كما قال ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وجماعة من السلف بتفسير الآية. ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾؛ أي: قال الحق. فهو سبحانه الحق، من أسماء الله سبحانه: الحق. وقوله سبحانه الحق، ووعده سبحانه الحق، ووعيده سبحانه الحق. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ فهو العلي الذي له صفة العلو الكاملة، الذي له صفة العلو الكاملة: علو الشرف والقدر، علو شرف وقدر، وعلو قهر، وعلو ذات، سبحانه وتعالى. فهو العلي بجميع أنواع العلو. الكبير الذي لا أكبر منه سبحانه، فهو الكبير سبحانه وتعالى، ولا أعظم منه سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية والآيات قبلها، كما سيأتي ذكرها في الباب الذي بعده، بيان ضعف عبادة غير الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 22-23]. فنبأ سبحانه الشرك بجميع صوره، نبأ سبحانه الشرك بجميع صوره عن كل معبود. فإذا كانت الملائكة هذا حالهم مع كلام الله سبحانه إذ يسمعون، إذ يسمعون وهم خير من الأصنام، وخير من الحجارة، وخير من القبور، بل هم من خير عباد الله، هذا حالهم، وصفه الله لنا. فكيف وهم فيهم قوة؟ هم فيهم قوة لكن ضعفاء أمام عظمة الله سبحانه. فكيف بما دونهم مما يعبد مع الله سبحانه وتعالى؟ فهم مع قوتهم لما سمعوا كلام الله أصابهم مثل الغشيان، كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّهُمْ﴾؛ أي مما أصابهم من الغشي. فكيف يعبدون مع الله سبحانه وهم ضعفاء؟ والمعبود لا بد أن يكون مالكا للضر والنفع. فهذا برهان صاف على بطلان عبادة غير الله سبحانه. فمن عظمة الله سبحانه، من عظمة الله سبحانه بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه سبحانه وتعالى، أرعدوا من الهيبة حتى لحقهم مثل الغشيان، مثل الغشي، مثل الغيبوبة تصيبهم من شدة خوفهم مما يسمعون من كلام الله سبحانه وتعالى. قالوا بالصحيح، قالوا بالصحيح: لأبي، صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء»؛ أي تكلم بالوحي سبحانه إلى جبريل كما أراد الله سبحانه. إذا قضى الله الأمر في السماء؛ أي تكلم بالأمر من وحيه سبحانه إلى جبريل عليه السلام. هذا معنى: إذا قضى الله الأمر بالسماء؛ أي تكلم سبحانه بالأمر من وحيه إلى جبريل عليه السلام. «ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان»؛ أي كأن الصوت المسموع صوت سلسلة من حديد كبيرة تجر على حجرة صماء ملساء، هذا هو الصفوان: الحجر الأملس الأصم. فإذا جرت أحدثت صوتا هو مثل الرنين: «كأنه سلسلة على صفوان»؛ سلسلة من حديد تجر على حجر أملس، أملس. «ينفذهم ذلك»؛ أي يخترقهم ويصل إلى قلوبهم شدة الصوت، تصل إلى قلوبهم شدة ذلك الصوت. قال: «حتى إذا فزع عن قلوبهم»؛ أي أزيل الفزع وذهب عن قلوب الملائكة. «قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق»؛ أي قالوا: قال الله الحق. «قالوا: الحق»؛ أي قالوا: قال الله الحق. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. «قال: فيسمعها مسترق السمع». قال: يعني يسمع الكلمة من وحي الله سبحانه، يسمع الكلمة من وحي الله سبحانه. «قال: ومسترق السمع يعني الجن». هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه: «فحرفها وبدد بينها صابع». يعني: هكذا. فحرف، وصفه سفيان بكفه: فحرفها وبدد بينها صابع. يعني: وصف سفيان ركوب الشياطين بعضهم على بعض، فكأن كل واحد يركب على كتف الآخر، أو يحمل الآخر على يده. فإذا رعاهم الرائي كانوا كحاجز. إذا رعاهم الرائي كانوا كحاجز. فيسم: اليد المفرقة الأصابع، كل يحمل الآخر حتى يصل إلى أبواب السماء فيسترقون السمع. قال: «فيسمعوا الكلمة فيلقيها إلى من تحته»؛ أي من الوحي أن الله قضى كذا وكذا. ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركها». وكان في الجاهلية استراق السمع أكثر منه بعد، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قالت الجن: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: 9]. فكانوا يستمعون بكثرة، وأخبارهم كثيرة في الصدر. لكن لما بعث الله نبيه حرزت السماء. فإذا تراكبت الشياطين، وحمل كل شيطان أخاه حتى يقفوا على باب السماء فيستمعون كلام الله سبحانه بوحيه وما يقضيه من أمره، يلقي الشيطان الكلمة إلى من دونه، وهكذا. فإن أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ذهب وذهبت الكلمة، وإلا وصلت إلى الكاهن. قال: «حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذب» بفتح الكاف وسكون الدال وفتح الباء الموحد: مئة كذبة. «فيقال»؛ أي: فيقول الناس ممن يأتي هذا الكاهن والساحر، ممن يأتي هذا الكاهن والساحر: «أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟» هذه فتنة عليه، فتنة عليه. ينسون، كما قال الشيخ في المسألة الثامنة عشرة: قال: قبول النفوس الباطلة كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ وهذا من عاجل الفتنة، من عاجل الفتنة لهؤلاء: يتمسكون بكلمة الحق التي ألقيت، وينسون التسعة والتسعين الكذبة، أو المئة. قال: «فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء». قال: وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجدا. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأل ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل». والحديث أخرجه الطبراني وجماعة، وفي سنده ضعف، إلا أن معناه صحيح، تلت عليه الأدلة في الصحيحين وغيرها. الشاهد من هذين الحديثين: أن الملائكة الذين هم كما قال الله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57]، والذين قال الله فيهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، والذين قال الله فيهم: ﴿بِلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]، والذين لهم من القوة ما ليس لكثير من المعبودات، إذا سمعوا صوت كلام له أصابهم هذا الفزع والغشيان والرجفة والرعدة من شدة الخوف، فهم معبودون... فهم عابدون لله سبحانه، لا معبودون مع الله سبحانه. ضعفاء إلى الله سبحانه، محتاجون إليه، يخافون منه ومن عقابه سبحانه. فكيف يعبدون من دون الله؟ فإذا بطلت عبادة الملائكة، فمن باب أولى أن تبطل عبادة البشر. إذا بطلت عبادة الملائكة، من باب أولى وأحرى أن تبطل عبادة البشر. وفي هذا إثبات كلام الله سبحانه، وأنه كلام على ما يليق به سبحانه، وإثبات الصوت لله سبحانه وتعالى، وأن كلام الله سبحانه بحرف وصوت. صوت الله سبحانه على ما يليق بجلاله، صوت الله سبحانه على ما يليق بجلاله. وفي القرآن تسعة مواضع في إثبات النداء: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ونحو ذلك، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14]، في تسعة مواضع من القرآن ذكر النداء. والنداء لا يكون إلا بصوت. وأول ما ظهر إنكار صوت الله سبحانه في المئة الثالثة، كما قاله شيخ الإسلام في التسعينية. أول ما ظهر إنكار صوت الله سبحانه، وأن له صوتا يليق به سبحانه، لا كأصوات البشر، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وله صوت يليق به سبحانه، وكلامه بحروف وأصوات سبحانه وتعالى. فمن أنكر الصوت فهو مبتدع. فالملائكة تسمع ذلك بإذن الله سبحانه، بإذن الله سبحانه وتعالى، تسمع ذلك بإذن الله سبحانه. وفي هذا رد على الأشعرية، في هذا رد على الأشعرية المعطلة المحرفة، فضلا عن الجهمية. كما قال الشيخ رحمه الله: العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة. فأهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، سواء من النزول أو الإتيان أو الوجه أو اليدين أو القدمين أو الساق أو الصوت أو الاستواء أو نحو ذلك، على ما يليق بجلال الله سبحانه. فكما أن ذاته ليست كذات أحد ولا تشبهها الذوات، فكذلك صفاته لا تشبهها الصفات. وهذا باب عظيم. الشاهد منه كما تقدم: ضعف حال الملائكة عن أن يكونوا معبودين مع الله، كيف بغيرهم؟ وبهذا ينتهي هذا الباب. إذا كان لكم شيء... إلا وقفنا هنا، ندخل غدا في الشفاعة إن شاء الله تعالى. شكرا للمشاهدة.