الدرس في شرح كتاب التوحيد 61، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الحديث النبوي «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» مبيناً أن حلاوة الإيمان هي لذة قلبية تفوق ملاذ الدنيا، وتتحقق بتقديم محبة الله ورسوله على كل محبة، ومحبة المرء لوجه الله، وبغض العودة إلى الكفر. وتؤكد هذه الخصال أن تحقيق محبة الله ورسوله هو أساس الإيمان، وأن تقديم طاعة غير الله يعد شركاً أكبر أو كبيرة من الكبائر.
يوضح المقطع أن محبة غير الله إذا أدت إلى معصية الله تعد شركاً أصغر، وأن الحب في الله والبغض في الله هما أساس الولاء والبراء الذي لا يجد طعم الإيمان إلا من تمسك به. ويحذر من أن غالب صداقات الناس اليوم تقوم على مصالح دنيوية لا على تقوى الله، مما يستوجب على طالب العلم التحفظ منها.
ينصح طالب العلم بتجنب المعارف والصداقات التي ليست لله، مستشهداً بهجر السلف للأصحاب خوفاً من العداوات وتوجيههم للاشتغال بالعلم والعبادة. وتستدل الآيات وأقوال السلف على أن مودات الدنيا تنقلب عداوة يوم القيامة إلا ما كان على تقوى، مع ترشيح كتب العزلة ككتابي الخطابي وابن الوزير ورسالة السيوطي والمرزباني.
يُشير المتحدث إلى أن العامل المذكور ليس محبة لله، ثم يعلن إنهاء الجلسة ويبدأ بقراءة باب «الخوف» وصولاً إلى مفهوم فناء الشيء. وبذلك ينتقل الدرس من حديث حلاوة الإيمان إلى مباحث الخوف في العقيدة.
طيب، نَبْنِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قَالَ: «وَلَهُ مَا عَنْهُ» يَعْنِي الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا. قَالَ: «وَلَهُ مَا عَنْهُ» يَعْنِي عَنْ حَنَّاشٍ الْمَالِكِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَالَ: «وَلَهُ مَا عَنْهُ». قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ». وَالْمَقْصُودُ بِحَلَاوَةِ الْإِيمَانِ أَيْ لَذَّتُهُ، لَذَّةٌ يَجِدُهَا الْمُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ، وَهِيَ أَذُّ الْمَلاَذِّ. حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ لَذَّةٌ يَجِدُهَا الْمُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ، هِيَ أَذُّ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، بَلْ أَذُّ مِنْ جَمِيعِ مَلَاذِّ الدُّنْيَا وَأَحْلَى مِنْ جَمِيعِ حَلَاوَاتِهَا، يَجِدُهَا الْمُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ أَعْظَمَ مِمَّا يَجِدُ طَعْمَ الْحَلَاوَةِ فِي لِسَانِهِ. قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ» أَيْ ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، يَعْنِي لَذَّتَهُ وَرَاحَتَهُ وَطُمَأْنِينَتَهُ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. الثَّانِيَةُ: الْخَصْلَةُ الْأُولَى: حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَتَقْدِيمُ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى جَمِيعِ الْمَحَابِّ: أَوْلَادًا أَوْ وَطَنًا أَوْ مَالًا أَوْ عَشِيرَةً أَوْ أَقَارِبَ أَوْ أَصْدِقَاءَ أَوْ شُرَكَاءَ. يُقَدِّمُ مَحَبَّةَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُلِّ مَحَبَّةٍ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ اللهُ أَوْ رَسُولُهُ امتثل، وَمَهْمَا نَهَاهُ اللهُ أَوْ رَسُولُهُ انْتَهَى. قَالُوا: «أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، لِأَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ فَهُوَ يُحِبُّهُ لِأَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ». أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ أَيْ لِمَحَبَّةِ اللهِ لِذَلِكَ الْمَرْءِ، فَهُوَ تَابِعٌ لِحُبِّ اللهِ سُبْحَانَهُ. هَذَا تَابِعٌ لِحُبِّ اللهِ سُبْحَانَهُ. «أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ» لَا لِمَنَافِعَ وَلَا لِمَعَارِفَ، بَلْ مَحَبَّةً خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ سُبْحَانَهُ. مَبْنَاهَا عَلَى الطَّاعَةِ، مَبْنَى هَذِهِ الْمَحَبَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَلَى التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هَذَا الَّذِي جَمَعَهُمْ وَمِنْ أَجْلِهِ تَحَافَظُوا. قَالَ: «وَأَنْ يَتَرَهَّ» أَيْ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ قَدَرَ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَتَرَهَّ أَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ. وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ بُغْضُ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. بُغْضُ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَاللهُ لَا يَرْضَى الْكُفْرَ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، فَهُوَ يُبْغِضُ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَعْظَمُ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ الْكُفْرُ، فَهُوَ يُبْغِضُ الْكُفْرَ وَيَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا عِنْدَ التَّأَمُّلِ تَرْجِعُ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِلَى تَحْقِيقِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. كُلُّ هَذِهِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ تَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ هُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ. قَالَ: «وَفِي رِوَايَةٍ» يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى» أَيْ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ: «حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يُعَادَ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا». هَذَا الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَازِمُهُ تَقْدِيمُ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَازِمُهُ تَخْدِيمُ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَأَنْ مَنْ قَدَّمَ طَاعَةَ غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، مَنْ قَدَّمَ طَاعَةَ غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاسْتَهَانَ بِأَمْرِهِمَا وَارْتَكَبَ نَهْيَهُمَا، جَحَدَ أَمْرَهُمَا وَارْتَكَبَ نَهْيَهُمَا، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ، وَقَدْ يَكُونُ عَاصِيًا مُرْتَكِبًا لِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. فَمَنْ أَطَاعَ أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ عَشِيرَتَهُ فَأَدَّى ذَلِكَ بِهِ أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ أَوْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ أَوْ عَبَدَ غَيْرَ اللهِ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخَالِفَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ تِجَارَتَهُ، فَهَذَا كَافِرٌ كُفْرًا أَكْبَرَ، لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ مَحَبَّةٌ شِرْكِيَّةٌ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ مَحَبَّةٌ شِرْكِيَّةٌ، فَأَطَاعَ مَنْ يُحِبُّ حَتَّى ارْتَكَبَ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ. وَإِنْ تَرَكَ الْأَوَامِرَ وَارْتَكَبَ النَّوَاهِيَ لِأَنَّ فُلَانًا يُحِبُّ مِنْهُ تَرْكَ الْأَوَامِرِ وَفِعْلَ النَّوَاهِي: أَبًا أَوِ ابْنًا أَوْ مَالًا أَوْ تِجَارَةً أَوْ وَهْنًا، فَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَكَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَهِيَ نَوْعٌ شِرْكٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ. هَذَا نَوْعٌ شِرْكٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ طَاعَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ لِغَيْرِ اللهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، فَعَظَّمَ أَمْرَ الْمَخْلُوقِ عَلَى أَمْرِ الْخَالِقِ، وَعَظَّمَ شَأْنَ الْمَخْلُوقِ عَلَى شَأْنِ الْخَالِقِ، وَارْتَكَبَ مَعْصِيَةَ الْخَالِقِ اسْتِرْضَاءً لِلْمَخْلُوقِ. وَهَذَا نَوْعٌ شِرْكٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ، هَذَا نَوْعٌ شِرْكٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ، لَكِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ. لَكِنَّ هَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ حَوْلَ مَسْأَلَةِ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللهِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى مَعْصِيَةِ اللهِ: فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ كُفْرًا فَذَلِكَ كُفْرٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَةً دُونَ الْكُفْرِ فَذَلِكَ دُونَ الْكُفْرِ، لَكِنَّهُ شِرْكُ الْأَضْرَارِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ. هَكَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِأَنَّ فِيهِ اسْتِرْضَاءَ الْمَخْلُوقِ، وَأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ. هَذَا أَيْضًا وَسِيلَةٌ إِلَى الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ. قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ وَسَائِلُ جَاءَتْ بِهَا النُّصُوصُ وَلَمْ تَأْتِ بِهَا فِقْهُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا. قَالُوا: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ» أَيْ أَحَبَّ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ. هَذَا مَعْنًى، وَهَذَا مِنْ ضَمَائِرِ الْحُبِّ فِي اللهِ. مَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ أَيْ أَحَبَّ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهَذِهِ ضَمِيرَةُ الْحُبِّ فِي اللهِ سُبْحَانَهُ. مَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ أَيْ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَبْغَضَ فِي اللهِ أَيْ أَهْلَ مَعْصِيَةِ اللهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. فَحُبُّهُ لِلَّهِ وَبُغْضُهُ لِلَّهِ، وَالْقَرِيبُ عِنْدَهُ مَنْ قَرَّبَهُ اللهُ، وَالْبَعِيدُ عِنْدَهُ مَنْ أَبْعَدَهُ اللهُ. قَالَ: «وَوَالَى بِاللهِ» أَيْ أَحَبَّ فِي اللهِ وَنَصَرَ وَقَرَّبَ. هَذَا مَعْنَى «وَوَالَى»، وَ«عَادَى فِي اللهِ» أَيْ تَبَرَّأَ وَأَبْغَضَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُعَادَاةِ. «فَإِنَّمَا تَنَالُ وِلَايَةَ اللهِ». وَالْمَقْصُودُ بِوِلَايَةِ اللهِ: مَحَبَّةُ اللهِ وَنُصْرَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ. هَذِهِ وِلَايَةُ اللهِ. وِلَايَةُ اللهِ بِفَتْحِ الْوَاوِ: مَحَبَّةُ اللهِ سُبْحَانَهُ. وِلَايَةُ اللهِ بِفَتْحِ الْوَاوِ: مَحَبَّةُ اللهِ وَنُصْرَتُهُ. فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ وَلِيًّا لِلَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَدِّمًا لِمَنْ أَحَبَّ اللهُ، مُحِبًّا فِي اللهِ، مُبْغِضًا فِي اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّمَا تَنَالُ إِلَيْهِ اللهِ بِذَلِكَ» أَيْ نُصْرَتَهُ وَمَحَبَّتَهَ وَمَنْزِلَةً عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ. فَالْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ مِنْ لَوَازِمِ الْمَحَبَّةِ فِي اللهِ. فَمَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ بِغَيْرِ وَلَاءٍ وَلَا بَرَاءٍ فَهَذَا تَبَعٌ لِلْهَوَى. وَكُلَّمَا عَظُمَتِ الْمَحَبَّةُ فِي اللهِ كُلَّمَا عَظُمَ الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ. كُلَّمَا عَظُمَتِ الْمَحَبَّةُ فِي اللهِ كُلَّمَا عَظُمَ الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ. قَالَ: «وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ». الْمُرَادُ بِطَعْمِ الْإِيمَانِ حَلَاوَتُهُ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ صَلَاتُهُ هُوَ صَوْمُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، أَيْ صَاحِبَ وَلَاءٍ لِلَّهِ وَبَرَاءٍ مِمَّنْ بَرِئَ اللهُ مِنْهُ. كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَالْمُوَحِّدِينَ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾. فَالْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالْبَعِيدُ مَنْ أَبْعَدَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: «حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ» أَيْ صَاحِبَ وَلَاءٍ وَبَرَاءٍ. وَهَذَا ضَعِيفٌ فِي النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. قَالَ: «وَقَدْ قَالَ: عَامَّةُ مُؤَاخَاتِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي». هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَعَامَّةُ الْمُصَاحَبَاتِ وَالْمُصَادَقَاتِ وَالْمُخَالَطَاتِ لَيْسَتْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي سُبْحَانَهُ. فَكَمْ مِنْ أَصْدِقَاءَ لِلدُّنْيَا تَصَادَقُوا، أَوْ أَصْحَابَ لِلْمَصَالِحِ اجْتَمَعُوا. وَهَكَذَا، فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتِ الْقَضِيَّةَ أَنَّ هَذَا يُحِبُّهُ اللهُ أَوْ لَا يُحِبُّهُ، لَكِنْ أَيْنَ الْمَصْلَحَةُ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ عَامَّةِ الصَّدَاقَاتِ وَيَجْتَنِبَهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْلِحَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. يَتَجَنَّبُ الْمَعَارِفَ وَالصَّدَاقَاتِ وَالصُّحَبَاتِ وَالشِّلَلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْلِحَ، لِأَنَّ عَامَّتَهَا لِغَيْرِ اللهِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا قَلِيلٌ، وَالْكَثِيرُ مَا تَقَدَّمَ. فَإِذَا جَاءَ مَنْ يَطْلُبُ الْمَعْرِفَةَ فَقُلْ لَهُ: «أَجِئْتَ لِتَعْرِفَنِي أَمْ جِئْتَ لِتَطْلُبَ الْعِلْمَ؟» فَإِنْ قَالَ: «إِنَّمَا جِئْتُ» أَوْ «جِئْتُ لِأَطْلُبَ الْعِلْمَ»، قُلْ لَهُ: «كُلُّ لَا يَضُرُّ عَدَمُ مَعْرِفَةِ لَكَ لِفُلَانٍ وَعَلَانٍ». هَذَا نَهْجُ السَّلَفِ، كَانُوا يَهْرُبُونَ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَالْأَصْحَابِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْعَدَاوَاتِ مِنْ أَصْدِقَائِكَ وَأَصْحَابِكَ. عَامَّةُ الْعَدَاوَاتِ إِنَّمَا تَنْبُعُ مِنْ أَصْدِقَائِكَ وَأَصْحَابِكَ. هَكَذَا قَالَ السَّلَفُ، هَكَذَا قَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ قَائِلُهُمْ: «رَحِمَ اللهُ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ فَلَمْ يُؤْذِنِي وَلَمْ يُؤْذِنِي» - لَمْ يُؤْذِنِي وَلَمْ يُؤْذِنِي. فَقَالَ قَائِلُهُمْ: «عَدُوُّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادٌ، فَلَا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ، رَصِيدُ الْأَعْدَاءِ يُجَابُ: كُلَّمَا زِدْتَ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ، وَإِذَا قَلَّلْتَ الْأَصْدِقَاءَ نَقَصَ رَصِيدُ الْأَعْدَاءِ». هَذَا مَوْقِفُ سَلَمٍ. لِهَذَا طَالِبُ الْعِلْمِ لَا يَتَعَرَّفُ، أَقْبِلْ عَلَى شَأْنِكَ وَعَلَى كُتُبِكَ وَعَلَى حِفْظِكَ وَعَلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ، لَا يَضُرُّكَ أَنْ يَعْرِفَكَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. هَذَا الَّذِي يُفْلِحُ طَالِبُ الْعِلْمِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْلِحَ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ خَرَّاجًا وَلَاجًّا، ثَارَةً يَمْنَةً وَثَارَةً يَسْرَةً، فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْجَحُ بِطَلَبِهِ، لَا يَنْجَحُ. وَقَعَ وَكُتُبُ السَّلَفِ هُنَاكَ كِتَابٌ لِلْخَطَّابِيِّ اسْمُهُ «الْعُزْلَةُ» فِي غَايَةِ النَّفَاسَةِ. يُنْصَحُ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ «الْعُزْلَةِ» لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيِّ أَبِي سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللهُ، مُتَوَفًّى ثَلَاثِمِائَةٍ، لَعَلَّهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ. كِتَابٌ عَظِيمٌ. يُنْصَحُ بِقِرَاءَةِ أَيْضًا كِتَابِ «الْعُزْلَةِ» لِابْنِ الْوَزِيرِ، كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي الْبَابِ. يُنْصَحُ كَذَلِكَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ «الشِّهَابِ الثَّاقِبِ فِي ذَمِّ الْخَلِيلِ وَالصَّاحِبِ» لِلْسُّيُوطِيِّ، رِسَالَةٌ نَفِيسَةٌ. وَيُنْصَحُ كَذَلِكَ بِقِرَاءَةِ رِسَالَةٍ لِلْمَرْزُبَانِ «فَضْلُ الْكِلاَبِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يَلْبَسُ الثِّيَابَ». فَضْلٌ نَفِيسَةٌ فِي الْبَابِ. هَذَا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمُؤَاخَاتِ وَالْمُصَادَقَاتِ. قَالُوا: «قَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاتِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يَجِدُ عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا» أَيْ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ. هَذَا مَعْنًى. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ يَجِدُ مَصْلَحَةً، قَدْ يَجِدُ مَطْعَمًا أَوْ مَشْرَبًا أَوْ مَأْكَلًا أَوْ مَلْبَسًا أَوْ مَالًا، لَكِنْ عِنْدَ اللهِ هَلْ يَجِدُ شَيْئًا؟ الْجَوَابُ: يَخْذُلُ. ﴿يَخْذُلُ الْأَخِلَّاءَ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوًّا إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: «إِنِّي كَانَ لِي قَرِيبٌ» إِلَى أَنْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، قَالَ: تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الْآيَاتِ. هَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّدَاقَاتِ إِلَّا مَا بُنِيَ عَلَى التَّقْوَى. لِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا». قَالَ: «رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ». هَذَا فِي سَنَدِهِ بَعْضُ، لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ. هَذَا فِي سَنَدِهِ بَعْضُ لَكِنْ أَثَرٌ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ. وَالْآثَارُ تُرْوَى وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا. هَذَا نَهْجُ الْمُحَدِّثِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالْحَسَنُ بْنُ سِيرِينَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ: يُسَاهِلُونَ فِي بَابِ الْآثَارِ فَتُقْرَأُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ مَعَانِيهَا إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً. قَالَ: «وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾» أَيْ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْوَصَائِقِ وَمِنَ الْمَحَابِّ انْقَلَبَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى عَدَاوَاتٍ. قَالَ: «اللَّهُمَّ تَقَطَّعَتْ» أَيْ تَمَزَّقَتْ وَذَهَبَتْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمَوَدَّةِ: يَعْنِي مَوَدَّةَ الدُّنْيَا، يَعْنِي مَوَدَّةَ الدُّنْيَا. وَهَذَا حَالُ مَنْ كَانَتْ مَوَدَّتُهُمْ عَلَى غَيْرِ تَقْوَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. هَذَا حَالُهُمْ، يَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. هَذَا عَامِلٌ بِكُلِّ مَحَبَّةٍ لَيْسَتْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. طَيْبٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى نَقْفِلُونَ. أَقْرَأُ هَذَا الْبَابَ: «الْخَوْفُ» إِلَى فِنَاءِ الشَّيْءِ.