التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 10

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أفعال الموسوسين بعد البول وتكلفهم في الاستنجاء

ذكر الإمام ابن القيم أفعال الموسوسين بعد البول مثل السلت والنتر، وأوضح ضعف الحديث الذي يستندون إليه. كما بين أن طرقهم في الاستنجاء كلها وسواس وبدعة.

حكم من يعاني من سلس البول

شرح حكم من يخرج منه البول باستمرار، ويجب عليه التحفظ وشد خرقة على ذكره، وما نزل بعد ذلك لا يضره إذا توضأ.

التحذير من التكلف في الدين

نصح بعدم التكلف والتشدد في الدين، وخير الهدي هو هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يفعل النبي ولا الصحابة أفعالا لم ترد في الدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصل، ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول، وهو عشرة أشياء: السلت، والنتر، والنحنحة، والمشي، والقفز، والحبل، والتفقد، والوجور، والحشو، والعصابة، والدرجة. قال: أما السلت، فيسلته من أصله إلى رأسه، يعني يسل الذكر بسحبه من أوله إلى رأسه. قال: على أنه قد روي في ذلك حديث غريب لا يثبت، ففي المسند وسنن ابن ماجة عن عيسى بن داود -هكذا في النسخة، والصواب ابن أزداد أو يزداد- عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات». هذا الحديث لا يصح. وأيضًا رواه أبو الشيب في المصنف، والحديث ضعيف، قضعه شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله في «الضعيفة». قال: وقال جابر بن زيد: «إذا بلت فامسح أسفل ذكرك، فامسح أسفل ذكرك؛ فإنه ينقطع»، رواه سعيد عنه -أي سعيد بن منصور- في سننه. قال: ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء -يعني من البول-، طبعًا هذا الفعل ليس بصحيح كما سأتنبه عليه. قال: وإن احتاج إلى مشي خطوات لذلك، ففعل؛ فقد أحسن -يعني بعد أن يبول يقوم يمشي-، قالوا: حتى إذا كان هناك شيء من البول يريد أن يخرج يخرج. وَنَّحْنَحَا لِيَسْتَخْرِجَ الْفَضْلَةِ -يعني يقول: إذا كان هناك شيء يريد أن يخرج يخرج-، هذا كله من التكلف. قال: وَكَذَلِكَ الْخَفْزِ يَرْتَفِعَ عَنْ الْأَرْضِ شَيْئًا، ثم يجلس بسرعة -يعني يقفز ويجلس-. وَالْحَبْلِ يَتَّخِذْ بَعْضُهُمْ حَبْلًا يَتَعَلَّقْ بِهِ حَتَّى يَكَادْ يَرْتَفِعْ -يعني حتى يشد نفسه-، قال: ثم ينخرب منه حتى يقعد. وَالتفقد يمسك الذكر، ثم ينظر في المخرج هل بقي فيه شيء أم لا -يعني ينظر فيه فتحة الذكر هل بقي شيء من البول أو لم يبق شيء-. قال: وَالْوَجُورِ يُمْسِكُهُ ثُمَّ يَفْتَحُ الثُّقْبَ وَيَصُبُّ فِيهِ الْمَاءِ -يعني يفتح فتحة الذي في رأس الذكر ويصب فيها الماء-. وَالْحَشُ يَكُونُ مَعَهُ مِيلْ وَقُطٍن، ويحشوه فيه كما يحشو الدمل بعد فتحها -يعني يحشو القطن يضعه في داخل الذكر حتى يعني يمتص البول إن كان هناك شيء بول بقي-. قال: وَالْعِصَابَ يَعْصُبُهُ بِخِرْقَةِ، وَالْدِرْجَةِ يَصْعَدْ فِي سُلَّمْ قَلِيْلًا ثُمَّ يَنْزِلْ بِسُرْعَةِ. وَالْمَشِي يَمْشِي خُطُوَاتِ ثُمَّ يُعِيدُ الْاِسْتِجْمَارِ -يعني بعد أن يمشي يستجمع مرة أخرى-. قال شيخنا -أي أحمد بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله-: قال: وَذَلِكَ كُلُّهُ وَسْوَاسٌ وَبِدْعَةٌ -يعني هذه الأشياء كلها العشرة من الوسواس وهي من الأمور المحدثة-. قال: وَفَرَاجَعْتُهُ فِي السَّلْتِ وَالْنَتْرِ -يعني ابن القيم يقول: راجعت شيخ الإسلام في السلت والنتر-، فَلَمْ يَرَهُ وَقَالَ لَمْ يَصِحِ الْحَدِيثِ. فكان ابن القيم احتج بالحديث الذي ذكرناه سابقًا: «إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات»، وفي لفظ: «فلينتر ذكره»، فابن القيم يقول لشيخ الإسلام: السلت ورد فيه الحديث، فيقول له شيخ الإسلام: لم يصح الحديث. قال: وَالْبَوْلُ كَالَّبَنْ فِي الظِّرْعِ إِنْ تَرَكْتَهُ قَرَّ وَإِنْ حَلَبْتَهُ دَرَّ -البول كَالَّبَنْ فِي الظِّرْعِ إِنْ حَلَبْتَهُ دَرَّ يعني خرج اللبن إذا حلبت اللبن من الظِّرْع خرج، وإن تركته قر في محله ولم يخرج-، وهكذا البول في الذكر، يقول: البول كَالَّبَنْ فِي الظِّرْعِ إِنْ تَرَكْتَهُ قَرَّ وَإِنْ حَلَبْتَهُ دَرَّ. ويريد بهذا أن إنسانًا إذا تكلف -يعني مسح ذكره أو ضمه أو ضيق عليه أو تحرك أو صلح أشياء- سيخرج؛ لأن البول موجود، فإذا وجد حرك قوية يومًا ما يخرج، مثل اللبن إذا وجد يعني اللبن من الظِّرْع حلب خرج، وإن لم يلمس وترك بقي اللبن في داخل الظِّرْع. قال: وَمَنْ اِعْتَادَ ذَلِكَ أُبْتُلِيَ مِنْهُ بِمَا عُوفِيَ مِنْهُ مَنْ لَهَا عَنْهُ -يعني إذا اعتاد الإنسان ذلك صار هذا ابتلاء يبتلى به دائمًا إذا تحرك إذا كذا يخرج؛ لأنه تعود على ذلك فيبتلى بذلك، وإذا لها عنه لم يخرج منه شيء ولم يبال بشيء من ذلك-. قالوا: قال: وَلَوْ كَانَ هَذَا السُّنَّةِ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ وأصحابه. وقد قال اليهود لسلمان: «لقد علَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةِ» -يعني قضاء الحاجة-، فقال: أجل. فأين علَّمَنَا نَبِيُّنَا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ ذَلِكَ أَوْ شَيْءًا مِنْ -يعني من هذه الأمور العشر المذكورة-. قال: والحديث في صحيح الإمام مسلم حديث سلمان، قال: «نعم نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم». قال: «بلى علَّم المستحاضة أن تتلجَّم»، علَّم المستحاضة التي ينزل منها الدم ويستمر نزول الدم منها أنها تتحفظ، هذا جاء فيه -يعني ثبتت فيه السنة-. قال: وَعَلَى قِيَاسِهَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَنْ يَتَحَفَّظُ وَيَشُدْ عَلَيْهِ خِرْقَةً -فقط هذا الذي يعني ورد فيه الدليل، ويقاس عليه من كان مثله-، بعض الناس يبتلى بسلس البول، يكون عنده بول مستمر ينزل منه البول باستمرار: ينزل قليلًا وينقطع، ينزل وينقطع، ينزل وينقطع باستمرار، هذا حكمه حكم المستحاضة، حكمه حكم المستحاضة، يجعل له خرقة في ذكره ويعصبها، وما نزل بعد أن يتوضأ لا يضره، يكون حكمه في حكم المستحاضة. أما غير ذلك من التكلف والتشدد والإحداث في الدين بهذه الأفعال، فهذه لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ولا فعلها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.