الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشارح بتوضيح معنى حديث نبوي شريف رواه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويبين مفهوم البدعة في الدين. يُوضح أن الحديث يحدد البدعة بأنها إحداث شيء جديد في الدين لم يكن موجودًا من قبل.
يُعرّف الشارح البدعة لغة وشرعًا، ويفرق بين الإحداث في الدين والإحداث في أمور الدنيا. يُبين أن البدعة في الدين تُعد إحداثًا في الدين بما ليس منه بقصد التعبد، ويوضح حكم البدعة في الإسلام بأنها مردودة ولا تقبل من صاحبها.
يشرح الشارح ميزان الأعمال في الإسلام، ويبين أن هناك ميزانين للأعمال: ميزان للإخلاص يتعلق بالباطن وميزان للمتابعة يتعلق بالظاهر. يُوضح أن الإخلاص يتطلب نية صالحة بينما المتابعة تتطلب موافقة الشريعة، وأنه لتحقيق صلاح العمل وقبوله يجب تحقيق كلا الميزانين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية: الحديث الخامس عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقد علقها البخاري. قال الشارح وفقه الله: هذا الحديث مخرج في الصحيحين أيضا، فهو من المتفق عليه، واللفظ المذكور رواية ثانية، هي عند مسلم موصولة، أي مروية بإسناده. وأما البخاري فعلقها، أي ذكرها معلقة. وما هو الحديث المعلق؟ نعم، ما هو الحديث المعلق؟ عند من سقوط راوين، وأكثر أن يسقط المصنف شيخه فمن فوقه، هذا يسمى حديثا معلقا. ومعلقات الإمام البخاري رحمه الله إذا جزم بالتعليق فهي موصولة، وأما إذا ذكرها بصيغة التمريض، فالغالب أنها غير موصولة، وقد وجد بعضها موصولة أيضا. قال: بهذا الحديث بيان مسألتين عظيمتين. المسألة الأولى في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه»، فيه بيان حد المحدثة في الدين التي سمتها الشريعة بدعة، فبينت حقيقتها بأربعة أمور. أولها أن البدعة إحداث، أي ابتداء شيء. فالمحدث شيء جديد لم يكن معهودا من قبل. ولهذا لما أنكر الكفار ما أتاه من القرآن، قال الله عز وجل: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه يلعبون﴾، محدث يعني جديد على أسماعهم. فالبدعة إحداث، أي ابتداء شيء لم يكن. وثانيها أن ذلك الإحداث في الدين، لا في الدنيا. البدع المحدثة المنكرة ما كان في الدين، أما في أمور الدنيا فإن سمي بدعة فهذه بدعة لغوية. فالسيارة مثلا بدعة، الطائرة بدعة، لم تكن معهودة من قبل، لكن هذه بدعة لغوية؛ لأن البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، هذه البدعة في اللغة. والذي ينكر هو الإحداث في الدين لا في الدنيا. بعض أهل البدعة إذا أنكرت عليه بدعته قال: إذن السيارة بدعة، الطائرة بدعة، الكهرباء بدعة. قال: هذه أمور دنيوية، نحن نتكلم عن أمور الدين. الإحداث في الدين ليس في أمور الدنيا. قال: ثالثها أنه إحداث في الدين بما ليس منه، أي لا يرجع إلى أصوله ومقاصده، ولا يمكن بناؤه على قواعده. أي هذا الإحداث في الدين أنه ليس من الدين في شيء. ليس من الدين في شيء لا يرجع إلى أصول الشريعة ومقاصدها ما يدل على جوازها، كالمصالح المرسلة التي لم يأت في الشرع اعتبارها أو إلغاؤها، لكن تعود على مصالح أو تعود إلى مقاصد الشريعة بالإكمال والإتمام، فهذه تعتبر ولا تعد من البدع والمحدثات. لكن شيء ليس له أصل ولا يعود على مقاصد الشريعة وإلى أصوله، ولا يمكن بناؤه على قواعد الشريعة، فهذا من المحدثات المنكرة. قال: رابعها أن هذا الإحداث في الدين بما ليس منه يقصد به التعبد؛ لأن حقيقة جعله دينا إرادة التقرب إلى الله به. فهذا الذي أحدث البدعة ماذا أراد بهذا العمل؟ أن يتقرب إلى الله، أراد أن يتقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل، إذن يقصد من الإحداث في الدين التقرب والتعبد. قال: فالحد الشرعي للبدعة مستفادا من الحديث: أنها ما أحدث في الدين مما ليس منه بقصد التعبد. ما أحدث في الدين مما ليس منه بقصد التعبد، فهذا، فهذه البدعة المحدثة في الدين، سواء كان ذلك في أصل البدعة، كأن تكون بدعة حقيقية ليس لها أصل في الشريعة كالمولد، أو تكون بدعة إضافية، أن يكون لها أصل لكن غيرت في كيفيتها أو في تحديد زمانها أو في عددها أو صفتها أو نحو ذلك. فكل هذه الأنواع من البدعة المحدثة. قال: والمسألة الثانية بيان حكم البدعة في قوله صلى الله عليه وسلم: «رد»، أي مردود، فهي لا تقبل من صاحبها. فالبدعة مردودة غير مقبولة. وقوله في الرواية التي عند مسلم، وعلقها البخاري: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا»، أعم من اللفظ الأول؛ لأنه يبين رد نوعين من العمل. أحدهما: عمل ليس عليه أمرنا وقع زيادة على حكم الشريعة، كالأذكار مثلا التي يتقرب بها إلى الله ولم تأت بها الشريعة. فهذه من الأعمال التي زيدت في الشريعة. قال: والآخر: عمل ليس عليه أمرنا وقع مخالفا لحكم الشريعة، كمن صلى عند القبر بقصد تحصيل الأجر والثواب، وأن الصلاة عندها فيه مزية، أو الدعاء أو الذبح أو نحو ذلك من العبادات. قال: فهذا الحديث بروايتيه أصل جليل في إبطال البدع والمحدثات، وإنكار المنكرات، فيسلط للرد على أهل البدع والضلال، وعلى مشيعي المنكرات من أهل الفساد والانحلال، أي الذين يحدثون في دين الله ما ليس منه، فيرد عليهم بهذا الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فإن قال: أنا ما أحدثته، إنما عملت، تبعت غيري. يقال له: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». قالوا: مع وجازة لفظه، ميزان للأعمال الظاهرة، كما أن حديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات»، ميزان للأعمال الباطنة. فالشريعة لها ميزان مركب من شيئين. أحدهما: ما يتعلق بالباطن، وهو المذكور في حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات»، فهذا ميزان للباطن في إخلاص الأعمال وإصلاح النية. والآخر: ما يتعلق بالظاهر، وهو المذكور في حديث عائشة رضي الله عنها هنا، فهذا الحديث ميزان لإصلاح الأعمال الظاهرة. فلا يكفي مجرد الإخلاص، بل لا بد كذلك من موافقة الشريعة. وبتحقيق هذين الميزانين يتحقق صلاح العمل وقبوله؛ لأن العمل لا يقبل إلا بالإخلاص والمتابعة. الإخلاص ميزانه حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات»، والمتابعة ميزانه حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».