التعليق على مذكرة أصول الفقه 78

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 78، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الترجيح في أصول الفقه بناءً على اعتبارات المتن

يتناول هذا الفصل شرح الوجه الثاني من الترجيح في أصول الفقه، حيث يُرجح أحد الدليلين بناءً على اعتبارات تتعلق بالمتن مثل اعتضاد أحد الدليلين بكتاب أو سنة أو أدلة أخرى. كما يُقدم أمثلة على ذلك مثل حديث صلاة الصبح.

معايير تقديم خبر على آخر عند التعارض

يتناول هذا الفصل معايير لتقديم خبر على آخر عند التعارض، مثل ورود الخبر بحضرة النبي أو بلغة قريش، أو احتوائه على زيادة علم أو دلالة على علو شأن الرسول. كما يُشرح أهمية هذه المعايير في حل التعارض بين الأخبار.

أسباب ترجيح أحد الخبرين على الآخر في علم الحديث وتطبيقاته

يتناول هذا الفصل أسباب ترجيح أحد الخبرين على الآخر في علم الحديث، مثل كون أحد الرواة أكثر حفظا أو تأخر أحد الخبرين في الزمن. كما يُشرح أمثلة على ذلك مثل حديث بريرة وحديث قتل المرتد.

أهمية إذن الولي في الزواج وحكم النكاح بدونه

يشير هذا الفصل إلى أهمية إذن الولي في زواج المرأة، مستندًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعتبر نكاح المرأة بدون إذن وليها باطلًا. يُؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على بطلان هذا النكاح بتكرار التأكيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الشقيق رحمه الله في كتاب مذكرة في أصول الفقه: الوجه الثاني من الترجيح بأمر يعود إلى المتن، كاعتضاد أحد الدليلين المتعارضين بكتاب أو سنة أو غير ذلك من الأدلة. كحديث صلاة الصبح، فإن في بعضها التغليس، وفي بعضها التغليس بها، أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الإسفار بها. في التغليس كحديث: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس»، والإسفار: «أسفروا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم». قال: فتعتضد أحاديث التغليس بعموم قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، يعني آية تدل على المسارعة بفعل الخير. ومن ذلك أن تصلى الصلاة في أول وقتها، وهو وقت الغلس، وقت اشتداد الظلمة. قال: وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين، وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه. وكأن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه، فتتعارض روايته، ويبقى الآخر سليما عن التعارض، فيكون أولى. نعم، يعني أحد الروايتين يروى مرفوعا، ويتفق على رفعه، والرواية الأخرى تروى موقوفا، ويختلف فيها، ويروى في موضع آخر مرفوعا، فيكون هذا رواية الوقف فيها اختلاف، والرواية التي فيها الرفع متفق على رفعها، ليس فيها شيء من الاختلاف، تكون مقدمة على الرواية الأخرى. قال: وكأن يكون أحدهما مرسلا، والآخر متصلا، فالمتصل أولى؛ لأنه متفق على الاحتجاج به، وذلك مختلف فيه. هذا حاصل ما ذكره المؤلف. وللأصوليين باعتبار حال المتن مرجحات كثيرة غير ما ذكرها المؤلف، منها كثرة الأدلة، فالخبر الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدم على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة. نعم، يعني الغاية، والحديث الذي يدل على صحته أدلة كثيرة من الكتاب والسنة يكون أقوى من الآخر الذي لا يعضده شيء. قال: ومنها أن يكون المتن قولا، فهو مقدم على الفعل، كما أن الفعل مقدم على التقرير. وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله عليه وسلم. ويفهم منه أن ليس كل قول أقوى، بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل. نعم، هذا ليس على إطلاقه، ليس إذا حصل التعارض بين قوله عليه الصلاة والسلام وفعله نقدم القول على الفعل دائما. قال: وإنما كان الفعل مقدما على التقرير؛ لأن التقرير كالفعل الضمني، والفعل الصريح مقدم على الضمني. قال بعضهم: يقدم تقريره ما وقع بحضرته على ما بلغه فأقره، يعني ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم وهو حاضر موجود يقدم على ما أقره وهو غائب. قال: ومنها الفصاحة، فالخبر الفصيح يقدم على غير الفصيح؛ للقطع بأن غير الفصيح مروي بالمعنى لفصاحته صلى الله عليه وسلم، ولا عبرة بزيادة الفصاحة، فلا يقدم الخبر الأفصح على الفصيح. وقيل: يقدم عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، فيبعد نطقه بغير الأفصح، فيكون مرويا بالمعنى، فيتطرق إليه الخلل. وأجيب بأنه لا يعد في نطقه بغير الأفصح؛ لأنه كان يخاطب العرب بلغاتهم. قال: ومنها الزيادة، فالخبر المشتمِل على الزيادة يقدم على غيره؛ لما فيه من زيادة العلم، كخبر التكبير في العيد سبعا مع خبر التكبير فيه أربعا، خلافا لمن قدم الأقل كالحنفية. نعم، فمن ذكر الأكثر وصح خبره فهو مقدم؛ لأنه معه زيادة علم، فيكون مقدم على غيره. قال: ومنها ورود أحد الخبرين بلغة قريش، مع أن الثاني وارد بغيرها؛ لاحتمال الوارد بغيرها الرواية بالمعنى، فيتطرق إليه الخلل. نعم، ورود أحد الخبرين بلغة قريش، مع أن الثاني وارد بغيرها، أي بغير لغة قريش، لاحتمال الوارد بغيرها الرواية بالمعنى، فيتطرق إليها الخلل. قال: ومنها دلالة أحد الخبرين على علو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقوته، ودلالة الآخر على الضعف وعدم القوة؛ لأن قوته صلى الله عليه وسلم وعلو شأنه كان يتجدد شيئا فشيئا، فما أشعر بعلو شأنه مقدم على غيره؛ لأن المشعر بعلو شأنه معلوم أنه هو المتأخر. قال: ومنها أن يتضمن الخبر قصة مشهورة، بأنه يقدم على المتضمن قصة خفية؛ لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها. قاله القرافي. يعني إذا عندنا خبران أحدهما في قصة مشهورة، والأخرى خفية، فالقصة الخفية هذه قد يغلب على الظن عدم ثبوتها، بخلاف المشهورة التي رواها أهل التاريخ والسير، فيدل على أنها ثابتة، تكون مقدمة إذا حصل بينهم شيء من التعارض. قال: ومنها ذكر السبب، فالخبر المذكور فيه السبب مقدم على ما ليس كذلك؛ لاهتمام راوي الأول به، واهتمامه دليل على كمال ضبطه للمروي؛ لأنه يترتب عليه عادة. قال: وأيضا فإن علم السبب يعين على فهم المراد. ولأجل ذلك اعتنى المفسرون بذكر أسباب نزول الآيات. نعم، فالعلم بسبب نزول الآية يعين على فهم الآية. قال: ومنها أن يكون أحد الخبرين رواه راويه عن شيخه بدون حجاب، مع أن الثاني رواه من وراء حجاب. كرواية القاسم بن محمد عن عائشة، وهو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فعائشة عمته. قال: «أن بريرة عتقت في حال كون زوجها عبدا». على رواية الأسود بن يزيد عنها، أي عن عائشة: «أنه كان حرا». لأن القاسم كان محرمها لكونها عمته، وكان يسمع منها بدون حجاب، بخلاف الأسود. قالوا: ومنها الخبر المدني، فإنه مقدم على الخبر المكي؛ لتأخره عنه. نعم، ما كان في المدينة فهو متأخر، وما كان في مكة هو متقدم، والمتأخر يكون ناسخا للمتقدم. قال: ومعلوم أن المدني ما روي بعد الشروع في الهجرة، يعني بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، والمكي ما روي قبل الشروع فيها. قال: ومنها كون أحد الخبرين جامعا بين الحكم وعلته، مع أن الآخر ليس كذلك؛ لأن الجامع بين الحكم والعلة أقوى في الاهتمام بالحكم من الخبر الذي فيه الحكم دون علته. كحديث البخاري: «من بدل دينه فاقتلوه»، فهذا الحديث يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة القتل هنا في تبديل الدين، فيشمل الذكر والأنثى، مع الحديث الصحيح الآخر: «أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان»، ففيه الحكم دون ذكر العلة، فيقدم عليه الأول لذكر العلة مع الحكم، فيكون الأرجح قتل المرتدة، خلافا لمن منع قتل النساء المرتدات مطلقا، كالحنفية. قال: ومنها تأكيد الخبر، فالخبر المشتمِل على تأكيد يقدم على الخبر الذي لم يشتمل عليه. مثال المشتمِل على التوكيد حديث: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل». الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي، وهو صحيح. ما حديث: «الأيم أحق بنفسها». في الصحيحين. على تسليم ما فسرته به الحنفية؛ لأن القصد مطلق المثال، لا مناقشة أدلة الأقوال على تسليم ما فسرته به الحنفية، وهو يعني جواز تزويج الأيم نفسها بلا ولي، يجوز لها أن تزوج نفسها. قالوا: إذا كانت لا حق التصرف في مالها بغير إذن وليها، فكذلك لها الحق التصرف في نفسها بغير إذن وليها. نعم، ولهذا فسره الآن: نهى أن تزوج المرأة نفسها، وهذا عام في البكر والثيب. وأما من فعلت ذلك فنكاحها باطل، بل جاء في حديث آخر: «أيما امرأة تزوجت بغير ولي فهي زانية». قال: فتكرار البطلان في الخبر الأول توكيد لحكمه، يعني بطلان النكاح، فيرجح حكمه على الخبر الذي لم يؤكد حكمه. واضح، يعني الآن نكاحها باطل باطل في الحديث، والأيم أحق بنفسها، الأول فيه توكيد مطلق النكاح، فيكون هذا مقدم على حديث الأيم أحق بنفسها. فيكون المراد أحق بنفسها، يعني أن تزوج برغبتها، لا معنى أن تزوج نفسها بغير ولي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، وأكد ذلك: «باطل باطل». طيب، فيكون هذا مقدم على الآخر. هذا مراده. طيب. الله هنا صلى الله عليه وسلم نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.