الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 383

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 383

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 383، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث سعد بن أبي وقاص

يبدأ الشرح بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم في التغني بالقرآن، ويتناول معنى التغني وشرح وكيع للحديث بأنه يعني الاستغناء به. يُناقش أيضًا روايات أخرى متعلقة بالموضوع.

تفسير حديث 'ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن'

يشرح الحديث ويبين صحته، ويُفسر معنى 'يتغنَّ بالقرآن' بأنه تحسين الصوت بالقراءة وليس العكس، ويوضح أن المقصود هو تزيين القرآن بالأصوات الجميلة.

أهمية التغني بالقرآن وتحسين الصوت

النبي صلى الله عليه وسلم حث على تحسين الصوت عند قراءة القرآن والتغني به، لأن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، مع التأكيد على أن يكون التغني وسطًا دون مبالغة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا وكيع، وكيع هو ابن الجراح الرؤاسي الإمام الحافظ الكبير أبو سفيان، إمام من أئمة الكوفة وإمام من أئمة السنة وحافظ من حفاظ الدنيا، قال: كان مسعر يقول: حفظنا تكلف، وحفظ وكيع طبع. وكان يحفظ حفظًا ما يسمع شيئًا إلا ويحفظه، وهؤلاء الرجال سخَّرهم الله عز وجل لحفظ دينه. قال: حدثنا سعيد بن حسان المخزومي عن ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: عن عبيد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن». قال وكيع: «أن يستغني به». قال: هذا حديث صحيح، وقد رواه عن ابن أبي مليكة عمر بن دينار، وعبد الملك بن جريج، وحسام بن مصك، وعمر بن قيس، أن كل هؤلاء رووه عن ابن أبي مليكة بهذا الإسناد عن عبيد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص. قال: مختصر من العلل للدارقطني، وعبيد الله بن أبي نهيك وثقه النسائي كما في ترجمة عبد الله بالتكبير؛ لأنه اختلف في اسمه، أهو مكبر أم مصغر؟ مكبر معنى عبد الله، ومصغر معنى عبيد الله، اختلف هل يسمى بعبد الله أم بعبيد الله. قال: وقول وكيع «يستغني به» هذا أحد وجهين، والثاني يحسن صوته به، وهو الأقرب؛ يحسن صوته به. والظاهر الأول كما سيأتي في الأحاديث، هذا الحديث كأنه يؤيد القول الأول «يستغني به». قال: ويؤيد حديث أبي هريرة المتفق عليه: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» أو بهذا المعنى، والله أعلم. هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين، وخرَّجه البخاري بهذا اللفظ: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، لكن حصل خطأ؛ فالحديث رواه الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة، فرواه ابن جريج فقال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن». والظاهر أن ابن جريج خلط؛ أدخل هذا الحديث في حديث «ما أذن الله لشيء كإذنه» أو «ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن»، والمعنى واحد، لكن أقصد اللفظ؛ فهذا «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» هو حديث سعد بن أبي وقاص، فأدخل في البخاري، وهو خطأ. أنا عندي البخاري موجود، هذا اللفظ «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، لكنه خطأ من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رواه هكذا ابن جريج، رواه أبو عاصم عن ابن جريج، والظاهر أن الخطأ من ابن جريج؛ فدخل عليه هذا الحديث في الحديث الآخر. فحديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن»، هذا حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وإنما الخطأ كان من ابن جريج أو غيره؛ فابن جريج روى الحديثين معًا، روى حديث سعد «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وروى أيضًا حديث الزهري مع «أذن الله» لكن غير المتن، غير المتن. وهذا يسميه بعض العلماء مدرجًا، وبعضهم يجعله من المقلوب، والمهم أنه خطأ حصل من بعض الرواة؛ فجعل متن هذا في محل متن «ما أذن الله لشيء». فهذا الحديث لو قال الإنسان مثلًا: أخرجه البخاري، لكن حصل خطأ في البخاري؛ معنى العلة في الإسناد، وليس في المتن؛ فأدخل هذا المتن في إسناد آخر. فالمهم أن الحديث صحيح جاء من طريق سعد بن أبي وقاص كما بيَّن الإمام الدارقطني رحمه الله، فهو من طريق عبيد الله بن أبي نهيك المدني، وهو الثقة كما ذكر المؤلف؛ فالحديث صحيح على الوجهين. وقد جاء أيضًا هذا الحديث عن أبي لبابة رضي الله عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا»، وهو حديث صحيح، خرَّجه الإمام أبو داود، وكذلك أحمد؛ فالحديث في المعنى لا شك في صحته. قال الشيخ: وهناك طريق أخرى إلى ابن أبي مليكة، قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وابن محمد المصيصي قال: أنبأنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، قال: وأبو النظر، حدثنا أيضًا أبو النظر، وأبو النظر هو هاشم القاسم الذي يلقب بقيصر، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي إمام أهل مصر، قال: حدثني عبد الله بن أبي مليكة القرشي ثم التيمي عن عبد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن». قال أبو النظر: هو هاشم بن القاسم شيخ الإمام أحمد. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، عن عمر بن دينار قال: سمعت ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن». طيب، هذا الحديث قوله: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، فسر على معنيين كما ذكرهما الشيخ، أنه يستغني به. وإن كان أراد هنا وكيع «يستغني به» معناه أنه يستغني بالقرآن عن غيره، فهذا التفسير ليس صحيحًا. وإن كان أراد يستغني به أن يتغنى به، وهو صحيح؛ معناه يلحنه، يلحنه، لكن ليس على ألحان الموسيقى وألحان الغناء، وإنما يحسن الصوت به؛ يحسن الصوت به. ولهذا الشيخ اختار هذا: يحسن الصوت به، وهو الأقرب. لكن إن كان أراد يحسن الصوت به، أي يحسن أي الإنسان أو القارئ يحسن معناه صوته لأجل القرآن، وليس العكس؛ لأن بعضهم فهمه العكس على أنه أن القرآن يحسن الصوت؛ أن القرآن يحسن الصوت. لهذا جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «زينوا القرآن بأصواتكم»، زينوا القرآن بأصواتكم؛ فقلبه بعض الرواة فقال: «زينوا أصواتكم بالقرآن». فأنا رأيت كأن المعنى فيه شيء من النقص؛ فقال: «زينوا القرآن بأصواتكم»، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا؛ يزيد القرآن حسنا. فالصحيح أنه «زينوا القرآن بأصواتكم»؛ القارئ يحاول ما استطاع أنه يحسن صوته بالقرآن، كما قال أبو موسى: لو كنت أعلم لحبرته لك تحبيرًا. قال النبي عليه الصلاة والسلام على نبي الله داود أنه أعطي أو قال على أبي موسى - أقصد - أعطي مزمارًا من مزامير آل داود، أي صوتًا حسنًا، وهذا موهبة من الله؛ الله عز وجل قد يعطي العبد صوتًا حسنًا، فلا يبخل بهذه النعمة أن يحسن صوته بالقرآن؛ يجعل القرآن للناس معنى يرغبون فيه أعظم. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»، يزيد القرآن حسنا؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام نبه في هذا الحديث أنه لا بد أن الإنسان يتغنى بالقرآن، يلحنه، لكن تلحين ليس على تلحين الأغاني؛ حتى يظن الإنسان أنه غناء وليس قرآنًا، وإنما تلحين عادي لأجل أن يتحسن هذا القرآن ممن سمعه. وأيضًا يحاول أن يرقق صوته ويحسنه حتى يكون القرآن أو سامع للقرآن يخشع أكثر في سماعه للقرآن. ولهذا جاء عند أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أقرؤكم من القرآن من إذا سمعه الناس خشعوا» أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ يعني أفضل الناس قراءة من إذا سمعت صوته خشعت؛ يعني من كان يجعل الناس خشوعًا صوته كان أفضل في قراءة القرآن، وأيضًا يقربهم إلى الله أكثر. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، فهذا دليل على أن الإنسان يحرص على التغني بالقرآن، وأن التغني بالقرآن وحسن الصوت يزيد القرآن حسنًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما إنكار بعض العلماء مثلًا كثرة التغني والتمديد والتمطيط، فهذا قد يكون صحيحًا؛ معنى التمطيط في التغني قد يخرج العبد عن معنى مقصود التغني؛ هذا أن بعضهم تجد أنه يزيد ويغلو في الغناء يزيد في الغناء كثيرًا حتى من سمعه يظن أنه غناء وليس قرآنًا، يظن أنه غناء وليس قرآنًا، وهذا أيضًا خطأ. فالأمر وسط؛ ليس أن الإنسان يترك التغني فيقرأ قراءة كأنها قراءة صحف أو قراءة كتاب عادي، ولا أنه أيضًا يغلو في ذلك حتى أنه يجعل القرآن كالغناء؛ يعني يمطط في الغناء يمطط في الغناء حتى أن الناس لا يسمعون إلا غناء، وهذا خطأ. فتوضيح القرآن وأيضًا كذلك توضيح حروفه هذا مهم؛ فلا يجعل الغناء يذهب به إلى أنه لا يسمع الناس إلا الغناء، ولا يسمعون القرآن وحروفه واضحة. أنا أتجد بعض القراءات لما تسمع تسمع الغناء أكثر شيء، وأما الحروف ليست واضحة، وهذا خطأ. لكن يحتاج الإنسان أن يوضح القراءة، وكذلك يتغنى بالقرآن لأجل أن يحسن هذا القرآن بصوته؛ أي عندما يسمع الناس يرغبون فيه أكثر فأكثر. فلهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام حث على ذلك: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وجاء في اللفظ الآخر: «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا». قال أيضًا: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن»، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام كما تقدم: «زينوا القرآن بأصواتكم»، فهذا - إن شاء الله تعالى - ما يذكر، والله تعالى أعلم.