وقفات مع العام الجديد 1

الدرس في وقفات مع العام الجديد 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

محاسبة النفس عند انقضاء الأعوام وحقيقة الموت المحتوم

يحث الخطيب على محاسبة النفس مع كل عام هجري جديد مستشهداً بتقارب الزمان كعلامة للساعة، ومؤكداً حتمية الموت وقرب الأجل. يختم بالتأكيد على أن الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة مستدلاً بقصة موسى مع ملك الموت.

الاستعداد للموت وبقاء العمل الصالح بعده

يؤكد المقطع وجوب الاستعداد لساعة الموت محذراً من التكاثر في الدنيا، مبيناً أن ما يبقى بعد الموت هو العمل الصالح فقط. يذكر أن الصدقة الجارية والعلم النافع والولد الصالح هم الباقون بينما الأهل والمال يرجعون.

تذكير بأهوال القبر والقيامة والاستعداد للآخرة

يسرد الخطيب بكاء الخليفة وأبيات ابن الجوزي مصوراً انتقال الميت إلى القبر وأهواله ويوم القيامة. يدعو المسلمين لتذكر الموت والاستعداد له بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان.

الخاتمة والدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله والحمد لله رب العالمين. يفوض العلم المطلق لله تعالى في ختام المجلس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، كما يعلم الجميع أننا قبل أيام قريبة، وليالي ليست عنا ببعيدة، ودعنا عاما هجرية واستقبلنا آخر جديد. وينبغي على المسلم مع مرور مثل هذه المناسبة أن يقف مع نفسه وقفات محاسبة، وقفات محاسبة، فيتأمل سرعة مرور الشهور والأعوام، وتوالي الليالي والأيام. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من أشراط الساعة والعلامات الدالة على قرب وقوعها هو تقارب الزمان، تقارب الزمان، فتصير السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، أي كالأسبوع، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة. إذن تقارب في الزمان نشعر به جليا. وينبغي أيها الأحبة في الله مع مرور وتوالي الليالي والأيام، وتعاقب الشهور والأعوام، أن يقف المسلم منا وقفات جادة مع نفسه، علّ ذلك أن يكون سببا في صلاحها وإصلاحها. ومن هذه الوقفات التي ينبغي أن نتأمل فيها هو أن نعلم أنه كلما مضى شيء من أعمارنا كلما اقتربنا من آجالنا، اقتربنا من الأجل الذي كتبه الله عز وجل على كل نفس. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾. هذا هو الفوز الحقيقي، هو أن تزحزح عن النار وأن يدخلك الله عز وجل الجنان. ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنزل الله تعالى عليه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾. وأنزل الله تبارك وتعالى عليه: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾. أتى جبريل إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي عليه». كلمات عظيمات ومواعظ مؤثرات ينبغي أن يتدبرها أهل الإسلام: «عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي عليه». موسى نبي الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الإمام مسلم، جاءه ملك الموت في صورة إنسان، فقام موسى وفقع عين ملك الموت، فرجع ملك الموت إلى ربه قال: «يا رب، أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت». قال: «قل له يضع يده على ظهر ثور، فله بكل شعرة سنة يعيشها، كل شعرة سنة يعيشها». قال موسى: «ثم ماذا؟» قال الموت: «فالموت». قال: «فالآن إذن، فالآن إذن». إذن يا إخوان، الموت هو المصير، وهو المستقبل الذي ينتظر الجميع. ولهذا الواجب علينا أجمعين أن نستعد له، وأن نعمل له أعمالا تنفعنا في تلكم الساعة الحريجة التي لربما لم يمر علينا ساعة أحرج منها ولا أشد منها. لما نزل الموت على نبينا صلى الله عليه وسلم وجعل يتغشاه الكرب، كان يضع خميصة على وجهه، خرقة، فإذا اغتم كشفها وهو يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات». الدنيا لربما تنسينا لحظة الموت، وهكذا التنافس فيها لربما يلهين عن الاستعداد للموت ولما بعد الموت. ولهذا أيها الأحبة، الأحبة في الله، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما جاء في حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه: قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾. ألهاكم التكاثر: عقارات وحسابات ومشاريع وغيرها. ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾، أي حتى جاء الموت وحملتم على الأكتاف إلى القبور. قال وهو يقرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. عندي وعندي وعندي. مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». هذا الذي لك من مالك: شيء تأكله، وكلنا يعلم أين يذهب ما نأكل، أو شيئا تلبسه، وانظر إلى ما تلبس إذا مضى عليه أشهر أو مرت عليه سنة أو سنتان، انظر كيف يكون، لا يصلح أن يلبس. قال: «أو تصدقت فأمضيت». هذا الذي يبقى، هذا الذي يبقى. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى: قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد. يرجعان أهله وماله، ويبقى عمله». العمل هو الذي يبقى، أنيسا في الوحشة، وجليسا في الظلمة، يبقى معك عملك الذي كنت تعمله. أما الأهل وأما الأموال فإنهم يرجعون ولا يجلسون. فقل لي بربك أيها أولى أن نهتم بإمارته وإصلاحه، الذي يبقى معنا جليسا وأنيسا، أم الذي يرجع ويتركنا؟ ذكروا أن الخليفة الرشيد رحمه الله تعالى بنى بيتا، قصرا مشيدا، فجعل أشراف البلد وعيونها يهنئونه بهذه المناسبة. قالوا: فكان ممن دخل عليه رجل وشاعر يقال له أبو العتاهية، فقام هذا الشاعر وأنشد أبياتا أمام الخليفة، وهذه الأبيات مفادها أنه قال: «عش ما بدا لك ساليا في ظل شاهقة القصور يغدو عليك بما تحب لدى الرواح ولدى البكور». فأعجب الخليفة بذلك فقال له: «زد، زد»، أي من هذا الكلام الذي يبعث السرور في النفوس. قال له: «زد، زد». قال له: «فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور هناك تعلم موقنا أنك ما كنت إلا في غرور». فبكى الخليفة حتى اخضرت لحيته من شدة البكاء. قال: «فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور، يبحث الواحد عن الهوى وعن النفس فلا يجده، ولو يدفع ما عنده من أموال. أما الآن فما أسهل النفس، وما أجمل العبير الذي نشمه تنشقه». قال: «بزفير حشرجة الصدور، هناك تعلم موقنا أنك ما كنت إلا في غرور». وهكذا أنشد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى حين أن رأى بعض الأشراف وبعض ذوي الدنيا في المجلس، أنشد ولعله من كلام غيره، قال: «ستنقلك المنايا من ديارك» والمنايا هي الموت. «ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك البلاء دارا بدارك ودود الأرض في عينيك يسعى وتسعى عين غيرك في ديارك». يقول: البلاء الموت سيخرجك من بيتك الذي طالما بنيته، وكيف ستخرج؟ ستخرج محمولا، لربما قال: «ويبدلك البلاء دارا بدارك»، بدلا من هذه الفلا أو العمارة أو الشقة، ستنتقل إلى دار أخرى، يطول، يطول فيها رقودك، ويطول فيها جلوسك، ألا وهي القبر، الذي إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. قال: «ودود الأرض في عينيك يسعى»، دود يأكل في جنبك ويأكل في ظهرك، ويدور بعضه في عينك. قال: «وتسعى عين غيرك في ديارك»، الدار التي بنيتها سيسكنها غيرك. «أموالنا لذي الميراث نتركها ودورنا لخراب الدهر نبنيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنها وإن بناها بشر خاب بانيها». فالله الله أيها الأحبة في الله في أننا نتذكر المستقبل العظيم الذي ينتظرنا أجمعين، ينتظرنا موت وسكراته، فقل بربك يا أيها الشاب ويا أيها الشائب: ماذا أعددنا للموت وسكرته؟ ينتظرنا جميعا قبر وظلمته، فقل بربك: ماذا أعددنا للقبر وظلمته؟ ينتظرنا جميعا قيامة وأهوالها، سماء تتفطر وأرض تتصدع ونجوم تكور وبحار تسجر، يشيب لهولها رؤوس الولدان، فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا؟ ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾. قل بربك: ماذا أعددنا للقيامة وأهوالها؟ ينتظر الجميع جنة ونعيمها، أو نار وجحيمها. ألا ترون أيها الأحبة في الله أن قلوبنا قد أصابها شيء من الغفلة، وأصابها شيء من الضعف في أنها تحرص على عمارة هذا المستقبل الذي ينتظرها؟ الدنيا أشغلت الكثير، وهكذا الهموم والغموم والأحزان والآلام والظروف أيضا لها حظ ونصيب، إذ أنها لربما أشغلت الكثير منا. فنسأل الله العافية والسلامة، ونسأل المولى تبارك وتعالى أن يحيي قلوبنا بذكره، وأن يجعل صدورنا منشرحة، وأن يجعل جوارحنا طائعة وخاضعة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.