كتاب الطهارة 13

الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صفة غسل الجنابة وبيان أحكامه

يشرح صفة غسل الجنابة المستحبة كما وردت في الأحاديث النبوية، ويتناول بعض المسائل المتعلقة به مثل وجوب غسل جميع أعضاء الجسم ونية رفع الجنابة. يبين كيفية الغسل المستحب وضرورة إتمام الطهارة.

أحكام التيمم ومشروعيته

يتناول حكم التيمم وكونه بدلاً عن الماء عند تعذر استعماله، ويرفع الحدث الأكبر والأصغر، مع وجوب البحث عن الماء قبل التيمم. يشرح شروط وأحكام التيمم ومشروعيته في تسهيل العبادات.

كيفية التيمم ومسائله الفقهية

يشرح كيفية التيمم الصحيحة بضربة واحدة للتراب ومسح الوجه واليدين، وجواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض. يبين الأحكام المتعلقة بالتيمم ومسائله الفقهية المختلفة.

حكم إعادة الصلاة بعد التيمم

يتناول حكم إعادة الصلاة بعد التيمم في حالات مختلفة، مثل وجود الماء بعد أو قبل خروج وقت الصلاة، والخلاف بين أهل العلم في هذه المسائل.

التفريغ النصي الكامل

قال علام السعد رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في باب ما يوجب الغسل وصفته: «وأما صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فكان يغسل فرجه أولا، ثم يتوضأ وضوءا كاملا، ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثا يرويه بذلك، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم يغسل رجليه بمحل آخر». والفرض من هذا غسل جميع البدن وما تحت الشعور الخفيفة والكثيفة. والله أعلم. ذكر هنا صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وغسل الجنابة هو من الأغسال الواجبة لقول الله جل وعلا: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾. ولغسل الجنابة صفتان: صفة مجزئة وصفة مستحبة. أما الصفة المُجزئة، فهو أن ينوي بغسله رفع الجنابة ويغتسل بالماء بأن يغسل جميع أعضائه. يغسل جميع أعضائه، وبهذا يرتفع عنه الجنابة، مثل أن ينغمس في داخل الماء، داخل البحر مثلا أو بركة ماء، أو يدخل تحت الرشاش فيفيض الرشاش ويغتسل، يغسل سائر جسده وينوي رفع الجنابة. فهذه الصفة مُجزئة. والصفة المستحبة، وهي التي ذكرها المؤلف رحمه الله في هذا الموضع، وهو أنه يبدأ بغسل فرجه. النية لا بد منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». فلا بد أن ينوي رفع الجنابة، ينوي بغسل هذا رفع الجنابة، ثم يغسل فرجه كما في حديث عائشة في الصحيحين، وبنحوه حديث ميمونة كذلك في الصحيحين، وهما عمدة هذا الباب في صفة غسل الجنابة. فيغسل فرجه أولا، ثم يغسل يديه، ثم يتوضأ وضوءا كاملا، وضوء الصلاة. يتوضأ وضوء الصلاة كاملا. في حديث عائشة: «غسل نساءه رجليه في الوضوء». وفي حديث ميمونة: «أخر غسل رجليه». وغسل ماء بعد انتهائه من الغسل. قال: «ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثا». يحثي الماء، الحثي يعني يأخذ ملء كفيه من الماء ويضعه على رأسه، الأمر الأولى والثانية والثالثة. ويخلل بيديه بأصابعه شعره حتى يصل الماء إلى أصول الشعر. ثم يفيض الماء على سائر جسده. يغسل بعد ذلك سائر الجسد. هل يعني هذا الغسل سائر الجسد مع أعضاء الوضوء أو دون أعضاء الوضوء؟ في خلاف بين أهل العلم. والظاهر أنه مع أعضاء الوضوء، لأن قولها: «ثم أفاض الماء على سائر جسده» يشمل هذا أعضاء الوضوء وبقية الجسد. قال: «ثم يغسل رجليه بمحل آخر». كما في حديث ميمونة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر غسل قدميه، فغسلهما بعد أن انتهى من الغسل، ابتعد عن الموضع الذي اغتسل فيه، ثم غسل قدميه». وهذا كما قال أهل العلم: «قد يعني يستحب إذا كانت الأرض رخوة -أرض رملية مثلا- فيتراكم الماء في محل الغسل، فيبتعد قليلا ثم يغسل رجليه حتى تكمل الطهارة». أما إذا كان يتوضأ أو يغتسل في حمام مبلط، فالماء ما يمكث، الماء الذي يغتسل به يخرج مباشرة. فمثل هذا لا يحتاج إلى أن يبتعد وأن يغسل قدميه. طيب، هذه صفة غسل الجنابة المستحبة. وكما قلنا ثبت ذلك في حديث عائشة في الصحيحين، وفي حديث ميمونة كذلك. هل يجب على الرجل أن يغسل فرجه؟ المرة هل يجب عليها أن تغسل باطن الفرج؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. منهم من أوجبه على الثيب دون البكر. منهم من قال: «الثيب يجب عليها أن تغسل باطن فرجها، أما البكر لا يجب». والظاهر -والله أعلم- أنه إذا أصابتها جنابة فإنها تغسل فرجها كما يغسل الرجل فرجه. أيضا من مسائل الغسل للجنابة: هل يستحب تثليث الغسل للرأس في الجنابة؟ يعني لما قالت: «غسل فأفاض الماء على رأسه ثلاثا» أو «غسل أو بثلاث حثيات»، هل هذا على سبيل التعميم أو على سبيل التوزيع؟ التعميم يعني أضع الماء في موضع واحد المرة الأولى والثانية والثالثة، أو أنه يوزع الماء؟ المرة الأولى مثلا في الجانب الأيمن، المرة الثالثة جانب الأيسر، ثم الثالثة في الوسط في وسط الرأس؟ هذا أيضا فيه خلاف بين أهل العلم. وظاهر الروايات أنه على سبيل التوزيع، يعني المرة الأولى على جهة اليمين، والمرة الثانية جهة اليسار، ثم في الوسط. إذا كان هل يجب غسل جميع شعر الرأس؟ هل يجب غسل جميع شعر الرأس بغسل الجنابة؟ شعر رجل مثلا، رجل عنده شعر طويل إلى منكبه، أو امرأة ذات شعر واغتسلت للجنابة، هل يجب أن تغسل جميع شعرها؟ أو يجب أن تغسل ما اتصل برأسها فقط من الشعر؟ يعني ما تحت أصول الشعر؟ أما غسل ما استرسل من الشعر، هذا لا يجب. لا يجب غسله، لأن الواجب هو إرواء البشرة، إرواء بشرة الرأس عند غسل الجنابة. وأما ما استرسل من الشعر فلا دليل على غسله. نعم، وحديث أم سلمة قالت: «يا رسول الله، إن امرأة أشد شعر رأسها، أفأنقضه للجنابة؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات». وما أمرها أن تنقض شعر رأسها. وإن غسلته كلها لا بأس. وهذا الذي عليه عامة الناس الآن، إذا اغتسلت -حتى النساء يغسلن سائر شعورهن- لكن لو تركت مثلا ما استرسل من الشعر، غسلت ما اتصل ببشرة الرأس، هذا مُجزئ. هذا مُجزئ في رفع الجنابة. وأما حديث: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأرووا البشرة»، فهو حديث ضعيف. حديث ضعيف. وإن كان معناه صحيح من حيث وجوب غسل أصول الشعر، فهذا واجب. هل يجب على المرأة أن تنقض ضفيرة رأسها؟ امرأة ضفرت رأسها، جعلته ضفائر عقد عند الغسل، هل يجب عليها أن تنقض هذه العقد؟ الجواب: لا، ما يجب. الواجب أن توصل الماء إلى أصول الشعر فقط. ولا يجب عليها أن تنقض عقد رأسها، لحديث أم سلمة المذكور: «إن امرأة شدت شعر رأسها، أفأنقضه لغسل الجنابة؟» قال: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات، ثم تفيضين الماء فتطهرين». إلا إذا كان الماء لا يصل إلى أصول الشعر بكونه مشدودا بقوة، فهنا يجب من باب ما يتم الواجب إلا به، فهو واجب. ما يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما صحة أن عائشة رضي الله عنها لما حاضت أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض شعر رأسها وأن تغتسل، فهذا حمله أهل العلم على سبيل الاستحباب، يعني يستحب للحائض إذا اغتسلت عند طهرها من الحيض أن تنقض شعر رأسها. وأما في الجنابة فلا، يعني يستحب لها ذلك أو لا يلزمها ذلك. ففرقوا بين الحديثين: حديث عائشة في نقض شعرها، وحديث أم سلمة في عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بنقض شعرها. قالوا: فيستحب في غسل الحيض، وأما في غسل الجنابة فلا بأس أن تغتسل من غير أن تنقض شعر رأسها. تأتي مسألة: وهو هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟ هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟ إنسان اغتسل، هل يكتفي بهذا الغسل عن الوضوء ويصلي به؟ أو لا بد أن يتوضأ؟ جمهور علماء على أن الغسل يجزئ عن الوضوء. أن الغسل يجزئ عن الوضوء، فيرتفع الحدث الأكبر ويرتفع الحدث الأصغر. لكن هذا إذا كان الغسل واجبا، إذا كان الغسل واجبا كغسل الجنابة لقول الله جل وعلا: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾. وقوله جل وعلا: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا﴾. فجعل الغاية التي بها يجوز للمسلم أن يقرب الصلاة إذا كان جنبا أن يغتسل. فيدل هذا على أن الغسل -غسل الجنابة- يجزئ عن الوضوء. أما إذا كان الغسل غسل مستحب أو مباح، فهذا لا يجزئ. إنسان اغتسل للتبرد، ثم أراد أن يصلي من غير أن يتوضأ، نقول: لا، توضأ. هذا الغسل لا يكفي. لا بد أن تتوضأ. فيفرق بين غسل الواجب وبين الغسل المستحب أو المباح. فالغسل الواجب يجزئ عن الوضوء. وأما الغسل المستحب أو المباح لا يجزئ، فلا بد أن يتوضأ. مما يستحب أيضا في غسل الجنابة: التقليل والاقتصاد في استعمال الماء. التقليل والاقتصاد في استعمال الماء. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. الصاع أربعة أمداد من كفي الرجل المعتدل. عن هذا أنه كان يقتصد في استعمال الماء. كما في حديث جابر: «أنه كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». فهذا يدل على استحباب التقليل في استعمال الماء. قال رحمه الله: «باب التيمم». قال: «النوع الثاني من الطهارة، وهو بدل عن الماء إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة أو بعضها لعدمه أو خوف ضرر باستعماله». فيقوم التراب مقام الماء بأن ينوي رفع ما عليه من الأحداث، ثم يقول: «بسم الله». ثم يضرب التراب بيديه مرة واحدة، ويمسح بهما جميع وجهه وجميع كفه. فإن ضرب مرتين فلا بأس. قال الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾. قال: «وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأبعث إلى الناس عامة». متفق عليه. ذكر هنا في هذا الباب: «باب التيمم». والتيمم في اللغة: القصد. يقال: «تيممت»، يعني: «قصدت». «تيممت السفر»، يعني: «قصدت السفر». وشرعا: هو التعبد لله جل وعلا بقصد الصعيد لمسح الوجه واليدين. التعبد لله بقصد الصعيد لمسح الوجه واليدين. وهو النوع الثاني من أنواع الطهارة كما ذكر المؤلف رحمه الله. فالنوع الأول هو طهارة الماء، والنوع الثاني هو طهارة التيمم لقول الله جل وعلا: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾. وهو بدل عن الماء، يستعمل متى؟ إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة أو بعضها لعدمه أو خوف ضرر باستعماله. إذن يستعمل التيمم -أو هذه الطهارة أو طهارة التيمم- إذا تعذر استعمال الماء. إما كون الماء موجودا لكن لا يستطيع أن يستعمله -لا يستطيع أن يستعمله- إما لمرض أو خوف ضرر باستعماله. فهنا يجوز له التيمم. أو يكون الماء غير موجود. إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة أو بعضها لعدمه -الماء غير موجود- أو قليل، الموجود منه قليل. فإذا كان غير موجود بالكلية، جاء وقت الصلاة وما عنده ماء. متى يحكم عليه بأنه فاقد للماء؟ إذا بحث عنه. إذا بحث عنه في رحله وما قرب منه من الموضع الذي هو فيه. أو يكون متيقنا وعالما أنه لا يوجد ماء في هذا الموضع، هو في الصحراء ليس فيها ماء. فحينئذ له أن يتيمم ويصلي بالتيمم. لكن لا بد أولا من البحث، لأن الله عز وجل قال: ﴿فلم تجدوا﴾. فقال أهل العلم: «يدل هذا على أن المسلم ينبغي عليه أن يبحث عن الماء، أنه لا يقال له: غير واجد إلا إذا بحث عن الماء فلم يجده». فإذا لم يجد الماء جاز له أن يتيمم. أو عنده ماء قليل، عنده ماء قليل ما يكفي. هذا الماء لغسل جميع الأعضاء، ربما يكفي لغسل وجه ويدي فقط. فهل يقال هنا: «يغسل وجه ويدي ويتيمم للأعضاء الباقية؟» قال بهذا بعض أهل العلم. والصحيح أنه إذا لم يكن عنده ماء للطهارة الكاملة -يعني غسل جميع أعضاء الوضوء- فهنا يكون عادما للماء، فينتقل إلى التيمم. ولا يجمع بين الوضوء والتيمم، لأن التيمم بدل عن الوضوء وبدل عن الماء. ولا يجمع بين البدل والمبدل منه. أو عنده ماء، لكن إذا توضأ بهذا الماء ربما ماتت الدواب التي معه، ويحتاج إلى ماء والماء قليل. فلا بأس هنا أن يتيمم كذلك، ويكون فاقدا للماء. الحالة الثانية: أن يكون الماء موجودا، الماء موجودا وهو كثير، لكن يخاف الضرر باستعماله. يكون مريضا لا يتحمل استعمال الماء، أو يكون البرد شديدا، إذا اغتسل قد يهلك ويتضرر. نعم، فحينئذ له أن يتيمم، حتى لو كان مثلا يستطيع أن يسخن الماء. لو استطاع أن يسخنه وأن يستعمله من غير ضرر، واجب عليه ذلك. يسخن الماء ويستعمله ويغتسل به. أما إذا كان مع تسخينه كذلك يخشى على نفسه الضرر -كمن يعيش في البوادي ليس عندهم حمامات مبنية يغتسل في الخلاء والجو بارد- الجو بارد جدا ويخاف على نفسه الضرر. ففي هذه الحال يجوز له أن يتيمم. والدليل قول الله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾. وحديث عمرو بن العاص في السنن لما أصابته جنابة -وما هو مع أصحابه في غزوة ذات السلاسل- فتيمم وصلى بأصحابه. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما فعل، قال: «أصليت بهم وأنت جنب؟» قال: «يا رسول الله، ذكرت قول الله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾». فأقره النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه. فدل هذا على أنه يجوز استعمال التيمم عند خوف الضرر باستعمال الماء. وأيضا حديث جابر في قصة الرجل الذي شج رأسه فأصابته جنابة، فسأل: «هل له رخصة بالتيمم؟» قالوا: «لا». فاغتسل فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتلوه، قتلهم الله». أنكر عليهم على ما فعلوا بهذا الرجل بعدم الترخيص له باستعمال التيمم. قال: «فيقوم التراب مقام الماء بأن ينوي رفع ما عليه من الأحداث». يعني إذا تيمم ينوي رفع الحدث بهذا التيمم. سواء كان حدثا أكبر أو كان حدثا أصغر. فالتيمم يرفع الحدث الأكبر ويرفع الحدث الأصغر لقول الله جل وعلا: ﴿ولا جنبا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا﴾. ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾. هذا في غسل الجنابة. والآية هنا: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، هذا في غسل بالحدث الأصغر -يعني عند عدم وجود الماء لغسل الأعضاء للطهارة- فينتقل إلى التيمم، فيرتفع به الحدث الأصغر. إذن لا بد من النية في استعمال التيمم، أن ينوي رفع الحدث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». قال: «ثم يقول: بسم الله». وهذا قول جمهور أهل العلم على أنه يقول: «بسم الله» عند الشروع في التيمم. قالوا: كما أنه يقول ذلك في الوضوء. ومرة معنا الخلاف بين أهل العلم في مشروعية التسمية في الوضوء. وأن من أهل العلم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالشرطية، ومنهم من قال بالاستحباب. ويقول جمهور أهل العلم: ومن أهل العلم من يرى عدم البسملة لعدم ثبوت شيء -يعني صحيح- عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. وعلى هذا فيقال: «لا تشرع البسملة أو لا يبسمل المتيمم لعدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك». النبي صلى الله عليه وسلم علم عمار التيمم وما قال: «قل بسم الله». قال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا». وعلمه التيمم وما قال: «قل بسم الله». وفعل كذا وكذا. فيعدل هذا على أن المتيمم لا يبسمل. ولو كانت البسملة مشروعة لفعلها النبي صلى الله عليه وسلم أو أرشد إليها أو أرشد إليها. وكذلك أيضا قياس التيمم مع الوضوء قياس مع الفارق. فالوضوء غسل، والتيمم مسح. والوضوء تغسل فيه الأعضاء -أعضاء الغسل- أعضاء الوضوء. وأما التيمم فلا يكون إلا في الوجه واليدين. فهناك فارق بين التيمم وبين الغسل. ومع ذلك فالقول بالبسملة هو قول جمهور أهل العلم -قول جمهور أهل العلم- يعني من قال بذلك لا ينكر عليه. نعم، فالمسألة فيها سعة. قال: «ثم يضرب التراب بيديه مرة واحدة». يضرب التراب بيديه مرة واحدة. التيمم مرة واحدة فقط. المتيمم يضرب يديه على التراب مرة واحدة. قال: «يمسح بهما جميع وجهه وجميع كفه». مرة واحدة. ثم يمسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. الوجه هكذا مرة واحدة. واليد مرة واحدة. هذا هو التيمم. ضربة واحدة في الأرض، ثم يمسح وجهه مباشرة، ثم يديه. أو يبدأ بيديه ثم يمسح وجهه. إذن التيمم ضربة واحدة لحديث عمار في الصحيحين: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا». وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. ما أمره أن يمسح أكثر من مرة. وأما حديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين». في السنن، حديث ضعيف لا يصح. لا يصح. ولهذا قول المؤلف: «فإن ضرب مرتين فلا بأس». هذا ليس عليه دليل. حديث ابن عمر الذي استدل به ضعيف لا يصح. وإنما المشروع أن يضرب ضربة واحدة. جاء بعض الروايات: «أنه ضرب بيديه ضربة واحدة، ثم نفخ، ثم مسح يديه ووجهه». فهذا أيضا سنة مستحبة: أن يضرب بيديه الأرض التراب، ثم ينفخ، ثم يمسح يديه ووجهه. إذا تيمم ضربة واحدة، هذا هو الصحيح. هل يجب الترتيب في التيمم؟ يعني يجب أن يمسح يديه أولا ثم الوجه، أو الوجه أولا ثم اليدين؟ الجواب: أنه لا يجب. إن بدأ بيديه ثم بوجهه له ذلك. وإن بدأ بوجهه ثم يديه فله ذلك. الآية بدأ الله عز وجل فيها بذكر الوجه: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. وفي السنة بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بمسح اليدين. قال: «ومسح ظاهر كفيه ووجهه». يدل هذا على أن كلا الأمرين مشروع. يشرع هذا ويشرع هذا. قال الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. هنا تأتي مسألة: وهي قوله جل وعلا: ﴿منه﴾. هل «من» هنا للتبعيض أو للابتداء؟ وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم. وهو هل يجب في التيمم أن يعلق شيء في اليدين؟ أن يعلق شيء في اليدين يمسح به المتيمم وجهه ويديه. فتكون قوله جل وعلا: ﴿منه﴾ للتبعيض. أو أنه لا يجب أن يعلق شيء في اليدين، بل يجوز أن يتيمم بالتراب وغير التراب مما صعد على ظهر الأرض من حصى ورمل وغير ذلك؟ مسألة فيها خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من قال: «لا بد من أن يعلق شيء في اليد». واستدلوا بالآية بهذه الآية. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. قالوا: «من» هنا للتبعيض. لا بد من شيء يعني يعلق في اليدين. واستدلوا بحديث جابر في بعض رواياته في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت تربتها لنا طهورا». قالوا: «خص النبي صلى الله عليه وسلم التراب بأنه طهور، فيدل هذا على أنه لا بد في التيمم من أن يكون بالتراب». القول الثاني قالوا: «لا يجب أن يعلق شيء باليد، بل يجوز أن يتيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب ورمل وحصى وغير ذلك». لقول الله جل وعلا: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾. والصعيد كما قال أهل اللغة: «كل ما صعد على وجه الأرض». كل ما صعد على وجه الأرض هو صعيد. فيشمل ذلك التراب والرمل والحصى وغير ذلك. وقوله عز وجل: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. قالوا: «من» هنا للابتداء -للابتداء- وليس للتبعيض. يعني ابتداء التيمم يكون باليد -يكون باليد- بضربها في الصعيد. نعم، ويمسح بعد ذلك يديه ووجهه. وأما الحديث: «وجعلت تربتها لنا طهورا». قالوا: «هذا لا يفيد التخصيص، لأن التراب هو بعض أجزاء الأرض وأنواع الأرض». فالأرض تشتمل على التراب، تشتمل على الرمل، تشتمل على الحصى. وذكر بعض أفراد العام لا يفيد التخصيص. ذكر بعض أفراد العام لا يفيد التخصيص. وهذا هو الأرجح: أن يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب وغيره. وكذلك أيضا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى تبوك لم يحمل معه شيء من التراب، مع أن تبوك كانت أرضا رملية -كانت أرضا رملية- كما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه «الزاد». ومع ذلك لم يحمل معه شيء من التراب. دل هذا على أنه يجوز التيمم بغير التراب. لكن إذا وجد التراب هو أفضل. إذا وجد التراب الذي يعلق باليد هذا أفضل. خروج من الخلاف. لكن إذا لم يوجد فيتيمم بما تيسر -بما يتيسر- مما صعد على وجه الأرض. قال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. فشرع الله عز وجل التيمم لرفع الحرج. لأن الإنسان إذا جاء وقت الصلاة وما عنده ماء سيتحرج: «كيف يصلي؟ ماذا يفعل؟» فشرع الله عز وجل التيمم رفعا للحرج. يتيمم يضرب يديه بالأرض ويتيمم ويصلي. في هذا تخفيف. وكذلك أيضا تيسير. وأيضا فيه دليل على قول من يقول بجواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض. لأن إذا قلنا: «لا بد أن يكون التيمم بالتراب». طيب، إنسان جاء وقت الصلاة ما عنده تراب، عنده رمل -أرض رملية- أو أرض حجرية. نقول: «لا، ما تتيمم، ما يجوز لك تتيمم». هذا حرج. والله يقول: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. هذا الحرج يرتفع بجواز التيمم بهذا الرمل وبهذا الحجر. فيكون هذا فيه دليل على مشروعية التيمم بغير التراب. قال: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾. فالله عز وجل سمى التيمم طهارة. ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾. وتأتي مسألة اختلف فيها العلم أيضا: وهي هل التيمم يعني رافع للحدث كالوضوء؟ أم أنه مبيح فقط؟ إيش معنى «مبيح»؟ يعني يقولون بأن التيمم يبيح للإنسان أن يصلي الصلاة الحاضرة التي جاء وقتها وما عنده ماء. فيتيمم. «مبيح فقط» يبيح له أن يصلي. وليس برافع للحدث. الحدث ما زال موجود. هو محدث. هو محدث. فهذا يصلي بالتيمم هذه الصلاة الحاضرة. ثم يمتنع. لا يصلي شيء آخر. وليس له أن يصلي بهذا التيمم فريضة أخرى. مثلا صلى الظهر بالتيمم. فجاء وقت العصر. وما زال على طهارة التيمم. يقولون: «لا بد أن يتيمم من جديد». لأن التيمم مبيح وليس برافع للحدث. والقول الثاني: هو الصحيح. أن التيمم رافع للحدث. رفعا مؤقتا حتى يجد الماء. أنه رافع للحدث رفعا مؤقتا. هذا قول جمهور أهل العلم. وهو الصحيح. الله عز وجل هنا سمى التيمم طهارة: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾. إذن التيمم تحصل به الطهارة كالوضوء. كما أن الوضوء يرفع الحدث. فكذلك التيمم يرفع الحدث. لكن هذا الرفع رفع مؤقت. حتى يجد الماء. فيجب عليه أن يستعمله. ويدل على ذلك أن هذا الرفع مؤقت. قصة الرجل الذي تيمم وصل ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم: «أوجد الماء». أعطاه الماء. قال: «قل هذا». فأريق على رأسه. أو «اغتسل به». الحديث الصحيح. وعلى هذا القول: أن التيمم رافع للحدث. هو الصحيح. فله أن يصلي بهذا التيمم ما شاء من الصلوات الفريضة والنوافل. وله أن يصلي به فريضة أخرى إذا جاءت. مثلا صلاة العصر وهو ما زال على طهارة التيمم بصلاة الظهر. فله أن يصلي به صلاة العصر. نعم، أن التيمم رافع للحدث. وهو كذلك أن يتيمم قبل دخول وقت الصلاة. الذين يقولون بأنه مبيح يقولون: «لا، ما يتيمم إلا بعد دخول الوقت». لكن الصحيح أنه له أن يتيمم قبل دخول الوقت. ولا مانع من ذلك. وما هي نواقض التيمم؟ هي نواقض الوضوء. نواقض التيمم هي نواقض الوضوء. طيب، كل ما ينتقض به الوضوء ينتقض به التيمم. أكل لحم الإبل. خروج شيء من السبيلين. طيب، النوم المستغرق إلى آخره. نعم، وكذا إذا وجد الماء هنا وجب عليه استعماله. قال هنا عن جابر: «عطيت خمسا لم يعطهن أحد من أنبياء قبلي». الشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». يعني إذا جاء وقت الصلاة والإنسان ما عنده ماء، فعنده طهوره التراب. الأرض يتيمم ويصلي. وكذلك الأرض كلها طاهرة. فهي مسجد. له أن يصلي في أي موضع طاهر ليس فيه شيء من النجاسات. فالأصل فيه الطهارة. وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للمتيمم أن يصلي بالتيمم ولو في أول وقت الصلاة. بعض العلم يقول: «لا، لا يتيمم إلا آخر الوقت». لأنه يحتمل أن يجد الماء. لكن هذا ما يلزمه. بل له أن يصلي في أول الوقت. يدل على هذا الحديث: «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل». والصلاة في أول وقت مستحبة. فله أن يتيمم في أول الوقت ويصلي. ما دام أن الماء غير موجود فلا بأس أن يتيمم ويصلي. تأتي هنا بعض المسائل المتعلقة بالتيمم. منها: إذا تيمم الإنسان وصلى. تيمم وصلى. وبعد أن فرغ من الصلاة وخرج وقت الصلاة وجد الماء. هل يعيد الصلاة؟ الجواب: لا، ليس عليه إعادة بالإجماع. إذا تيمم صلى بالتيمم. ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة. فليس عليه إعادة بإجماع العلم. طيب، وإذا صلى بالتيمم وبعد أن فرغ من الصلاة وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة. قبل خروج وقت الصلاة. هل يعيد الصلاة؟ يتوضأ ويعيد الصلاة؟ أم يكتفي بصلاته بالتيمم؟ الراجح أنه يكتفي بصلاته بالتيمم. هذا قول أكثر أهل العلم. وجاء في حديث سعيد بن المسيب في السنن: «في قصة رجلين تيمما عند عدم الماء، ثم وجد الماء بعد أن فرغا من الصلاة والوقت موجود». فأحدهما توضأ وعاد الصلاة. والآخر لم يعد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي لم يعد أصاب السنة». وقال: «الذي أعاد له الأجر مرتين». والحديث حسنه بعض أهل العلم في السنن. فإذن هذا على أن لا يلزم المتيمم أن يعيد الصلاة إذا وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة. بل السنة أن يكتفي بصلاته بالتيمم. تأتي صورة ثالثة فيها خلاف: وهو إذا وجد الماء في أثناء الصلاة. تيمم وصل. وفي أثناء الصلاة وجد الماء. هل يلزمه أن يخرج ويتوضأ بالماء؟ أو يستمر بصلاته بالتيمم؟ مسألة خلافية بين أهل العلم. والخلاف شديد. فمن أهل علم قال: «لا يلزم أن يخرج». لأنه دخل إلى الصلاة بطهارة -يعني شرعية- أذن له الشرع باستعمال التراب. يعني يستمر في صلاته. وليس عليه شيء. ومن العلم قال: «بل يخرج». لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين». فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته. قالوا: «هذا يدل على أنه إذا وجد الماء عليه استعمال الماء». وهذا القول الثاني هو الأحوط. هو الأحوط: أنه يخرج ويستعمل الماء. ما دام أن الماء قد جاء وهو لم يفرغ من الصلاة بعد. فيخرج ويستعمل الماء. ثم يصلي بطهارة الماء. نعم. طيب، إذا جهل الإنسان وجود الماء. جهل وجود الماء. فتيمم وصلى. تيمم وصلى. ثم وجد الماء. هل يلزمه أن يعيد الصلاة؟ يستعمل الماء ويعيد الصلاة؟ أم أنه يكتفي بصلاة بالتيمم؟ وهكذا إذا نسي. إذا نسي: «نسي أن الماء موجود». فتيمم وصلى. ثم ذكر أن الماء موجود في المكان الفلاني. هل يلزمه أن يذهب ويتوضأ ويعيد الصلاة؟ أم أنه يكتفي بصلاة بالتيمم؟ مسألة فيها خلاف. منهم من يقول: «لا يلزم أن يعيد». لأن الجهل والنسيان عذر. ربنا: ﴿تأخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. ومنهم من قال: «يعيد». والظاهر -يعني- أنه يعيد. يستعمل الماء ويعيد الصلاة. لماذا؟ لأن القاعدة: «أن ترك المأمور به -جهلا أو نسيانا- يسقط الإثم ولا يسقط الحكم». لا يسقط الحكم. هو الواجب عليه أن يستعمل الماء. فهو ترك هذا الواجب جهلا أو نسيانا. نسي أن الماء موجود. أو جهل أن الماء موجود. ثم تبين أنه موجود. ووقت الصلاة ما زال باقيا. فهنا عليه أن يستعمل الماء ويعيد الصلاة