الخطبة بعنوان صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ربيع الآخر 1443هـ الموافق 26 نوفمبر 2021م ألقاها الشيخ حسن بن علي عليوه
تؤكد الخطبة على وجوب تراحم المسلمين وإحسانهم للأرامل واليتامى والفقراء مستشهدة بآيات وأحاديث تبين عظيم أجر الصدقة. وتحذر من قبول مساعدات النصارى التي تهدف لسلب الدين ضاربة المثل بالأشعريين اليمنيين الذين نالوا نسبة النبي لإحسانهم المتبادل.
يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبرز عظيم أجر من ينظر المعسر أو يضع عنه وأن الصدقة ولو بشق تمرة تقي النار وتجلب ظل الله يوم القيامة. كما يذكر دعاء الملائكة للمنفق وفضل إفشاء السلام وإطعام الطعام وصلاة الليل مؤكداً أن تفريج كربة المؤمن سبب لتفريج كرب يوم القيامة.
تستعرض الخطبة فضائل الصدقة وسخاء الصحابة كعثمان بن عفان وتحث المسلمين على الإحسان والجود بالمال والطعام والماء. مبينة أن الصدقة تدفع البلاء وتشفى المرضى وتكون سبباً للمغفرة حتى لأهل المعاصي داعية إلى الإسرار بها والإكثار منها لوجه الله.
يبدأ المقطع بالحمد لله رب العالمين متبوعاً بالتكبير مرتين معبراً عن الثناء والتعظيم لله. وهذا الافتتاح يحدد نبرة الخطبة التعبدية ويذكر المستمعين بعظمة الله قبل الخوض في المواضيع.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حاثًا عباده ومرغبًا لهم على بذل الإحسان والمعروف فيما بينهم. فإن هذا الزمان كما تعلمون يا عباد الله نحن بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا وإخواننا بالتراحم والإحسان، مع ما نزل بالبلاد والعباد من الفقر والغلاء والفتن والحروب وغير ذلك. فإن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بالتراحم فيما بينهم، فإذا تراحموا رحمهم وكشف ما بهم، كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. فإذا نظرت الأرملة في هذا الزمان أو المسكين أو اليتيم، فإنها قبل أن تقع في يده تقع في يد الله سبحانه وتعالى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. فتأمل في هذا، لا لحاجة الرب سبحانه وتعالى، فإنه الغني، ولكن ترغيبًا لمن يحسن إلى العباد أن الله يتقبلها بيمينه فينميها ويضاعفها حتى تصير أمثال الجبال، رحمة بالعبد وإحسانًا له على إحسانه لعباده. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف». رواه الطبراني في الأوسط عن أم سلمة. وجاء من حديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر». وجاء عند الحاكم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والهلكات، صنائع المعروف تقي مصارع السوء والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة». هذه أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يرغب أبناء المسلمين في النظر إلى أنفسهم وإلى جيرانهم وإلى أراملهم وأيتامهم، لا نسلمهم للنصارى. فإن النصارى إذا أعطوهم حقيرًا أخذوا منهم عزيزًا، أخذوا أديانهم، أخذوا عقائدهم، ودوا لو تكفرون كما كفروا، هذا ودهم. فإذا وجدوا المسلمين في حاجة تدخلوا بأموالهم وأعطوا شيئًا من دنياهم وسلبوا دين المسلم الذي هو أغلى من الدنيا وما فيها. الدين يا عباد الله يريدون سلبه بالإحسان، فأهل الإسلام أحق بالإحسان إلى أهل الإسلام حتى لا يحتاج أهل الإسلام للنصارى والأعداء يذلونهم ويهينونهم ويحتقرونهم، والعياذ بالله. فإن الله قد أخبرنا عن حقدهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. انظر، الله بيناكم عداوة هؤلاء، فيا أهل الإسلام ويا أهل الإحسان، أيتامكم وأراملكم ومساكينكم في ذمتكم، لا تسلموهم لأعدائكم حتى لا يذلوهم كما أذلوا أمما وشعوبا قبلكم، والدائر عليكم. إلا أن الله عز وجل أبى على هذا البلد، بلد الإيمان والحكمة وأهل الإيمان والحكمة، أن يسلموا فقراءهم ومساكينهم وأراملهم لأعدائهم. روى البخاري ومسلم من طريق آل أبي بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الأشعريين، إن الأشعريين -أي أهل يمن وقوم من أهل يمن- إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما معهم في ثوب واحد واقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم». انتسب الرسول عليه الصلاة والسلام لأهل اليمن لإحسانهم لبعضهم وعدم نسيانهم المساكين والأرامل والأيتام. الأشعريون مني وأنا منهم، ما أحسن هذه النسبة يا أهل اليمن! ينتسب لكم رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم لا لشيء إلا لإحسانكم لأنفسكم، فاعرفوا هذه المنازل وقدروا قدرها واستمروا عليها يا أهل الإيمان والحكمة. إن الأشعريين منقبة، منقبة عظيمة: إذا أرملوا في الغزو أو حتى في المدينة، أو قل طعام عيالهم في المدينة، جمعوا ما معهم في ثوب واحد واقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم. رواه البخاري ومسلم بالسند اليمني والصحابي اليمني، وفضيلة لأهل اليمن، ونسبة الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم ونسبتهم إليه. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك». متفق عليه عن الصحابي اليمني، حافظ الصحابة ومن حفاظ الصحابة أبي هريرة رضي الله عنه: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، أبشر بالخلف من الله عز وجل». صنائع المعروف تقي مصارع السوء، يقيك الله الهلكات والنكبات والمصائب إذا أنت أحسنت لأهل الإسلام ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وعلى وسلم يقول: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». وهذا الحديث في أصح كتب السنة في البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. سبعة في يوم الحر، في يوم مقداره خمسين ألف سنة، وقد دنت الشمس من رؤوس الخلائق، صاحب الصدقة في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. أنت تصنع ظلك بنفسك وتقدم ظلك لذاك اليوم بنفسك، عبد الله بشيء يسير وهو عند الله عظيم، يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. وفي حديث أبي اليسر في صحيح مسلم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله». رواه مسلم. من أنظر معسرًا، كم من المعسرين اليوم! إذا أنظرتهم وأمهلتهم أو وضعت عنهم بعض الدين أو شيء من الدين أو وضعت عنهم الدين، ماذا لك يا عبد الله؟ أظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. في مسند أحمد ومستدرك الحاكم عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة». قال الراوي عن أبي الخير: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق، ولو بكعكة، ولو ببصلة. لا تحتقر شيئًا من المعروف، لا تحتقر شيئًا من المعروف ولو بصلة لجارك، ربما ما عنده بصل، يرفعك الله ويظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذا الحديث العظيم يرويه أبو الخير وهو ككنيته مشهور بالخير، مرثد بن عبد الله اليزني، هذه كنيته وهذا فعله فهو أبو الخير كنية وهو من أهل الخير عملاً. يروي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة». أيش فعل هذا التابعي؟ قال: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق، ولو ببصلة، ولو بكعكة. في صحيح البخاري عن جابر، وفي مسلم عن حذيفة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل معروف صدقة». أي شيء معروف في الشرع أو في العرف فهو صدقة. كل معروف صدقة. رواه البخاري عن جابر، ورواه مسلم عن حذيفة. لفض عام: كل معروف صدقة، ولو كلمة طيبة، ولو تمرة، ولو نصف تمرة. في حديث عدي في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». ما عسى شق تمرة أن تفعل؟ تقيك من النار. الأمر عظيم عند الله، الأمر عظيم عند الله الكريم الشكور، يقبل القليل ويعطي الكثير. فاتقوا النار بإيش؟ بخزائن الأرض؟ بجبال الذهب؟ ولو بشق تمرة، نصف تمرة، ربما تأتي على مسكين فتنقذه، ويدعو لك فيفرج الله كربتك ويرفع درجتك ويغفر ذنبك ويظلك في عرشه تحت ظل عرشه، ويدخلك الجنة بهذه التمرة. قال: «فمن لم يجد فبكلمة طيبة». كلمة طيبة صدقة، الكلمة طيبة صدقة. إن لم تجد شيئًا فالكلام الطيب. والنبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عباس عند أحمد والترمذي واللفظ لأحمد قال: «رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. ثم قال بعدها: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم. قال: يختصمون في الكفارات والدرجات. أما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلوات بعد الصلاة، وكثرة الخطى إلى الجماعات. من فعل ذلك عاش في خير، وعاش على خير، ومات على خير، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ثم قال: وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام». الملأ الأعلى ملائكة الرحمن حملة العرش يختصمون في الكفارات، أن يتذاكروا أعمال العباد: الكفارات والدرجات. أما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات، أي في المكاره، وانتظار الصلوات بعد الصلوات، وكثرة الخطى إلى الجماعات. وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام. وفي حديث عبد الله بن سلام عند الترمذي وابن ماجة واللفظ لابن ماجة: لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة خرج الناس تلقونه، فخرج هذا الحبر من أحبار اليهود قبل أن يسلم ينظر هذا النبي وما هي دعوته. قال: فخرجت معهم، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». هذا الحديث وهو يؤسس دولة الإسلام وعاصمة الإسلام، أول ما قدم المدينة: «يا أيها الناس، أفشوا السلام» مجلب أهل المحبة، «وأطعموا الطعام» إحسان الغير، «وصلوا الأرحام»، «وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». وعند أحمد وغيره عن بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أنظر معسرًا فله صدقة». قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة». قال: قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول: من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة. قال: «له بكل يوم مثله صدقة ما لم يحل الدين، فإن حل الدين وأنظره فله بكل يوم مثله صدقة». وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا». ملائكة يدعون للمنفق ويدعون على البخيل، ملائكة كل يوم. ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. والحديث في صحيح كتب السنة في البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فيا أمة الإسلام، هذا زمان الإحسان، هذا زمان الفقر والمجاعة والغلاء، أين أهل الإحسان لأراملهم وأيتامهم ومساكينهم والمحتاجين منهم؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. فانظر يا عبد الله، من نفس عن مؤمن كربة، قد يكون عليه دين، قد يكون محتاجًا، قد يكون في المستشفى، قد يكون محتاجًا للسفر أو للعلاج وهو في كربة شديدة، وعندك يسيرة فنفست عنه كربة من كرب الدنيا، نفس الله عليك كربة من كرب يوم القيامة. ليست كربة الدنيا ككربة يوم القيامة، ولكن الكريم يقبل القليل ويعطي الكثير، ويشكر للعباد إحسانهم إلى عباده. فيا أمة الإسلام، انظروا في حالكم وفي وضعكم، وتأملوا في هذه النصوص من الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، ترون الأمر جليًا في الإحسان والنظر في الأمر بجد وعدم الغفلة عن هذه الأمور المهمة في وقتها الشديد. والله عز وجل سيجعل بعد هذا العسر والشدة والغلاء يسرًا، وإنما هو امتحان للعباد. فإذا رجع العباد وتابوا وأنابوا واستغفروا الله سبحانه وتعالى يرفع عنهم ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. *** الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم ملاقوه، وأنكم محشورون إليه، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. أيها الناس، كيف فعل الصحابة مع هذه النصوص رضي الله عنهم؟ هم قدوتنا في العمل، خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. حضر جيش، أكبر جيش الإسلام، قوامه ثلاثون ألفا مقاتلون الروم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جهز جيش العسرة فله الجنة». فقام عثمان، أحد كرماء الصحابة وحد الفضلاء، قال: أنا يا رسول الله. ثلاثون ألف مقاتل، وفي غزو بلاد الروم سيتحركون نحو ألف كيلو، كم يحتاجوا لطعام شراب مراكب؟ قال: «علي يا رسول الله فجهز جيش العسرة فله الجنة». ثم رأى بئرا كان يهوديًا يتحكم فيها يقال له رومة، قال: «من يشتري بالرومة فله الجنة؟» فاشتراها عثمان وصارت وقفا إلى اليوم. هذا ولا زال وقف عثمان في المدينة النبوية، لا زالت به الرومة وتلك المزرعة وتلك البساتين إلى يومك هذا موجودة، رأي العين. هكذا كانوا رضي الله عنهم. وقال مرة لأصحابه لما قدموا ناس من عكل أو عرينة، مجتابي النمار، متقلدي السيوف، يعني عندهم ثياب لا تكاد تغطي عوراتهم وقد ربطوها بأعناقهم، مجتابي النمار متقلدي السيوف. فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الفقراء والمساكين، تغير وجهه. قال: «تصدق رجل بديناره، تصدق رجل بدرهمه، بصاع بره، بصاع شعيره، ولو بتمرة». فقام رجل من الأنصار كادت يده أن تعجز، بل قد عجزت، وضع بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام سرة من ذهب، فتتابع الناس حتى صار بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام كومان، كوم من الطعام وكوم من الثياب، فتهلل الوجه واستنار وجهه كأنه قطعة قمر. انظروا، انظروا، قبل هذا تغير وجهه، فلما رأى استجابة المسلمين لهؤلاء الذين قدموا من البدو، قدموا من عرينة ومن عكل، ناس في فقر عظيم، تغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام. أين أهل الإسلام من هؤلاء؟ أينتظرون أعداءهم؟ فقال: «تصدق رجل بديناره، بدرهمه، بصاعي بره، بصاعي شعيره، ولو» يعني بالشيء يسير. فبدأ رجل الأنصار وتتابع الناس حتى صار كومان بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام من ثياب وطعام، فتهلل واستنار وجه النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى إجابة أمته وأصحابه لهذا الأمر. فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». متفق عليه عن جرير رضي الله عنه. والنساء عليهن من المسؤولية ما على الرجال، فإن المرأة إذا أنفقت من مال زوجها فلها مثل أجره بإذنه. وقال: «يا نساء المسلمات» أو «يا نساء المسلمين، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». كم من النساء من لا تعرف؟ ربما هذا الأمر يا نساء المسلمين خاطب النساء، فإن المرأة لها أثر في تحريض زوجها وفي اقتطاع شيء من مالها ومن مال زوجها للجيران. يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، أي ظلف شاة، خير من العدم، ظلف الشاة خير من العدم. ويقول النبي السلام: «تهادوا تهادوا، فإن الهدية تذهب السخيمة». كم من جيران بينهم المقاطعة والخصام والصرام، ولو أنهم فعلوا بهذا لسادت المحبة والوئام. تهادوا تهادوا، وقال: «الهدية تذهب السخيمة»، تسل السخيمة من القلب وتجلب المحبة، فالسخائم والأحقاد التي بين المسلمين تزيلها الهدية، تزيلها الإحسان. يا عباد الله، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «داووا مرضاكم بالصدقة». كما عند أبي الشيخ عن أبي أمامة وحسنه الشيخ الألباني: «داووا مرضاكم بالصدقة». كم من مريض مقعد وما شعر أن الصدقة للأيتام والأرامل والمساكين سبب عظيم في العلاج، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «داووا مرضاكم بالصدقة». فهي باب عظيم في العلاج والشفاء إذا كانت لوجه الله سبحانه وتعالى. بل حتى الأعداء تفطنوا لهذا، قال ابن القيم رحمه الله عليه: فإن الله يدفع بها -أي الصدقة- أبوابا من البلاء، وهذا أمر يعرفه يعرفه الناس، خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرون به لأنهم جربوه. أهل الأرض، كافرهم ومسلمهم، جربوا هذا فنفع في أمر الدنيا، حتى يدفع الله عن العبد الكافر البلاء في الدنيا بإحسانه وهو كافر، له النار في الآخرة، لكن في الدنيا انظر لقول ابن القيم: فإن الله يدفع بها الصدقة أبوابا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرون به لأنهم جربوه. هذه بغي من بغايا بني إسرائيل، سقت كلبا. بغي، عملها البغاء والحرام، نظرت في كلب يلهث من العطش، فوقع في قلبها رحمة هذا الكلب، فأخذت موقها ونزلت البئر وملأت موقها فسقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها. فقال الصحابة: «أفي البهائم أجر؟» قال: «في كل كبد رطبة أجر». وأفضل الصدقة سقي الماء، أفضل الصدقة سقي الماء. إذا كان هذا الكلب دخلت البغي الجنة بسببه، كيف بالحيوانات؟ كيف بالناس؟ كيف بالمحتاجين؟ سقي الماء أفضل الصدقة، سقي الماء. فيا عباد الله، أبواب الخير كثيرة، أبواب الخير كثيرة. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. إخفاء الصدقة أفضل من بيانها، وبيانها جائز لمن وثق بإيمانه وعدم الرياء والعجب، وإلا فالخفاء والسر، وصدقة السر تطفئ غضب الرب. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يدفع عنا وعن بلادنا وعن بلاد المسلمين البلاء والوباء والغلاء والفتن، ما ظهر منه وما بطن، إن ربنا لسميع الدعاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، الله أكبر، الله أكبر.