الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تفسير آية الأنعام ودلالة إضافة العمل إلى اليد في اللغة العربية، ويوضح أن خلق الأنعام ليس كخلق آدم بيده. يبين أن إضافة العمل إلى اليد هو أسلوب لغوي معروف.
يفصل في دلالة إضافة العمل إلى اليد مع أو بدون تعدية الفعل بالباء، ويستدل بآيات قرآنية مختلفة على ذلك. يظهر الفرق بين الحالتين اللغويتين.
يناقش تفسير آية المبايعة ويد الله فوق أيديهم، موضحا أن مبايعة الرسول تعني مبايعة الله. يبين أن اليد المذكورة في الآية هي صفة من صفات الله تعالى.
يناقش عدم دلالة اللفظ على الحلول أو اللا ممتنع بمفرده. يوضح أن اللفظ وحده لا يكفي للدلالة على ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله. قال المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ مع تيمين المثال الثالث عشر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. والجواب أن يقال: ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها حتى يقال إنها صرفت عنه؟ أن هذا أيضا من الإشكالات التي ذكرها بعضها البدع. قالوا: هذه الآية كيف تفسرونها؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. معنى هل أن أنعام التي عملها الله عز وجل بيده، وبقية الأشياء لم يعملها ربنا سبحانه وتعالى بيده؟ والجواب أن يقال: ما هو ظاهر هذه الآية حقيقة؟ هل يقال أنها صرفت عنه؟ هل يقال أن ظاهرها أن الله خلق الأنعام بيده كما خلق آدم عليه السلام بيده؟ أو يقال أن ظاهر أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده؟ لكن إضافة العمل لليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، معنى من إطلاق الجزء على الكل كما يسميه أهل البلاغة إطلاق الجزء على الكل. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، فذكر اليد ويراد بها الذات. لأن الله عز وجل امتن على آدم بأن خلقه بيده، ولهذا قال موسى لآدم لما أراد أن يحاججه: «أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك». وكذلك جاء في الحديث الآخر عندما يأتون الناس إلى آدم فيقولون: «يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده». فقوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، ليس المراد أن الله خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده، فهذا بعيد. إذ لو كان كذلك لتساوت الأنعام بالفضل مع آدم، ومعلوم أن بقية البشر لم يشاركوا آدم في هذه الفضيلة وهذه المزية، فكيف تساويه الأنعام؟ لكن وضيف العمل إلى يد الله في قول: «ما عملت أيدينا»، أي صاحب اليد وصاحب الذي اتصف بهذه الصفة اليد وهو الرب جل وعلا. لهذا يقال مثلا: «من عذب في النار ذلك بما قدمت أيديكم». وهل يده الذي قدمت فقط؟ لا، قد يكون هذه الذنوب أيضا من لسانه، الذنوب من نظره. لكن يقول الله عز وجل: «بما كسبت أيديكم وما قدمت أيديكم». وهذا من إطلاقات العرب يعني يطلقون الجزء ويريدون به الكل. ولهذا قال بعضها اللغة كما ذكر الإمام بن القيم رحمه الله: أن اليد قد تضاف أو أن الفعل قد يضاف إلى اليد ويراد به الفعل نفسه وفعله. وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده ومفرده، فهذا المراد به نفس اليد أو المقصود به ما باشرته اليد. يعني ما باشرته اليد نفسها، يعني مثلا يقول: «فعلت هذا بيدي»، فهذا ألباهنا إذا عديت إلى اليد بعد الفعل، فالمراد به المباشرة. مثل ما قال في الحديث: «أنت يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده»، عدي بالباء. لكن هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، ما قال: «مما عملت بيدي». ولهذا قال الله عز وجل لآدم لإبليس لما لم تسجد: «لما خلقت بيدي». الله عز وجل أنكر على إبليس أنه لم يسجد لآدم وذكر أن آدم خلقه بيديه، فهذا يدل على ميزة لآدم عليه السلام. وأما هذه الأنعام فلم يجعلها أو لم يعديها بالباء الذي تدل على المباشرة، وإنما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِيْنَا﴾. مثل أيضا قوله: «ذلك بما قدمت يدك». قال: «ذلك بما كسبت أيديك». فهذا إذا لم تعد بالباء فليس المراد به المباشرة. وهذا في لغة العرب. قال: أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين: أحدهما أن النفظ لا يقتضيه بمقتض اللسان العربي الذي نزل القرآن به. هل ترى إلى قول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، مع أنهم لم يرتكبوا هذه الدنوب بالأيدي فقط. وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده، بخلاف ما إذا قال: «عملته بيدي». أنا أعد يا بيش بالباء، فإذا عدي بالباء بعد الفعل فالمراد به المباشرة باليد كما في قول: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد. قال الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية: «خلقنا لهم بأيدينا أنعاما». خلقنا لهم أي بالفعل ثم عدي بالباء بأيدينا أنعاما، كما قال الله تعالى في هذا: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي». لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية لقوله تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ». قال: وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو أن ظهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها ولم يخلقها بيده. وأيضا مقصود الآية هو أراد الله عز وجل أن يتفكروا في هذه الأنعام التي خلقها سبحانه وتعالى له. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقْتُ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، فهم لها مالكون وذللناها لهم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، أن يعتبروا ويشكروا نعمة الله عز وجل عليهم. قال رحمه الله: وإذا ظهر بطلان القول أول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها ولم يخلقها بيده. لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغوة العربية، بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء إلى اليد، فتنبه للفرق. فإن التنبه للفرق من المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبي يزود كثير من الإشكالات. فلهذا يعلم بهذا أن من جعل قوله: «مما عملت أيدينا» إكبات اليد لخلق الأنعام قطأ، لأنه لم يعد بباء التي هي بال مباشر. وإنما هذا مثل أي ما يذكر النفس ويذكر أيضا الوجه وغيرها من هذه الأشياء التي تذكر ويراد بها الأذات نفسها. قال المثال الرابع عشر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. والجواب أن يقال: هذه الآية تضمن الجملتين. الجملة الأولى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. وهل هذا يبايعون الله هل هو على قول أهل الحاد من الحلولية أن الله حل في ذات النبي وأصحابه حتى بايعوه؟ معنى بايعوا الله ليس كذلك. وهذا قول الكفري ولم يقل به أحد من المسلمين، ولا يفهم العاية كما سيذكر المؤلف. قال: وقد أقضى السلف على السنة بظاهرية وحقيقتها، وهي صريحة في أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وعلى وسلم نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته لأول العاية والواقع عن منافاته للواقع واستحالته في حق الله تعالى. قال: وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة له لأنه رسوله. وهذا كثير في الآيات. «ونحن أقرب إليه ولكن لا تبصرون». مراد قرب إيش الملائكة؟ فالله عز وجل قد يطلق الشيء وينسبه إلى نفسه لأنه هو المرسل هو المرسل حقيقة. قال: وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول مبايعة له لأنه رسوله. وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله، ومبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله، لأنه رسوله المبلغ عنه. كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فلهذا فتأوين أهل السنة للآية أو تفسير أهل السنة للآية ليس فيه حرف أو تحريف اللفظ وصرف اللفظ عن ظاهرة، بل الظاهر هذا. ولهذا ينسب كما ينسب مثلا الفعل إلى الملوك مثلا أو الرؤساء وهم لا يفعلون. أو ينسب مثلا إلى البلد اتفقت بلدة كذا مع بلدة كذا، وهي لم تتفق البلدة كلها، وإنما وفق منهم أو الرسول منهم. وأيضا يقال مثلا من فتح القدس وفتح فلسطين بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقال: «عمر». وهل هو عمر الذي فتحها؟ صحيح أنهم سلموها ما سلموا فلسطين إلا العمر، لكن من الذي فتحها؟ فتحها الجيش جيش المسلمين حتى أخضعوهم للتسليم. فهذا يقال لأنه هو الملك وهو الخليفة وهكذا، وهو الذي أرسل هذا الجيش. فلسطيني فليس فيما ذكروه شيء مما يدل على هذا الأمر. قال: الجملة الثانية قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. قالوا: وهذه أيضا على ظاهره وحقيقتها. فإن يد الله فوق أيدي المبايعين لأن يده من صفاته وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم. وهذا ظاهر اللفظ حقيقته، وهو لتوكيد كونه مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم مبايعة لله، وليلزمنا أن تكون يد الله جل وعلا مباشر لأيديهم. ألا ترى أنه يقال: «السماء فوقنا»، مع أنها مباينة لنا بعيدة عننا؟ فليس كل شيء يقال فوق معنا أنه مباشر له كما تقدم معنا. قال: «فيد الله فوق أيدي المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليه. ولا يمكن لا أحدا يفهم من المراد بقول: «يد الله فوق أيديهم»، يد النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يد الله يد النبي، ولا أن يدعين ذلك ظاهر اللفظ. لأن الله تعالى ضاف اليد إلى نفسه، قال وصفا بأنها فوق أيديهم. ويد النبي عليه الصلاة والسلام عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم ولا فوق أيديهم. وهذا هو ظاهر اللفظ ولا يدله غيره عليه عن الحلول واللا ممتنع أبدا، وليس أيضا يدل عليه اللفظ.