الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الإمام ابن القيم على أهمية مجاهدة النفس والهوى شيئا فشيئا للتخلص من الذنوب، حيث إن الاستمرار على ذلك يقوي الهمة ويزيد من لذة الطاعة والعبادة.
مجاهدة النفس والهوى والشيطان تعتبر من أهم الأسباب لنيل الهداية والاستقامة، حيث تقوي باعث الدين وتضعف الرغبة في المعاصي.
النفس تحتاج إلى مجاهدة وتفطيم عن الذنوب والمعاصي، ومجاهدة الهوى والشيطان والدنيا ضرورية للوصول إلى رضا الله وجنته.
يتطلب بلوغ أعلى مراتب الهداية والاستقامة مجاهدة الأمور الأربعة لتحقيق الطاعات واجتناب المعاصي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الحادي عشر -أي من بواعث الخلاص من الذنوب- أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج، قليلا قليلا، حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ همته. فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. ومعنى كلامه -رحمه الله- أن من أراد أن يتخلص من الذنوب فلابد من مجاهدة النفس والهوى والتغلب عليهما شيئا فشيئا، يعني كلما تغلب على هواه وجاهد نفسه وتدرج في ذلك، وازداد من الفوز على الهوى والنفس، فإن حينئذ تقوى همته في تحقيق أعلى مراتب الهداية وأعلى مراتب الاستقامة. وكلما شعر بلذة الطاعة ولذة العبادة ولذة الهداية ولذة الاستقامة، كلما زادت همته في الزيادة من تحصيل ذلك. وهو بهذا يعني يضعف عنده سبيل الشيطان والهوى في تسليطهما على فعل الذنوب والمعاصي. قال: والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوة التي تصدر عنها تلك الأعمال، يعني من مارس الأعمال الشاقة تكون عنده قوة يزداد قوة تعينه على ممارسة هذه الأعمال الشاقة. مثال ذلك من يعمل مثلا في حمل الأشياء الثقيلة كحمل الحصى ونحو ذلك، تزداد قوته، وحينئذ يسهل عليه القيام بهذا العمل. وإن كان ابتداء يشعر بشيء من الشدة أن هذا الشيء شديد وثقيل عليه، لكنه مع الاستمرار والمداومة يسهل عليه لما يتحصل عليه من قوة تعينه على ذلك. هكذا أيضا من ربما يعمل في البحر، ابتداء يجده صعبا ويجده يعني شيء شديد لا يتحمله، لكن مع المداومة والاستمرار يصبح عنده أمر الاصطياد أمرا سهلا لما تحصل عليه جسده من قوة تعينه على الاستمرار على هذا العمل. قال: ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصناع الشاقة تتزايد، يعني قوتهم باستمرارهم على هذا العمل. قال: بخلاف البزاز والخياط ونحوهما، البزاز الذي يبيع البز وهي الثياب، والخياط الذي يخيط الثياب ونحوهما، أي من أصحاب الأعمال الخفيفة، فهؤلاء لا يجدون من القوة ما يجده أصحاب الأعمال الشاقة ومن يحمل الأشياء الثقيلة. قال: ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين، وقوي فيه باعث الشهوة. من ترك المجاهدة بالكلية، يعني لم يجاهد نفسه، لا يبالي بنفسه، يجعل الهوى يتغلب عليه، يجعل النفس تقوده إلى شهواتها ومنذاتها، يجعل الشيطان يوسوس له ويزين له فعل الذنوب والمعاصي، وهو ينقاد كما تنقاد البهيمة لصاحبها. هذا حال من لم يجاهد نفسه، يضعف عنده الوازع الديني والباعث الديني، يقوى عنده باعث الشهوة. قال: ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد. قال: حفظه الله في التعليق: الأمر الحادي عشر: تعزيز مجاهدة دواعي الشر. قال: فإن من فضائل مجاهدة الهوى والشيطان حصول مناعة للنفس منهما، وبهذه المقاومة أيضا تضعف الرغبة في المعاصي، ويسهل عليه تركها. يعني الذي يجاهد هواه ويجاهد الشيطان، ما يجعل يعني الهوى هو الذي يقوده وهو الذي يجره إلى أوحال الشهوات، أوحال الذنوب والمعاصي. وهكذا أيضا ما ينقاد للشيطان إذا وسوس له وزين له فعل المعصية والذنب، فإنه لا يكون منقادا له ولا يكون كذلك أسيرا له، بل هو يجاهد نفسه في التغلب على هذين العدوين وهم الهوى والشيطان. وبذلك يقوى عنده باعث الدين وجانب الهدى، ويضعف الرغبة في المعاصي لأنه قد خالف هواه. وهكذا أيضا خالف الشيطان. قال: كما قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديَنهم سُبُلنا وإن الله لمع المحسنين﴾. وقوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾، فكلما زاد من الهداية كلما زاده الله سبحانه وتعالى هدى، ووفقه لسلوك الطاعة واجتناب المعصية. هذا في حق من جاهد نفسه. ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديَنهم سُبُلنا﴾، إذن لابد من مجاهدة للنفس، أي نجاهد الإنسان نفسه. النفس أمارة بالسوء، تحب الكسل والخمول والركون إلى الذنوب والمعاصي والشهوات، فلابد أن يجاهدها المرء، وإلا لا أبعدته في أوحال المعاصي والذنوب. فإذا جاهد نفسه وفقه الله جل وعلا للهداية، وكذلك أيضا نيل أعلى مراتب الاستقامة. قال: فالمسلم إذا جاهد وقاوم دواعي الشر وبواعثه، فإن الله يسر له سبل الهداية والرشاد. وهذا من أسباب نيل العبد للهداية أن يجاهد نفسه. قد يقول قائل: أنا مبتلى بفعل الذنوب والمعاصي والوقوع في الشهوات، يعني من معصية إلى معصية ومن ذنب إلى آخر، فكيف الخلاص من ذلك؟ نقول: هل جاهدت نفسك على ترك هذه الذنوب؟ هل جاهدت الهوى؟ هل جاهدت الشيطان الذي يوسوس لك ويزين لك فعل الذنب والمعصية؟ فلابد من مجاهدة إذا أردت أن تنال الهداية وأن تبلغ أعلى مراتبها، فلابد أن تجاهد نفسك في ترك هذه الذنوب والمعاصي. قال: بخلاف من استسلم لدواعي الشر، فإنه سيضعف عن مقاومتها، ويصبح أسير شهواته. إذا وقع في الذنب واستمر في فعل الذنوب والخطايا، فهو بهذا يضعف عنده الباعث الديني، وتضعف عنده الهداية، وتقوى يقوى عنده جانب الهوى، وبهذا يتغلب عليه حتى يصير أسيرا لشهواته. ما أرادته النفس من شهوة ومن معصية فهو ينقاد لها لا يتأخر، يجده سريعا في معصية الله، بطيئا في طاعة الله سبحانه وتعالى. قال ابن القيم رحمه الله: أكمل الناس هداية أعظمهم جهادا. وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، تحتاج إلى مجاهدة هذه النفس الروح التي بين جنبيك، لا بد من مجاهدة لها حتى تستقيم على أمر الله وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى. وإلا لو أعطيت نفسك كل ما أرادت كما سمعت، لأبعدتك عن الهداية والصلاح والاستقامة، وعن السعادة في الدنيا والآخرة. وهذه النفس كما قيل: كالطفل، والنفس كالطفل، إن تفطمه، إن ترضعه شب على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم. النفس كالطفل، إن ترضعه يعني تستمر في رضاعه، شب على حب الرضاع، يريد أن يرضع، ربما يكمل السنتين وهو ما زال يريد أن يرضع من ثدي أمه. لكن إذا فطمته، طبعا في الفطام سيكون فيه شيء من مجاهدة، هو سيبكي ويصيح ويريد الضرع فلا يعطى، ويجاهد في هذا حتى يفطم. فإذا فطم، خلاص بعد ذلك ما يتضرع إلى الرضاع ولا إلى الثدي. وهكذا حال هذه النفس، لابد أن تفطم، لابد أن تفطمها بماذا؟ بطاعة الله سبحانه وتعالى والبعد عن الذنوب والمعاصي. وهكذا أيضا تجاهد الهوى، يعني ميل الإنسان وما تميل إليه رغبته، هذا لابد من مجاهدة، لابد أن تجاهد هواك. كذلك أيضا مجاهدة الشيطان العدو اللدود للإنسان. ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾، هذا هو حال الشيطان، أنه يأمر بالفحشاء والمنكر. فكيف بعد ذلك تتبع الشيطان فيما يزينه لك من خطوات توقعك في معصية الله جل وعلا؟ وهكذا أيضا جهاد الدنيا والافتتان بها والاغترار بزينتها وزخارفها. وجهاد الدنيا يشمل كل ما في هذه الدنيا مما يفتتن به العبد، جهاد الدنيا بالاغترار بها والركون إليها والعمل لها وترك العمل للآخرة. جهاد الدنيا فيما يتعلق بالأموال، فيما يتعلق بالنساء، فيما يتعلق يعني بسائر شهوات هذه الحياة، فلابد كذلك من مجاهدة هذه الدنيا. قال: فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد. ذكر هذا رحمه الله في كتابه «الفوائد». يقول: من جاهد هذه الأربعة: النفس والهوى والشيطان والدنيا، من جاهد هذه الأربعة في الله -جاهدها في الله يريد رضا الله سبحانه وتعالى وبلوغ ماذا؟ القرب من الله سبحانه وتعالى- هداه الله سبل رضاه، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته. يعني يبلغ بذلك أعلى مراتب الهداية، الهداية وبه ينال رضا الله سبحانه وتعالى الذي يوفق بها يوفق بهذه الهداية من سلوك الطريق الصحيح، وكذلك حصول الهدى والبيان الذي يوصله إلى هداية التوفيق التي بها يدخل الجنة وينجو من النار. ومن ترك الجهاد -يعني جهاد هذه الأمور الأربعة- فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد. فإن كان قد ترك جهادها بالكلية، فاته الهدى بالكلية. وإن كان جهاده لها ضعيفا، كان له من الهداية الشيء الضعيف القليل على قدر جهاده لهذه الأمور الأربعة. فإذا أراد المسلم أن يبلغ أعلى المراتب: مراتب الهداية والاستقامة والصلاح، فلابد أن يجاهد هذه الأمور الأربعة، الجهاد الكامل الذي به يعني يبلغ سبل الهدى، وينال رضا الله سبحانه وتعالى، ويوفق بإذن الله جل وعلا لفعل الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات التي تكون سببا بإذن الله في دخوله الجنان ونجاته من النيران. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.