الدرس في شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الحديث الغريب هو ما يرويه راو واحد في إحدى طبقات السند، وينقسم إلى غريب مطلق وغريب نسبي. العلماء يعتبرون أن الغريب والفرد مترادفان مع تفريق في الاستعمال.
الغريب النسبي هو ما كانت الغرابة فيه في أثناء سنده، ويكون عندما ينفرد راوٍ برواية الحديث عن راوٍ آخر. من أنواعه: تفرد ثقة وتفرد راوٍ معين وتفرد أهل بلد.
اختلف العلماء في دلالة حديث الآحاد على اليقين، ورجح بعضهم أنه يفيد العلم اليقيني إذا صح سنده. أحاديث الآحاد في الصحيحين تفيد العلم عند الأقوال القوية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف -رحمه الله-: النوع الثاني من أحاديث الآحاد، النوع الثالث من أنواع الأحاديث الغريب. مر معنا الكلام على المشهور وعلى العزيز، قلنا: المشهور ما هو؟ مرواه ثلاثة فأكثر بكل طبقاته، ولم يصل إلى حد التواتر، والعزيز مرواه اثنان، مرواه اثنان ولو في طبقة من طبقات السند، أو يرويه عن اثنين في طبقة من طبقات السند. قال: الغريب لغة المنفرد أو الغريب عن أقاربه، المنفرد أو الغريب عن أقاربه يسمى غريبًا، ولهذا ما ينزل إنسان في بلد ليست بلده، يقال: فلان غريب، يقال هذا فلان غريب، يعني أنه ليس في بلده أو عند أقاربه، أو لما يراه منفردًا يقال: فلان غريب. لهذا منفرد عن الناس. قال: واصطلاحًا منفرد بروايته راو واحد، الغريب منفرد بروايته راو واحد يسمى الغريب، هنا قالوا: ما روى الواحد بالغريب ميز، أي من يزه عن غيره، وقل غريب ما روى راو فقط. قال: وهذا معنى قول الناظم: «وما روى الواحد بالغريب ميز، أي من يزه عن غيره من المشهور والعزيز». قال: شرح التعريف: الحديث الغريب الذي يرويه راو واحد ولو في طبقة من طبقاته، ولو رواه أكثر من راو في بقية طبقات السند؛ لأن العبرة للأقل، يعني أن يكون في طبقة من طبقات هذا السند راو واحد، ولو وجد أكثر من راو في بقية الطبقات، هذا يسمى غريبًا. مثلا: حديث عن النبي ﷺ لم يروه إلا أبو هريرة عن النبي ﷺ، فيسمى غريبًا؛ أنه في طبقة الصحابة ليس أحد آخر روى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة، أو يرويه جمع من الصحابة، ثم يرويه عنهم راو واحد مثلا من التابعين، فيسمى غريبًا. قال: تنبيه، يسمى العلماء الغريب باسم آخر هو الفرد، وسيذكره النظم فيما بعد، واختلف العلماء هل هو نوع آخر غير الغريب أو هو نفسه؟ يعني الغريب والفرد هل هو شيء واحد أم أنهما يختلفان؟ فذهب بعضهم إلى أنه نوع آخر مغاير للغريب، وذهب آخرون إلى أنهما مترادفان. والترادف أو الألفاظ المترادفة ما اختلف لفظها واتفق معناها، مثل: تقول أقعد واجلس، اختلف اللفظ والمعنى واحد. قال: هذه ألفاظ مترادفة، وإليه جنح الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، أي إلى أنهما شيء واحد، إلا أنه قال: إن أهل العلم غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. إذن الأصل أنهما شيء واحد، إلا أنه في الاستعمال يفرق بينهما بهذا التفريق، فالفرد أكثر ما يطلق على الفرد المطلق، يعني بحيث استعمال أهل الحديث، أهل العلم لهذه اللفظين، فيطلقون الفرد على الفرد المطلق، ويطلقون لفظ الغريب على الفرد النسبي، وسيأتي الكلام على هذين القسمين. قال: أقسام الغريب، قال: ينقسم الغريب إلى غريب مطلق وغريب نسبي. الغريب المطلق أو الفرد المطلق، تعريفه: ما كانت الغرابة في أصل سنده، أي ما تفرد بروايته شخص واحد في أصل سنده. وأصل السند هو الطرف الذي فيه الصحابي، أصل السند الطرف الذي فيه الصحابي. فيقول: ما كانت الغرابة في أصل سنده، أي ما تفرد بروايته شخص واحد في أصل سنده، فيسمى غريبًا مطلقًا أو فردًا مطلقًا، كان يتفرد الصحابي برواية عن النبي ﷺ، كما سيأتي بحديث عمر. مثال: حديث «إنما الأعمال بالنيات»، تفرد به عمر من خطاب عن النبي ﷺ، فيسمى هذا غريبًا مطلقًا، يسمى فردًا مطلقًا؛ لأن أصل التفرد وقع في ماذا؟ وقع في أصل السند، وهو ما جاءت رواية الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد يستمر التفرد إلى آخر السند، يعني يرويه الصحابي صحابي واحد، وعن الصحابي يرويه تابعي، وعن التابعي يرويه شخص آخر، كذلك تفرد بالرواية عنه، ثم يرويه فيما بعد جماعة. مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات»، هو حديث فرد، تفرد بروايته عن النبي ﷺ عمر، وعن عمر علقمة، وعن علقمة إبراهيم، وعن إبراهيم يحيى بن سعيد، وعن يحيى رواه جماعة، هو حديث فرد. قال: وقد يستمر التفرد إلى آخر السند، وقد يكون في بعض طبقاته ثم يرويه عنه جماعة. إذن لا يشترط في الفرد أن يكون في سائر طبقات السند، لا، قد يكون في بعض طبقاته، قد يكون في طبقة من طبقاته، وقد يكون في جميع طبقات السند. قال: الغريب النسبي: ما كانت الغرابة فيه في أثناء سنده. انتبهوا الآن، الغريب المطلق قلنا: ما كانت الغرابة فيه في أصل السند، من جهة بداية السند، وهو رواية الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام. أما الغريب النسبي فتكون الغرابة في أثناء السند، ليس في أصل السند، يعني من جهة الصحابي. قال: فيرويه أكثر من راو في أصل سنده، ثم ينفرد بروايته واحد عن أولئك الرواة، فتكون الغرابة هنا نسبية. واضح؟ تكون الغرابة نسبية. مثاله: حديث مالك عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، والحديث في الصحيحين، تفرد به مالك عن الزهري، تفرد به مالك عن الزهري، لكن روي من غير طريق مالك عن الزهري. واضح؟ روي من غير طريق مالك عن الزهري. أو يكون رواه عن النبي ﷺ غير أنس، يعني من الصحابة، هو في أصل السند ليس بغريب، لكن حصلت الغرابة فيما بعد في رواية مالك عن الزهري، فلم يروه عن الزهري إلا مالك، هذا غريب، لكن غرابة إيش؟ نسبية، غرابة نسبية، حصلت الغرابة في أثناء السند، ليس في أصل السند. سبب التسمية: سمي الغريب النسبي بهذا الاسم؛ لأن التفرد وقع فيه بالنسبة إلى شخص معين، بالنسبة إلى شخص معين، يعني ما روى هذا الحديث عن الزهري إلا مالك، وقد روى عن غير الزهري، قد رواه عن أنس غير الزهري مثلا، فهو ليس بغريب مطلق، وإنما الغرابة نسبية فقط بالنسبة للزهري، ما رواه عنه إلا مالك. واضح؟ فالغرابة هنا نسبية، لذا سمي بالغريب النسبي، بخلاف الغريب المطلق، فهو من أصله غريب وفرد. قال: من أنواع الغريب النسبي أولا: تفرد ثقة برواية الحديث، كقولهم: لم يروه ثقة إلا فلان. فهنا يعني تفرد هذا الثقة برواية الحديث، فهو غرابة نسبية، غرابة نسبية، يعني من أنواع الغرابة النسبية تفرد الثقة برواية الحديث. ثانيا: تفرد راو معين عن راو معين، كقولهم: تفرد به فلان عن فلان، وإن كان مرويا من وجوه أخرى عن غيره. مثل هذه رواية مالك عن الزهري، هذه رواية غريبة غرابة نسبية، لكن من غير طريق الزهري رواه جماعة، لكن عن الزهري ما رواه إلا مالك، هذه غرابة نسبية، تفرد راو معين عن راو معين. قال: ثالثا: تفرد أهل بلد أو أهل جهة، كقولهم: تفرد به أهل الشام أو أهل البصرة، كتفرد أهل الشام برواية حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا». فهذا الحديث تفرد برواية أهل الشام، فهذه تفرد نسبي، تفرد نسبي. قال: رابعا: تفرد أهل بلد أو جهة عن أهل بلد أو جهة، كقولهم: تفرد به أهل البصرة عن أهل الشام، أو تفرد به أهل الشام عن أهل الحجاز، هذا أيضا تفرد نسبي. قال: من مضاني الغريب مسند البزار، مسند البزار يعني فيه أحاديث كثيرة غريبة، وكذا أيضا المعجم الأوسط للطبراني. قال: أشهر المصنفات فيه: قراء ابن مالك للدارقطني، والأفراد كذلك للإمام الدارقطني -رحمه الله-، وكذلك الثالث: السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة، لأبي داود السجستاني -رحمه الله- صاحب السنن. قال: حكم الحديث الغريب، قد يكون صحيحا، وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا، على حسب السند، على حسب سند الحديث، على أن أهل العلم يحذرون من الغرائب؛ لأن أكثرها كذب. قال: إبراهيم كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث، وقال أبو يوسف وهو صاحب أبي حنيفة يعقوب بن إبراهيم: لا تكثر من الحديث الغريب الذي لا يجيء به الفقهاء، وآخر أمر صاحبه أن يقال له: كذاب. وقال أحمد -أي الإمام أحمد بن حنبل-: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء، يعني: غالب الأحاديث الغريبة تكون ضعيفة، التي تكون يعني يقر روايتها ولا يعرف روايتها عن الثقات المشهورين، فالغالب أنها ضعيفة، هذا الغالب، وإلا قد يكون حديث غريب وهو صحيح، كحديث عمر «إنما الأعمال بالنيات»، فهو يعني حديث صحيح في الصحيحين، ومع ذلك هو من حيث السند فهو حديث آحاد، غريب غرابة مطلقة. لكن غالب الأحاديث الغريبة أنها ضعيفة. إذن عرفنا الآن أن الحديث الغريب ما رواه راو واحد، ثم هذه الغرابة تنقسم إلى قسمين: غرابة مطلقة، وغرابة نسبية. فما كانت فيه التفرد فيه في أصل السند فهو غرابة مطلقة، وما كانت تفرد فيه في أثناء السند فهو غرابة نسبية. ثم حكم الغريب ينظر في سنده، وقد يكون صحيحا، وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا. قال السيوطي في ألفيته: «والغالب الضعف على الغريب»، الغالب في أحاديث الغريبة أنها ضعيفة. قال: ما الذي يفيده خبر الآحاد؟ يعني هل يفيد اليقين أو يفيد الظن؟ قال: في خلاف بين أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب، وهو الذي شرحه السيوطي -رحمه الله- في كتابه المشهور «تدريب الراوي في تقريب النووي». قال: وذهب بعضهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو اختيار ابن حزم، كما في كتابه «الإحكام». والقول الثالث: مختاره ابن الصلاح، أن ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أو رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره. ونقل مثله الحافظ العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الإسفرايينين، والقاضي والشيخ أبي إسحاق السيرازي من الشافعية، وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي الخطاب، ومن الزاغوني من الحنابلة، وعن أكثر أهل الكلام من الأشعرية، وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر، ونسب إلى الجمهور. والراجح ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله، من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أو في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل. إذن عندنا ثلاثة أقوال: القول الأول أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن مطلقا، يعني سواء كان في الصحيحين أو خارج الصحيحين. القول الثاني: أنه يفيد العلم اليقيني إذا صح، سواء كان في الصحيحين أو في خارج الصحيحين. القول الثالث: أن حديث الصحيحين يفيد اليقين، وغيرها يفيد الظن. والراجح كما قلنا القول الثاني، وهو أنها تفيد العلم اليقيني إذا صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنجزم بثبوت ذلك عن النبي ﷺ، ونعمل بما دلت عليه هذه الأحاديث، وهذا كما قال: لا يحصل إلا للعالم المتبحر الذي عنده معرفة بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشيخ أحمد شاكر: وأكاد أوقن أنه مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراده ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك. إذن هذه الخلاصة: أن حديث الآحاد إذا صح فإنه يفيد العلم اليقيني والعلم القطعي. ومن قال بالقول الآخر، قول الجمهور: أن الحديث الآحاد يفيد الظن إلا إذا حفته القرائن، كان يكون في الصحيحين أو تلقته الأمة بالقبول، أو يكون رواته أجلاء ثقات، فهذا يفيد العلم. وما كان دون ذلك يفيد الظن، فهذا قول جماعة كذلك من أهل العلم والحديث، بل هو قول جمهور أهل العلم. لم يكن بعيدا أو مخالفا عن الحق والهدى، أو واقع في بدعة أو نحو ذلك. لكن الذي ينتقد عليه من يقول بأن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، ولو كانت في الصحيحين، ولو كانت في الصحيحين، هذا القول فيه نظر، هذا القول فيه نظر ومجانب للصواب. فالقولان القويان: القول الثاني والثالث، وإن كان الثاني قلنا: بأنها تفيد العلم مطلقا، هو الأظهر، والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.