الخطبة بعنوان إمامة المسلمين وإمامة المصلين، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 19 محرم 1443هـ الموافق 27 أغسطس 2021م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أهمية إمامة المسلمين وفضلها، ويشير إلى أن الإمام يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمامة لها أهمية عظيمة في دين الإسلام وتأثير كبير على المجتمع.
يُبين أهمية الإمامة في الصلاة وضرورة أن يكون الإمام على دراية بأحكام الصلاة ليقوم بدور القدوة للمصلين. كما يشير إلى أن الإمام يتحمل بعض المسؤوليات التي تُخفف عن المأمومين.
ينبغي للإمام أن يكون عنده رحمة بالمصلين ويراعي حالهم ولا يطول عليهم. الإمام ينبغي أن يكون أهلاً لمسؤوليات الإمامة وأن يكون قدوة حسنة للمصلين.
يدعو الله أن يوفق الجميع لدينه وعبادته وطاعته، ويُسلط الضوء على ضرورة الإمامة وأثرها في المجتمع الإسلامي. ينبغي للمسلم أن يحرص على الإمامة إذا كان أهلاً لها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، في هذا المقام إن شاء الله تعالى نأخذ مقاما عظيما من مقامات الدين، وفضله، وكذلك بعض الآداب، وبعض الأحكام التي تترتب على هذا المقام العظيم، ألا وهو إمامة المسلمين، وإمامة المصلين. فإن الإمام، عباد الله، شأنها عظيم عند الله جل وعلا، وفي ديننا. ولهذا كان قدوة الناس في هذا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم، فإنهم قدوة الناس في هذا المقام العظيم. وكفى به من فضل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القدوة في ذلك. فالإمام يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المسلمين، وكذلك أيضا، عباد الله، هي إمامة الدين، وإمامة المتقين، كما ذكر الله عز وجل في دعاء أهل الإيمان، لما قالوا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فإن الإمامة في الدين، إمامة المصلين، هي أعظم من إمامة الدنيا. فلهذا، عباد الله، فشأنها عظيم عند الله جل وعلا. وقد جاء في حديث أبي هريرة، وسهل بن سعد، وعائشة، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن». وجاء في حديث أبي هريرة: «اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». وقال في لفظ: «اللهم أرشد الأئمة وعفو عن المؤذنين». فإن هذا الحديث، عباد الله، فيه أن الإمام ضامن على صلاة الناس، وكذلك أيضا هو ضامن على أن يحفظ لهم صلاتهم، لأنهم يقتدون به، ولأنهم يأتمون به. فلهذا جعل الله عز وجل في شرع أحكاما لهذا الباب، وجعل إمامة الناس لها أهمية عظيمة. فلهذا يأم الناس كما جاء في حديث في البخاري، في حديث عقبة بن عامر: «يأم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم سنا». فهذا الحديث أيضا يبين فضل الإمامة. وفي ذلك الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرشد الأئمة»، أي جعل لهم الرشد، وجعل لهم الهداية، وجعل لهم الصلاح، حتى يقتدي بهم الناس. فإن صلاح الأئمة صلاح للناس. فإذا كان الأئمة قدوة للناس، فإن الناس يقتدون بهؤلاء. فإذا صلح الأئمة، صلحت المجتمعات. وإن كانت إمامة الدين هي أعظم إمامة الدنيا، أي في الفضل والأجر. فلهذا، عباد الله، فإن الصحابة رضي الله عنهم لفضل هذه الإمامة، جاء في بعض الروايات في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، أنهم قالوا: «قد أمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ديننا، أفلا نأمنك في دنيانا؟». فلهذا، عباد الله، من أهمية هذه الإمامة، جاءت أشياء كثيرة في الشرع تدل على أهمية هذه الإمامة، وإقامتها، وأيضا عظمتها، وهيبتها في مساجد الله جل وعلا. ومن ذلك، عباد الله، الاختيار الذي جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفا. فإن اختيار الإمامة له أهمية عظيمة. فإنما يختار من كان له أو يختار للمقام من كانت له أهمية. فلهذا إمامة المسلمين تكون عن اختيار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة». فلهذا قال العلماء رحمهم الله: «يأم الناس أقرأهم، وأحفظهم، وأتقنهم لكتاب الله جل وعلا». ولما جاء الصحابة رضي الله عنهم إلى المدينة، إلى قبا، كان يأمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفي القوم عمر، وفي القوم كذلك عبد الرحمن بن عوف، وفي القوم من كبار الصحابة رضي الله عنهم. فكان يأمهم سالم مولى أبي حذيفة، لأنه كان أحفظهم لكتاب الله، وأقرأهم له. لكن ذلك مقترن بالعلم، عباد الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يأم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة». قال: «أعلمهم بالسنة»، أي كلاهما يعلم. فلهذا قال العلماء: إنه لابد للإمام، وإن كان أحفظ الناس، لكنه لابد أن يعرف أحكام الصلاة. لا يشترط أن يكون يعرف الفقه بمسائله كلها، أو أعظمها، أو أكثرها، إلا يكون فقيها. وإنما لابد أن يعلم ما يصلح في الصلاة، وما لا يصلح، وما يبطل الصلاة، وما لا يبطلها. وكذلك ما يحفظ على الناس صلاتهم، وما كان ليس كذلك. فإن هذه الأمور لابد أن يعلمها الإمام، يعلم ما تقيم به الصلاة، لأنه ضامن على الناس صلاتهم، يحفظ صلاتهم. فلهذا، عباد الله، فإن أهمية هذا الباب العظيم، وهو باب الإمامة، له أهمية عظيمة. ومن ذلك أيضا، من هيبة هذا المقام، وعظمته، أنه ينبغي أن يقدم الإمام في مسألة الصلاة. فالصلاة من مهام الإمام، إقامة الصلاة هي من مهام الإمام. فهو الذي يقرر الصلاة، ومتى يقيمها. وإذا حضر أقام أقامة الصلاة. فقد جاء في الصحيحين، في حديث أنس بن مالك، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فإذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني». فدل هذا الأمر، ولو أقيمت الصلاة، فإنه لا يقام حتى يره الإمام، لأجل أن يصلي بهم. ولهذا قال العلماء: إنه لا ينبغي للناس أن يصطفوا، والإمام غير موجود. لا ينبغي للمأمومين أن يصطفوا للصلاة، والإمام ليس بحاضر في المسجد، خاصة إذا كان إماما راتبا. وأما إذا رأوا الإمام، فلهم أن يصطفوا عند إقامة الصلاة، لهم أن يصطفوا عند إقامة الصلاة، أو قبل إقامتها. وأما إذا كان غير موجود، فإنهم لا يصطفوا حتى يرون الإمام، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وهو القدوة في هذا. وهذا كذلك مما يبين أيضا أهمية الإمامة في الدين، وأن إقامة الصلاة تكون بهم. وكذلك، عباد الله، فإن من ذلك أيضا، أي من هيبة الأئمة، أنهم ينبغي أن يكونوا قدوة للناس، قدوة للناس في الصلاة. فيقتدون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويطبقون سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الصحابة، منهم مالك بن الحويرث، جاءوه فجلسوا عنده تسعة عشر يوما، كما في البخاري. فلما أرادوا أن يرجعوا إلى أهليهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم لعلكم اشتقتم إلى أهليكم، فإذا رجعتم إلى أهليكم، فعلموهم الصلاة، وصلوا كما رأيتموني أصلي». وقال: «وليأمكم أكبركم». هكذا، عباد الله، هذا يبين أن الإمام ينبغي أن يكون مقتديا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك من أهمية هذا الأمر العظيم، أن الإمام يتحمل بعض الأشياء التي تكون على المأموم. مثل من أفعال وأقوال، مثل سترة للصلاة، فإن الإمام سترة للمأموم. وكذلك أيضا سجود السهو، على قول أكثر أهل العلم، أن المأموم لا يسجد للجميع، فإنه يتحمله الإمام. أي أن المأموم لا يسجد للسهو إذا كان مع إمامه. وإنما له أن يسجد إذا فارقه، أو إذا كان يصلي وحده. وأما إذا كان مع إمام، فإن الإمام يتحمل سجوده. وكذلك أيضا قراءة الإمام، يتحمل كثيرا من قراءة المأموم. وعند كثير من السلف، وهو مذهب الحنابلة، أنه كذلك يتحمل فاتحة الكتاب في الجهرية، أن يقرأها الإمام، ولا يقرأها المأموم، لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وذهب الشافعي رحمه الله، وجماعة كذلك من السلف، أن الإمام والمأموم لا بد أن يقرأ الفاتحة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا أحوط وأولى في الأقوال. فلهذا، عباد الله، فإن هذا أيضا مما يدل على أهمية هذه الإمامة. فهذا شيء مما يذكر في هذا الباب، في فضل الإمامة، وأهميتها. فنسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا مسائل ديننا التي تقربنا إليه سبحانه وتعالى. ونسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ولكم. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فكما تبين لنا أن مقام الإمامة مقام عظيم، وشرف عظيم. ولهذا ينبغي للمسلم أن يحرس على أن يكون في ذلك الموضع، إن كان هو أهلا لذلك. إن كان قد تأهل لذلك. وليس كما قلنا التأهل أن يكون فقيها من الفقهاء، أو عالما من العلماء. ليس كذلك. وإنما إذا حفظ القرآن، وأتقنه، وكذلك علم من السنة ما يقيم به صلاته، فإن هذا يكفي. وقد كان كما قلنا سالم مولى أبي حذيفة يأم كبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. ولهذا، عباد الله، فإن من كان أهلا لها، فله أن يطلبها. ليس كإمامة الدنيا، لأن تلك يدخل فيها أمر الدنيا. فلهذا منع الشرع من طلبها. كما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة في البخاري، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها وكلت إليها، وإن أعطيتها أعنت عليها». وكذلك قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، في حديث أبي موسى: «إنا لا نعطيها من طلبها، ولا من حرص عليها». هذا إمامة الدنيا. وأما إمامة الدين، فمن كان أهلا لها، فلو طلبها، ليس في ذلك شيء. فقد جاء في سنن أبي داود، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، أنه قال: «يا رسول الله، اجعلني إمام قومي». قال: «أنت إمامهم، واقتدي بأضعفهم». لما كان أهلا لتلك الإمامة، جعله النبي عليه الصلاة والسلام إمام آل ثقيف، أهل الطائف، جعله إمامهم رضي الله عنهم، لأنه أهلا لذلك، مع أنه طلبها. فلهذا، عباد الله، فليس من المحظور، وليس أيضا مما يكون فيه شيء من الذنب، أن يطلب الإنسان إمامة المسلمين، إذا كان أهلا لها. بل يؤجر عليها. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الإمامة، فهل يفرط فيها الشخص، أو هل يرغب عنها؟ أم أنه يصلي بهم؟ قال: «بل يصلي بهم، وله الأجر في ذلك». فلهذا، عباد الله، فإن هذه الإمامة لها أهمية عظيمة، وينبغي للمسلم إن كان أهلا، فإنه يحرص على ذلك، لأنها شرف عظيم، ويحظى بعد ذلك بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «وأرشد الأئمة»، أي أن الله يدعو الله عز وجل أن يجعل الأئمة لهم الرشد، ولهم الهداية. فهذا فضل عظيم، عباد الله، أن يحظى العبد بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. كما فسر بذلك في أحد الوجهين. فلهذا، عباد الله، أيضا من أهمية هذه الإمامة، أن جعل النبي عليه الصلاة والسلام يلي الإمامة أهل الفضل والعلم. هم الذين يلون الإمامة، حتى إذا أخطأ قوموه، وصوبوه. وإذا أيضا نسي شيئا، فتحوا عليه. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». وجاء في حديث أيضا عبد الله بن مسعود، في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ولا تختلفوا، وإياكم وهيشات الأسواق». فهذه، عباد الله، ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن من يلي الإمام هم أولو الأحلام والنهى. والمراد أولو الأحلام والنهى، أي الكبار، أهل الفضل، وأهل أيضا المنعة، وأهل العلم، هم أحق بذلك، لأنهم هم المقدمة في أهل النهى. فأهل النهى هم أهل العقول الصحيحة، والسليمة، والأذكياء، وغيرهم من هؤلاء الذين يعرفون الصلاة، وهم أولى بذلك. وأهل العلم، كما قلنا، هم أهل الحلم. ولهذا جاء في حديث أبي بن كعب، أنه قال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام عهد إلينا أن نكون عنده، أو قال: أن نليه». فلهذا، عباد الله، فأولى الناس عند الإمام هم أولو العلم، وأولو النهى، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك، عباد الله، فإن الإمام أيضا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أم الناس، فإن من ورائه الكبير، والمريض، وذي الحاجة. فليخفف». قال: «من أم الناس، فليخفف، فإن من ورائه الكبير، والمريض، وذي الحاجة». هكذا، عباد الله، يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإمام ينبغي أن يراعي حال الناس، ولا ينبغي أن يطول عليهم، حتى يشق عليهم. وكذلك، عباد الله، كما تقدم معنا في حديث عثمان بن عاص، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «واقتدي بأضعفهم». والمراد واقتدي بأضعفهم، أي يجعل الضعيف منهم هو القدوة لك. وليس القدوة أنك تقتدي به، أي يجعله أمام عينيك، وراعي أول من تراعي من هو أضعف الناس، سواء كان الشيخ الكبير، أو المريض، أو غيرهم من هؤلاء ممن يقتدى بهم. وكذلك ينبغي للإمام أن يكون عنده رحمة بالمصلين، وشفقة بالمصلين. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، كان عليه الصلاة والسلام إذا سمع بكاء صبي، فإنه يخفف في الصلاة. إذا سمع بكاء صبي، يخفف الصلاة، يفرغ لأمه عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقول الإمام: قدوة في تعليم الناس، وأيضا الحرص عليهم. فإن من أولى الناس دخولا في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾. هم أئمة الناس في الصلاة، هم أولى الناس بهذا. فهم داخلون، ولو لم يتكلموا، لأنهم يسمعون الناس كتاب الله جل وعلا، ويذكرون الناس بكتاب الله جل وعلا. وإن كانوا يعلمون الناس، فهذا فضل عظيم فوق ذلك الفضل. إن كانوا يعلمون الناس دينهم، ويرشدونهم، وينصحونهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فهذا لا شك فضل عظيم فوق ذلك الفضل، وهو الإمامة. فلهذا، عباد الله، نأخذ من هذه الأمور أن هذه الإمامة لها فضل عند الله جل وعلا. وإن كان هذا الموضوع له أيضا أدلة كثيرة، ومسائل كثيرة، لكن المقام لا يتسع لهذا. وإنما ذكرنا إشارات في أهمية هذا الموضوع، لأن كثيرا من طلبة العلم، ومن غيرهم، يعزفون عن إمامة الناس، مع أنه كما قلنا له أهمية بمكان. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لدينه، وأن يوفقنا لعبادته، وطاعته سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.