قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 5

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ وسبب نزولها

الآية تنهى عن مناداة النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات وتدل على خفة عقل فاعليها، وقد نزلت في وفد بني تميم الذين نادوا النبي عليه الصلاة والسلام من وراء بيته.

آداب التعامل مع الرسول صلى الله عليه وسلم

يجب مراعاة آداب معينة عند التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم مثل الاستئذان قبل الدخول وعدم المناداة باسمه، وهذه الآداب عامة لجميع المسلمين.

أهمية الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وكبار الناس والعلماء

الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع كبار الناس والعلماء جزء من الأخلاق الحسنة التي أمر الله بها عباده، ويستدل على ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية.

حدود العقل وضرورة اتباع الكتاب والسنة

العقل له حدود يجب إدراكها، فلا ينبغي أن يحكم على الكتاب والسنة، بل يجب اتباعهما لأن الغيب لا تدركه العقول والإسلام جاء بما يوافق العقول السليمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا اليوم آية، ونذكر الفوائد فيها، وما ذكره العلماء في هذه الآية من التفسير. فهذه الآية هي الآية الرابعة من سورة الحجرات، وهي قوله جل وعلا: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾. فهذه الآية يذكر ربنا جل وعلا أدبا آخر من الأداب التي ينبغي لأهل الإسلام في ذلك الوقت، في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن يتأدبوا معه، صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا قلنا إن الله عز وجل أدب عباده بهذا الأدب العظيم، وهو أنهم إذا أرادوا أن ينادوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا ينادوه وهو في بيته. تقدم أن الله عز وجل أدب عباده ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا لا يجهر له بالقول، وينادوه باسمه. وأيضا كذلك ينبغي عليهم أن يخفضوا أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك هنا أيضا لا ينبغي أن يرفعوا أصواتهم بمناداته وهو في بيته، في الحجرات. ولا شك أن هذا لا يحصل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن نهاهم الله عز وجل، لكن قد يحصل من الغرباء، من العرب. ولهذا لما نهى الله عز وجل عباده المؤمنين عن رفع أصواتهم على رسول الله، كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس امتثالا. فكانوا يخفضون أصواتهم كما تقدم معنا في قضية أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة. حتى أن عروة بن مسعود الثقفي لما وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، لما جاء يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: لقد وردت على الملوك والسلاطين، فلم أر أحدا يعظم أحدا كتعظيم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم محمدا. ثم ذكر صفاتهم، ومن ذلك قال: وما كان إذا تكلم، أو إذا كلمه أحد منهم، خفض صوته. وما كانوا يحدون إليه النظر، هيبة له. وما كانوا يحدون أن ينظرون إليه، هيبة له صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا لما جاء العرابي في الصحيحين، في حديث أنس، لما جاء العرابي وقال ورفع صوته: يا محمد. قال له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قد نهيت عن رفع الصوت. ونقول لهذا: اخفض صوتك، فقد نهيت عن رفع الصوت. يقولون للعرابي: لكن العرابي ما يفهم. فقال: فنادى يا محمد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هاء، ما أنا أو هاء ما ذا. فتجد أن العرابي يحصل منه هذا العيب، أو الغرباء. فلهذا هذه الآية، الله عز وجل بين أن هذا الفعل ليس من الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا يدل على خفة عقل من يفعل هذا الفعل. قال: ﴿أكثرهم لا يعقلون﴾. ولم يقل النبي ربنا جل وعلا: كلهم، كما سيأتي في الفوائد. فلهذا أدب الله عز وجل عباده بهذا الأدب العظيم. ونأخذ سبب نزول هذه الآية حتى يتضح تفسيرها، لأن سبب النزول يوضح التفسير. وصحيح أن تفسير هذه الآية هو في المناداة، وكذلك إذا كان أيضا في حجرته، لا ينبغي أن يفعل هذا. وجاء في سبب نزول هذا ما يخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس. إلا أن بعض العلماء يقول. سلمة لم يسمع من الأقرع. فذكر. لكن جاء من طريقه بإسناد صحيح عن البراء بن عازب، مثل هذه القصة. فالقصة صحيحة، وهو أن وفد بني تميم، قبيلة من قبائل العرب العريقة والعظيمة. ومن عظيم هذه القبيلة، تجد أن اسمها إلى الآن: بنو تميم، إلى الآن، وهم يسمون بهذا. وبعضهم أيضا لهم أفخاذ، فقبائل، مثلا بنو ظنة، وهي قبائل كثيرة في حضرموت، وفي غيره، تتبع هذه القبيلة الكبيرة من قبائل العرب، وهم بنو تميم. وكانوا في نجد، كانوا في ذلك الزمان بين نجد والجنوب. نحن جنوب المملكة الآن، في هذه الأماكن. وهي قبيلة كما قلنا عريقة، ومنها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وهذه القبيلة كثرتها عز للإسلام، وأيضا مجابها للفتن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن أشد الناس على الدجال هم بنو تميم. فلهذا فوجود وكثرة وجود هذه القبيلة هي عز للإسلام بإذن الله جل وعلا. فجاء هذا الوفد من بني تميم. وغالبا أهل نجد كانت فيهم جلافة وغلظة. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء وقت الظهيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام في بيته، في القيلولة. والقيلولة هذه غالبا تكون قبل الظهر، ومنهم من يقول أنها بعد الظهر. لكن المعروف عند العرب أن القيلولة تكون قبل أذان الظهر. والقيلولة المراد بها الراحة في نصف النهار، يرتاح الإنسان، سواء كان ينام أو أنه يرتاح فقط. وقد ذكر العلماء للقيلولة فوائد كثيرة، ليس هذا بابها. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في القيلولة. فنادوا، فنادى الأقرع بن حابس: يا محمد، يا محمد. وكان يقول: يا محمد، أخرج، فإن حمدي زين، وذمي شيء. أنا سأثني عليك، سأرفعك عند العرب. وإذا لم أثن عليك، وأيضا ذممتك، فإني سأضعك. معنى هذا: معنى إن حمدي زين، وذمي شيء. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: ذاك الله، ليس هناك أحد حمده زين يرفع العبد، ولا أيضا ذمه شيء يخفض العبد، إلا الله عز وجل. فهو الرافع الخافض سبحانه وتعالى. فهو إذا أثنى على أحد أكرمه ورفعه. والرفعة من الله سبحانه وتعالى. وكذلك الضع والذلة من الله سبحانه وتعالى. فهو يبليك هذا الأمر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ذاك الله. وقد جاء في وفد تميم جماعة من بني تميم، كما ذكر ابن سحاق في الوفود، في سنة التاسعة. وذكر منهم الأقرع بن حابس، وعين بن حصن، والزبرقان بن بدر، والقعقاع بن معبد، وغيرهم من بني تميم. فقالوا هؤلاء بنو تميم للنبي عليه الصلاة والسلام: يا محمد، إننا نريد أن نفاخر، نريد أن نفخر بك. فقال: أما أنا فلا، فلا أحتاج إلى هذا. لكن آتوا. قالوا: عندنا خطيب، وعندنا شاعر، وعندنا كذا. نثني عليكم، وعلى قبيلتنا. نفاخركم. كانت هذه عند العرب قبل الإسلام. كان العرب يتفاخرون، كل واحد يثني على قبيلته. وهذا ظل أيضا في بعض قبائل الإسلام، وبعض من تأثر بالجاهلية. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في صحيح مسلم، في الحديث: «اثنتان من أمتي هما بهم، أو قال: اثنتان من أمتي من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب». وجاء في لفظ: هما بهم كفر. وجاء في الحديث الآخر: «أربع من أمر الجاهلية»، وذكر منها: الفخر بالأحساب. فكان هذا من أمر الجاهلية، التفاخرون بأحسابهم، وأنهم فعلوا وفعلوا، وتفاخرون بأبائهم. لكن الإسلام نهى عن ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هاتوا. فقال زبرقان بن بدر لفتى منهم: قم ففاخر قبيلتك. فقاموا وخطب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس: قم يا ثابت واخطب. فخطب ثابت خطبة بليغة عظيمة. ثم إنه قالوا لشاعرهم: اشعر وافتخر. فقام شعرهم يفتخر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لحسان: قم وشعرهم. فشعر حسان رضي الله عنه. فقال الأقرع بن حابس: ما أدري ما هذا الرجل، خطيبهم أفضل من خطيبنا، وشاعرهم أفضل من شاعرنا. إلى آخر القصة. فهذه القصة التي جاءت تبين سبب نزول هذه الآية، أن الله عز وجل أنزلها في بني تميم، وهي عامة لكل الناس. وهناك قاعدة عند العلماء في التفسير، يقولون: إن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ولو كانت مثلا هذه الآية نزلت في بني تميم، فهي عامة للناس، عامة لكل أهل الإسلام، أنهم يتأدبوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه القصة التي حصلت، والتي نزلت بسببه هذه الآية، تدل على أن المراد من النهي هو المناداة، وكذلك في الحجرات. فليس من الأدب الذي أدب الله عز وجل به عباده، أن يأتوا إلى حجرات النبي صلى الله عليه وسلم وينادوه. بل لما جاء الأقرع بن حابس، كما جاء في الصحيحين، في حديث عائشة، لما جاء الأقرع بن حابس وقال: يا محمد. أدخل أو قال: أدخل. فقال لرجل من عنده، من الفتيان: قال له: اذهب وعلمه الاستئذان. قال له: اذهب وعلمه الاستئذان. قل له: السلام عليكم، أدخل. فهذا استئذان في البيوت. فعن الإنسان إذا دق الباب، يقول: السلام عليكم. إن كان يريد أن يدخل، يقول: أدخل، إذا كان الباب مفتوحا. وإن كان ليس مغلقا، فينتظر فتحه. وإن لم يفتح، فيرجع. كما قال الله عز وجل في الأداب التي ذكرها في سورة النور. فلهذا أدب الله عز وجل عباده بهذا. فمن فوائد هذه الآية التي ذكرها العلماء: أولا، التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عدم مناداته باسمه، وكذلك مناداته من وراء الحجرات. والمراد بالحجرات: حجرات نسائه، الغرف التي كان يسكنها نساء النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا من فوائد هذه الآية: أن من لم يتأدب، ففيه نقص في عقله. هذا عدم الأدب يدل على عدم العقل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾. أكثرهم لا يعقلون. فعدم تأدبهم بسبب أنهم عندهم قلة، معنى عقولهم قليلة الفهم. وكلما كان الإنسان بعيدا من الأدب، كان قليل العقل. وكلما كان متأدبا، كان أكثر عقلا وفهما. فلهذا قال هنا النبي ربنا جل وعلا: ﴿أكثرهم لا يعقلون﴾. وأيضا من فوائد هذه الآية، قال العلماء: فيه إنصاف الله عز وجل لعباده. فلم يقل: كلهم لا يعقلون. وإنما قال: أكثرهم لا يعقلون. مع أنهم اشتركوا في الفعل، أو تواطؤوا على الفعل. لكن الله عز وجل يعلم أن فيهم من هو على عقل وفير، وأدب. فلهذا قال: أكثرهم لا يعقلون. وأيضا كذلك من هذا الباب: أنه قد يفعل العاقل اللبيب الفهم، قد يفعل شيئا، إما لعدم علمه أنه يخل بالأداب، أو لأجل أنه خطأ وزلل يحصل منه. لكن غالبا العاقل يرجع، وأيضا يعتذر، إن كان إساءة لأحد. هذا العاقل. فلهذا فمن العقل الذي ذكره الله عز وجل هنا، قال: ﴿أكثرهم لا يعقلون﴾، أي: أن هناك منهم من هو يعقل. وأيضا إنصاف الله عز وجل لهم. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على شيء من هذا الباب. وأيضا كذلك في هذه الآية: أن المسلم، بل الإنسان العاقل، ينبغي أن يراعي خصوصيات الناس. ينبغي أن يراعي خصوصيات الناس. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في وقت القيلولة، قد يكون مع أهله، قد يكون منشغلا بشيء. فلهذا ينبغي للمسلم أن يراعي خصوصيات الناس. فلو مثلا لم يفتح له، أنا جاء إلى صديق، ودققت الباب، ولم يفتح لي. لا ينبغي أن للصديق هذا في نفسه شيء عليه، أو مثلا لا يريده، أو كذا. بل قد يكون هناك عذر له، هو الذي لم يجعله يفتح له. ولهذا فمراعاة خصوصيات الناس له أثر في الأخلاق الحسنة، وأيضا الأدب. وأيضا كذلك مما ذكره العلماء من فوائد هذه الآية: أن أمير الناس، وكذلك العالم، كذلك القاضي، وغيرهم، قد يحتجب عن الناس في بعض الأوقات. معناه: إذا كان مثلا مثل الأمير، أو الدولة، وكذلك أيضا صاحب القضاء، أو العالم، لو فتح وفتح وفتح بابه للناس في كل وقت، لما جعلوا له أوقاتا ينتبه لأهله، لما جعلوا له أوقاتا ينتبه لعياله. سيضيع أولاده بسبب أن وقته كله مع الناس. سيفرط في حق أهله، سيفرط أيضا في حقوق كثيرة، من حق والديه، ومن صلة أرحامه، وغيرها من هذه الأمور التي يحتاجها الشخص. فلهذا فلا شك أنه قد يحتجب عن الناس في بعض الأوقات. وهذا ليس فيه شيء، وليس أيضا مخلا بشيء من مراعاة الناس، أو معناه في مسؤولية الرعاية لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان لا يحتجب عن أحد، غالبا. بل لما جاءت المرأة تلك في حديث أنس في الصحيحين، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجد المرأة مات ابنها، وهي تبكي في القبر. فقال عليها الصلاة والسلام: يا أمة الله، اتقي الله، واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب مصيبتي. قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إليك عني، فإنك لم تصب مصيبتي. فلما قالوا: إن هذا رسول الله. فأخذت ثيابها وذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلم تجد عنده بوابين. فلم تجد عنده بوابين. فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك. أنا ما أعرفت أنك رسول الله. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» عليه الصلاة والسلام. فلهذا فالإنسان أحيانا قد يحتجب. وإلا النبي عليه الصلاة والسلام أكثر وقته لا يحتج. بل النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض الصحابة: «إذنك أن ترى سوادي». قال لعبد الله بن مسعود، وكان حريصا على العلم. فقال له: «إذنك أن ترى سوادي، إذا رأيت سوادي، فادخل». معنى: إذا رأيت السواد، الذي يكون من رؤية الشخص، إذا عنده ظلمة في بيته، وكذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «إذا رأيت سوادي». فهذا إذن لك. وهذا لحرص النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يحتجب عن أصحابه. فلهذا، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان لا يحتجب أبدا. بل لابد أن يحتجب لمراعاة الحقوق الأخرى، لمراعاة الحقوق الأخرى. وأيضا كذلك أحيانا إنسان يحتجب، أو خاصة للخليفة، أو الأمير، أو القاضي، أو حتى العالم، أحيانا لأجل الخوف. لأجل الخوف أن يكون مستهدفا من أناس. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، لما كان في تبوك، رأى أنه في خوف. فقال: «يرحم الله رجلا يحرسنا هذه الليلة». النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله عز وجل أن يهيئ رجلا من أهل الخير، ومن الصحابة، أن يحرسه. قال: فجاء سعد، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. فقال: من هذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم رأى السلاح، أو سمع صوت السلاح. فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد، يا رسول الله. قال: الحمد لله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله. فقد يحتاج الإنسان إلى حراس في بعض الأوقات، وحجاب في بعض الأوقات، كذلك. حتى لا يدخل كل أحد، وفي كل وقت. فليس الأمر على إطلاقه. فهذا كما قلنا من الفوائد التي ذكرها العلماء في هذا الباب، أو في هذه الآية. فلهذا فأول ما يذكر: أن من أعظم فوائد هذه الآية هو التأدب، وأيضا حسن الأخلاق. فالله عز وجل أدب عباده في هذه الآيات، أدبه معه سبحانه وتعالى، ومع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وسيأتي أيضا أداب مع بعضهم البعض. وقال العلماء: إن هذا الأدب ليس فقط مع النبي عليه الصلاة والسلام، بل مع كبار الناس أيضا، من الخلفاء والأمراء، ونوابهم، والقضاء، والعلماء. ولهذا ابن عباس رضي الله عنه كان يجلس عند باب زيد بن ثابت، حتى أن الريح تأتي وتسفي في وقت الظهيرة. ما كان يأتي ويجلس ويطول عند بابه، زيد بن ثابت، حتى يخرج. فخرج زيد فوجد ابن عباس مطلولا عند بابه. فقال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا آذنتني حتى أخرج إليك؟ فقال: والله ما كان لابن عباس أن يفعل ذلك. وهذا الأدب مع العلماء. كان كما قال ابن عباس: كنت آتي الرجل إلى بيته، لكن لا أطرق بابه حتى يخرج. وهذا في العرف الذي ذكره الدارمي رحمه الله. لما جاء لما رأى أبو موسى الأشعري حلقا في المسجد، وعليهم وكل حلقة فيهم واحد، يقول: كبروا الله مئة، فيكبرون معهم بالحصى. سبحوا الله مئة، فيسبحون معهم، يسبحون بالحصى. فجاء إلى بيت عبد الله بن مسعود، ووجد أصحابه قياما عند الباب. فقال: لم يخرج أبو عبد الرحمن؟ قالوا: لا، بعد. حتى خرج. فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت شيئا في المسجد، أنكرته. وذكر هذا العرف. فشهدنا أن الصحابة، ومن بعدهم من العلماء، كانوا لا يؤذون العلماء بضرب أبوابهم، وكذلك أيضا بمناداتهم من الغرف، وكذا. وإنما كانوا يجلسون حتى يخرج. كانوا يجلسون حتى يخرج. لهذا قال الله عز وجل في هذا الأدب: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾. أنا بدل أن يشوشوا عليه، ويزعجوه في وقت لا ينبغي أن يزعج فيه، خاصة مثل رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا فالأدب يحتاجه كل مسلم. وربنا جل وعلا قد وصف نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالخلق العظيم. ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. وفي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي: حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فلهذا فالأخلاق العظيمة هي من الأدب الذي يكون مع العبد، من الأدب. ومن العقل الوفير الذي يكون عند الإنسان، عندما يتخلق بالأخلاق الحسنة العظيمة. وهذه الأخلاق الحسنة هي ميزان المعاملة مع الناس. وقد فسر العلماء الأخلاق الحسنة، والأداب، بأنها: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وجملة ذلك: أن الأدب هو أنك تعطي الناس الخير، من الأخلاق الحسنة. وكذلك لا تؤذيهم، لا تؤذيهم. لكن هذا الأمر لابد أن يقيد بأمور الإسلام، وبالأشياء التي ذكرها الله عز وجل. ولهذا قال الحسن: والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ولهذا ذكر بعض العلماء أن الأخلاق الحسنة لها خمسة أركان. لها خمسة أركان. أولا: العلم. العلم بأن هذا خير، وآداب، حتى يعرف الأداب التي كيف يتأدب معها. يكون عنده علم، ومعرفة، وفهم. وهذا هو العقل الذي ذكره الله عز وجل. وأيضا كذلك الأمر الثاني: الصبر. يحتاج إلى صبر في الأخلاق. وأصل الخلق هو الصبر. والأمر الثاني هو الشكر، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. وكذلك الجود، الجود والعطاء بما عنده. فالجود، والسخاء، وغيرها، هذه هو ركن الأخلاق، أو ركن من أركان الأخلاق. أن يكون عنده بذل. فالبخيل، وكذلك الجبان، لا يكون من أهل الأخلاق الحسنة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسه في حديث كثيرة، خاصة البخل. «يبخلون، ولست بباخل». ولما جاء من حنين، رجع من حنين، تكالب عليه العرب، حتى ألجأوه إلى شجرة، أو سمرة، حتى أخذت رداءه. يعني: تعلق رداؤه في هذه العضاة، أو هذه السمرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ردوا، أيها الناس، ردوا علي ردائي». «فوالذي نفسي بيده، ما يكون معي من شيء إلا أعطيتكم إياه». «ما عندي شيء إلا وسأعطيكم إياه». «ثم لا تجدوني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذابا». «ثم لا تجدوني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذابا». فكان تخلق النبي عليه الصلاة والسلام عظيما. فلهذا أيضا كان البخل من أدوى الأدواء. ولهذا لما جاء عنده ناس من الأعراب، أو من القبائل، فقالوا: من تؤمرون؟ قالوا: نؤمر الجد بن قيس، أو الجد العشج بن قيس، على أننا نبخله. قال: «وأي داء أدوى من البخل؟». «وأي داء أدوى من البخل؟». فلهذا فالبخل داء عظيم، ليس من أخلاق الكرم. بل من الأخلاق: البذل، والجود. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس. وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل. وأيضا العرق الرابع من الأركان، يقولون: طيب العود. طيب العود، وهو أصل أخلاق الإنسان. وأيضا دماثة أخلاقه، معنى: يكون عنده لين، سهل. ما يكون مثلا صعبا، عنيفا، غليظا. معنى: يلاحظ كل شيء. لا، بل عنده سهولة، وليونة. وكذلك أيضا عنده استجابة، وخاصة للخير، استجابة للخير. فهذا أيضا من ركن الأخلاق. والركن العام الذي يجمع هذه الأشياء أيضا: صحة الإسلام. صحة الإسلام. لا بد أن يكون هذا الشخص مسلما. وأيضا متخلقا بأخلاق الإسلام. وإلا فلو جمع أخلاقا كثيرة من الحياة، ومن غيره، وهو ليس بمسلم، فليست عنده أخلاق صحيحة. فليست عنده أخلاق صحيحة. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يقول على الكفار: أن عندهم أخلاق حسنة، وعندهم كذا. قد يكون بعضها صحيحا. لكن أن يثنى عليهم بإطلاق الأخلاق، فهذا خطأ. ليس عندهم إسلام. وهذا يدل على أن أخلاقهم ليست مقيدة بالإسلام، ليست مقيدة بالإسلام. ولهذا تجد عندهم غلظة، مثلا، بعض الأخلاق في التعاملات، أو عندهم جفاء. ليس بمثل ما جاء به الإسلام من مراعاة الأخلاق، مراعاة الناس فيها، كذلك. فلهذا فهذه الأخلاق هي التي أدب الله عز وجل بها عباده. وذكر سبحانه وتعالى أن الذي ليس عنده أدب، ليس عنده عقل. معنى: العقل ينقص عند من يكون ليس عنده أخلاق حسنة، وآداب. لأن هذا العقل كما قال الله عز وجل: ﴿أم لهم قلوب لا يفقهون بها﴾. فالعقل: فهمه في قلبه، في القلب. العقل المراد به في القلب، وهو الفهم. وقال بعض العلماء: إن العقل فهمه في القلب، وذكاؤه في العقل، أو في الرأس، وفي الدماغ. لكن فهمه يكون في القلب. فلهذا أهم شيء في هذا العقل: أنه يكون عنده فهم، عنده فقه. يفقه بقلبه الأمور. فلهذا من أوتي ذكاء ولم يطهره الله عز وجل، ولم أيضا يفهم الإسلام، فهذا لا ينفعه هذا العقل، بل يضره. وكذلك أيضا من عنده عقل ولم يزكى، أيضا كذلك. أو عنده علم، أيضا كذلك، ولم يفهم. فكذلك أيضا لا ينفعه هذا العلم. ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يقول على أهل الكلام، والفلاسفة: قال: «أوتوا علوما، ولم يؤتوا فهما». لم يتفهموا القرآن، والسنة. لكن عندهم علوم من علوم الدنيا كثيرة. قال: «وأوتوا ذكاء، ولم يؤتوا ذكاء». عندهم ذكاء خارق. لكنهم لم تذكى أنفسهم، لم تذكى قلوبهم. فلهذا لم تنفعهم هذه العقول. فلهذا يا عباد الله، مسألة العقل هذه يجب أن تضبط. الواجب على المسلم: أنه يستسلم لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: للآيات، والأحاديث. هو مسلم، يستسلم كله، قلبه، وعقله، وجوارحه، تستسلم لله عز وجل. لا ينبغي للمسلم أن يجعل عقله حكما على الكتاب، والسنة. لا يجعل عقله حكما على الكتاب، والسنة. وأيضا المصيبة العظيمة: أن بعض الناس يقول: أنا لا أؤمن إلا بشيء حسي. مثل ما كان يقوله الشيوعيون، الاشتراكيون. يقولون: نحن لا إله، والحياة مادة. لا بد ما نؤمن إلا بشيء معقول. يقول: نعم. والله عز وجل في أول سورة البقرة ذكر أن أهل الإيمان يؤمنون بالغيب. فالغيب لا تدركه العقول. الغيب لا تدركه العقول. فإذا أقحم الإنسان عقله في أمور الغيب، فإنه سيفلس، وأيضا سيضل. وإذا كان أراد أن يحكم عقله في الغيبيات، فهذا شيء غيبه الله عز وجل عن الناس. وكذلك لا يستطيعون أن يدركوه بعقولهم، من صفات الله عز وجل، ومن نعيم الجنة، ومما يحصل في النار، وغيرها من هذه الأمور. لا يستطيع الإنسان أن يدركها بعقله. وأما الأشياء التي يستطيع الإنسان أن يدركها بعقله، فالإسلام جاء بما يوافق العقول. الإسلام جاء بما يوافق العقول. ولهذا لا يتعارض العقل السليم، والشرع الصحيح. فكلما صح في شرع الله عز وجل، فهو لا يعارض العقل، لا يعارض العقل. ومن رأى أن عقله يعارض ما جاء في شرع الله عز وجل، فليتهم عقله. فليتهم عقله. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الفتن، تعرض الفتن على القلوب، كعرض الحصير، عودا عودا. قال في آخر الحديث: قال: «حتى يكون أسود كالمرباد، كالكوز مجخية، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه». وعنى: كل شيء بعقله فقط، يقيس الأشياء بعقله. فهذا خطأ. العقل له حدود. العقل له حدود. الله عز وجل كرم الله عز وجل الإنسان بهذا العقل. لكن العقل له حدود، لابد أن يحدها العقل. فلهذا فالعقل هو الذي يتبع الكتاب، والسنة، ويتخلق بأخلاق الإسلام. فهذا المغزى من هذا الباب. ولعل أطلت. فإن شاء الله تعالى أكتفي بهذا. وصلى الله على محمد، وعلى آله وسلم.