الدرس في شرح كتاب التوحيد 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبرز أهمية علم التوحيد كأساس للعلوم وأول ما يُدعى إليه في الإسلام، ويُشدد على ضرورة تعلمه لتحقيق الإيمان الصحيح وقبول الأعمال. التوحيد هو مفتاح الدخول في الإسلام واستمراره حتى الممات.
التوحيد هو الأساس لصحة الأعمال وقوتها، ويمنح المسلم الأمن والأمان وراحة البال. نبينا صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته بالتوحيد، وأقام الصحابة على هذا الأساس إيمانهم وتقواهم.
يؤكد على أهمية تعلم التوحيد والعقيدة في مواجهة حملات التغريب التي تستهدف عقيدة المسلمين. يشدد على ضرورة العناية بتوحيد الله والتعلم المستمر له لما له من فضائل ومناقب.
يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر الختام توجيهًا دينيًا وتأكيدًا على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، ففي مثل هذه الأوقات بإذن الله سنقرأ وإياكم في رسالة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهي الموسومة بكتاب التوحيد. وهذه الرسالة من اسمها وعنوانها يعرف من خلالها أنها تعتني بعلم التوحيد، بذكر مسائله وتفاصيله وما يتعلق به. وإن علم التوحيد، إخواني في الله، من العلوم المهمة والتي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة. وكيف لا، فهي أس العلوم وأساسها. فعلم التوحيد هو العلم الذي أمر الله جل وعلا بتعلمه وبتفهمه، قال سبحانه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. فربنا سبحانه وتعالى، كما أنه أمر بالتلفظ بهذه الكلمة والنطق بها وبقولها، فإنه سبحانه وتعالى أمر بتعلمها. عليك أن تعلم، يا عبد الله، ما يتعلق بهذه الكلمة وما تحتويه من مسائل. وإن من فضائل تعلم علم التوحيد، يا عبد الله، ومما يدل على أهمية هذا العلم، أن التوحيد هو أول ما يؤمر به العباد. لا يمكن لأحد منا، كائنا من كان، أن يدخل في الإسلام إلا إذا نطق بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله». ولهذا عندما بعث نبينا معاذا إلى اليمن، قال: «إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله». التوحيد هو الأس والأساس. التوحيد، يا عبد الله، كما أنه مما يدخل به العبد في هذا الدين، كذلك مما ينبغي أن تخرج به من هذه الدنيا أن تخرج بهذه الكلمة. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». عظم لهذه الكلمة، يا عبد الله، لو أنك استطعت أن تنطق بها عندما تموت لنفعتك. «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». التوحيد، يا عبد الله، هو الذي به ابتدأ الأنبياء من الرسل في دعوة أقوامهم. ما من نبي، أول ما يطرق في دعوته في دعاء قومه إلى توحيد الله. قال: «يا قوم أعبدوا الله، ما لكم من إله غيره». اتفقت الرسائل والكتب والشرائع على البداءة بالتوحيد. التوحيد، يا عبد الله، الذي هو المعيار والمقياس في صحة الأعمال والأقوال والأحوال، إذ أنه من عدم التوحيد ينعدم كل شيء. كما قال ربنا: ﴿ولئن أشركت ليحبطن عملك﴾، وقال سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. كل ما تعمله من طاعات، من عبادات، من نوافل، من قربات، كلها يجعلها ربي جل وعلا هباء منثورًا. وقدمنا إلى ما عمل من عمل فجعلناه هباء منثورًا. لماذا؟ لأنه خال عن توحيد الله. لا يقيم الله جل وعلا لأي عمل وزنا إذ لم يكن قائمًا على التوحيد. فهو الأس والأساس في صحة الأعمال. وأيضا التوحيد، يا عبد الله، هو الأس والأساس في قوة الأعمال. إذا أراد المسلم أن تكون له علاقة قوية بعبادته وطاعاته، فلينظر إلى توحيده. فعلى مقدار توحيدك بالله، يا عبد الله، تكون منزلته. ومن هنا نبينا صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاثة عشرة عامًا لا يدعو قومه إلى شيء، فقط إلى التوحيد، فقط إلى التوحيد، ثلاثة عشرة عامًا. لماذا؟ هذه القاعدة في التربية يؤصل فيهم الاعتقاد والعقيدة الصحيحة والتوحيد بالله جل وعلا. فإذا تمكن التوحيد من القلوب، حينئذ يا عبد الله تأتي الأحكام والشرائع، لكن على قاعدة رسينة راسخة متينة. ولهذا انظر إلى أحوال الصحابة، كيف كان إيمانهم؟ كيف كان تقواهم؟ كيف كان بذلهم وعطاؤهم؟ لا نظير له. من أين جاء هذا؟ جاء على القاعدة الذي بنيت أولا على العقيدة والتوحيد الذي بناها نبينا صلى الله عليه وسلم في قلوبهم وزرعها في نفوسهم. فعلى قدر التوحيد الذي في قلب العبد، يا عبد الله، تظهر آثار الأعمال والأقوال والأحوال. يا عبد الله، التوحيد به يكون الأمن والأمان، ويكون فيه راحة البال، ويشعر المسلم بطمأنينة في قلبه ما لا تخطر على بال، راحة في النفس، انشراح في الصدر، مهما كان حالك، ولو كنت يا عبد الله فقيرًا معدما أو مريضا مقعدا أو غريبا مبعدا، مهما كان حالك. وهذا التوحيد في قلبك، والله ما تشعر إلا بالراحة. كما قال ربنا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. لك الأمن والأمان في الدنيا والآخرة. هذا متى؟ إذا آمنت بالله ولم تلبس إيمانك بظلم، أي بشرك. ما كنت من عداد المشركين، بل كنت من عباد الله الموحدين، فإن لك الأمن والأمان في الدنيا والآخرة. التوحيد، يا عبد الله، متى ما كان في النفوس، فإنك يا عبد الله لا تتأثر بك الظروف، مهما تكالبت عليك المصائب والنكبات والحوادث والمشكلات والأزمات والأمراض والآفات والعاهات، والله لا يضرك هذا. لماذا؟ لأن قلبك قد تعلق بالله، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك ما كان ليصيبك. فما تلاقي أقدار الله جل وعلا التي هي من الله من مولاك إلا أنك تلاقيها بالرضى والتسليم، لا خوف، لا هلع، لا قلق، لا جزع، لا تصفط، لا تندم، وإنما رضى واستسلام. ولهذا قال الله: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. من يوحد الله حق توحيده، فالله جل وعلا يجعل لك الهداية في قلبك. ولهذا إخواني، فلا انظر إلى أحوال الناس إزاء المصائب والنكبات، ما يتعامل معها المرء على مقدار توحيده، على مقدار توحيده الذي في قلبه يظهر كيف تعامله مع المشاكل والأزمات. من هنا إخواني، فلا كانت العناية ضرورية بأن نعتني بتوحيدنا. التوحيد، يا عبد الله، الذي لأجله خلق الله جل وعلا الأنام من إنس وجان، قال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال المفسرون: أي ليوحدون. فإذا علمنا هذا، إخواني في الله، كان علينا أن نعتني بهذا الجانب بتعلم التوحيد، بتعلم التوحيد بين الفينة والأخرى، ولو تكرر علينا تكرارًا ومرارًا، فهو أحق بالعناية، فهو أس العلوم وأساسها. وبهذا إخواني في الله ينبغي أن نعلم ونحن في هذه الأزمان أن هذا مما ينبغي أن نعتني به، وخاصة ونرى هذه الحملات الشرسة وهذه الحملات الشعواء التي يدبرها أعداء الدين ظاهرًا وسرًا وعلانية، من حملات التغريب من عبر القنوات المقروءة والمسموعة والمرئية، عبر الشاشات، وكذلك عبر هذه المنظمات التي تطرأ بين الفينة والأخرى، وكلها ترمي بقوسٍ واحد على عقيدتنا وعلى توحيدنا، من إثارة الشبهات بدين الله جل وعلا. حتى أثمرت للأسف، أثمرت هذه الحملات بما نسمعه بين الفترة والأخرى عن أناس من أمتنا من ارتد عن دين الله، بالأمس ذاك الذي أعلن تنصره، وآخر أعلن تهوده، وآخر أصبح ملحدًا من الملحدين، لا يعترف لا بملة ولا بدين، لا بالإسلام ولا بغيره من الأديان. هذا قد وجد في أمتنا، لا نذهب بعيدًا شرقًا وغربًا، بل هذا في بلادنا. من أين جاء ذلك؟ كل ذلك جاء من أناس ما تمرسوا وما تفقهوا في دين الله، وخاصة في علم التوحيد والعقيدة. ولهذا إخواني في الله، كان ينبغي على كل واحد منا، صغيرًا وكبيرًا، ذكرانا وإناثنا، مسلمًا ومسلمة، أن يعتني بعلم العقيدة والتوحيد، وذلك لما سمعتم من فضائله ومن مناقبه، وخاصة ونحن في هذه الأزمنة التي نرى هذه الحملة على عقيدتنا وعلى توحيدنا وعلى أبناء أمتنا أمتنا. فما هناك تحصين لديننا وعقيدتنا بمثل الفقه والتعلم في أحكام الدين والشريعة. فإن شاء الله، بإذن الله، إخواني في الله، كما ذكر سلفًا، فإننا في مثل هذه الأوقات بإذن الله سنقف مع المؤلف محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته الفذة الموسومة بكتاب التوحيد، بشرح بعض أبوابه، وما سطره ببنانه في ذكر هذه الأبواب العظيمة الذي ينبغي أن نراعيها كل اهتمام. أسأل مولانا جل وعلا أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.