الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يعلن المحاضر عن بدء قراءة أسبوعية لكتاب "قصص الأنبياء" للشيخ عبد الرحمن السعدي، مبيناً أن معرفة سير الأنبياء تمكن المسلم من الاقتداء بهم واستخلاص العبر. ويؤكد أن هذه القصص مستمدة من القرآن والسنة الصحيحة لا من أخبار بني إسرائيل غير الموثوقة.
يتناول المقطع فضائل قصص الأنبياء الواردة في القرآن بوصفها أصدق وأبلغ وأنفع القصص، ويبين أنها تكمل الإيمان التفصيلي بالرسل وتقوي التوحيد. كما يستعرض مقدمة الشيخ السعدي في كتاب "منافع القصص" لتوضيح عاقبة الشرك.
يبيّن المقطع أن جميع الأنبياء دعوا إلى توحيد الله وهم القدوة في كمال العبودية والصبر على الدعوة والإخلاص لله دون طلب أجر. ويستعرض أمثلة إبراهيم ونوح ومحمد صلى الله عليه وسلم في الثبات على الحق وطول النفس في الدعوة.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى كثرة الفوائد المستفادة من قصص الأنبياء وذكر مقامات عظيمة، ويعلن انتهاء الوقت على أن يكمل الباقي في درس قادم. ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن شاء الله تعالى من كل أسبوع في مثل هذا اليوم، والذي بعده يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، سنقرأ في هذا الكتاب المبارك، والذي تناول فيه مؤلفه قصص الأنبياء. وهذا المؤلف هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، فهو من أكابر العلماء ومن المختصين بتفسير القرآن، ومن علوم القرآن علم قصص الأنبياء وسيرهم. فهذا الكتاب يعد من الكتب المهمة للمسلم عامة، ولطالب العلم خاصة. وشرف العلم إنما يعلو ويرتفع بعلو وارتفاع مادته، فلا شك أن الأنبياء هم خير البشر، وهم من اصطفاهم الله عز وجل لحمل رسالته، وقد أمرنا الله عز وجل بالاقتداء بهم. فبعدما ذكر سبحانه وتعالى جملة من الأنبياء في كتابه قال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: 90]، فبهداهم اقتده. فمن أعظم فوائد ومنافع معرفة قصص الأنبياء الاقتداء والاهتداء بهؤلاء. فمن لم يعرف سيرتهم ويعرف أخبارهم، كيف له أن يصل إلى الاقتداء بهم؟ فمن أراد الاقتداء والاهتداء بأنبياء الله، فوجب عليه معرفة سيرتهم وأخبارهم. وأيضاً من منافع وفوائد القراءة في قصص الأنبياء: فيه أخذ العبرة والعظات والعلوم، وكذلك الاهتداء بهدي هؤلاء الأنبياء. ولذلك قال الله عز وجل بعدما قص علينا قصة يوسف عليه السلام: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]. فمن أعظم منافعي وفوائدي معرفة قصص الأنبياء: أخذ العبرة والعظة والعلم والاهتداء ونحو ذلك. وهكذا من فوائد هذا القصص: التذكير بما أعد الله عز وجل للمؤمنين، وبما أعد الله عز وجل للكافرين. هذا مما يزداد به المؤمن إيماناً، إذ أن المؤمن إذا سمع ما أكرم الله عز وجل به الأنبياء وأتباع الأنبياء، فلا شك أن هذا الأمر يدعوه إلى أن يكون من أتباع هؤلاء الأنبياء. ففيه تذكير بأيام الله عز وجل وما فيها من الكرامات للمؤمنين، وما فيها من العقوبات للكافرين. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ [القمر: 4]، والأنباء أي الأخبار: أخبار الأمم السابقة، أخبار الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم. فلو قرأت في قصص الأنبياء، لرأيت كيف أن الله عز وجل سلم وأكرم عباده المتبعين للرسل، وكيف أن الله عز وجل أهلك وأخذ المكذبين للرسل، فلا شك أن هذا فيه مزدجر لنا من أن نكون من المعارضين للرسل، وأن نكون من أتباع الرسل. وأيضاً من فوائد ومنافع القراءة في قصص الأنبياء: أن فيها تثبيتاً لقلوب المؤمنين والمؤمنات، والطائعين والطائعات، والمتبعين للرسل والمتبعات. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [هود: 120]، ما نثبت به فؤادك. فصاحب الحق لما يقرأ ما ابتلي به الأنبياء، ذاك يوضع في النار، وذاك يسخر منه، وذاك يخرج من بلده، وذاك كذلك يضرب، وذاك وذاك، فهذا مما يزيده ثباتاً، ومما يزيده تمسكاً بالحق وبما جاءت به الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم. فمن أعظم منافع وفوائد القراءة في قصص الأنبياء: الثبات على الحق وعلى هذا الدين، ويعلم المؤمن أن له سلفاً، بل أن الأنبياء وهم أشرف الخلق، وهم أكرم الخلق على الله ممن اصطفاهم الله، ابتلوا هذا البلاء العظيم. فإذا ابتلي المؤمن بشيء من البلاء، يتذكر ثبات الأنبياء، ويتذكر بلاء الأنبياء، فيزيده ذلك التذكر ثباتاً، ويزيده كذلك تمسكاً بما هو عليه من الحق. وأيضاً من منافع وفوائد القراءة في هذا المبحث، مبحث قصص الأنبياء: الاقتداء والإتساء بهؤلاء الأنبياء. فإذا عرفت سيرتهم وعرفت هديهم، لا شك أن هذه المعرفة تكون سبباً في اتباعهم وفي الاقتداء بهم. وهذا ما أمرنا الله عز وجل به في كتابه: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: 90]، فبهداهم اقتده. فلأجل هذه المنافع وهذه الفوائد أحببنا أن نقرأ في مثل هذا الوقت في هذا الكتاب المختصر، وقصص الأنبياء المعتمد فيها ما جاء في القرآن وصحيح السنة. وأما ما يذكره كثير من المفسرين من القصص، ومن التطويل، ومن ذكر دقائق الأخبار، فهذا الغالب أنها من أخبار بني إسرائيل، وليست مما جاء في الكتاب أو السنة. فيكفين ظاهر القرآن وصحيح سنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام في معرفة سيرة وقصص هؤلاء الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. فنبدأ في قراءة المقدمة التي قدم بها المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. قال: "منافع القصص". قال: "قد قص الله علينا في كتابه قصصاً طيبة من أخبار أنبيائه، ووصفها بأنها أحسن القصص، كما قال سبحانه وتعالى في أول سورة يوسف: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3]، فلا تذهب إلى قصص البشر ولا إلى حكايات الناس وتدع قصص القرآن، فإن أحسن القصص وإن أنفع القصص هي قصص القرآن". ولذلك قال هنا المؤلف: بأنها ووصفها الله عز وجل بأنها أحسن القصص. قال: "وهذا الوصف من الله العظيم يدل على أنها أصدقها وأبلغها وأنفعها للعباد، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 87]، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، فهذه القصص ما فيها كذب حاشى وكلا، وما فيها كذلك ضعف، لا في ألفاظها ولا في عباراتها ولا في حسن سياقها، لأن هذا القرآن تحدى الله عز وجل به بلغاء وفصحاء العرب أن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بسورة من مثله، أو أن يأتوا بعشر سور من مثله، فعجزوا ولم يستطيعوا ذلك، وهم أهل البلاغة وهم أهل الفصاحة وهم أهل اللسان العربي، فدل ذلك على أن القرآن هو أبلغ وأفصح الكلام، فقد فاق كلام البلغاء والفصحاء والشعراء والأدباء، فهذا يدل على ما ذكره المؤلف رحمه الله بأن هذا الكتاب وهذه القصص القرآنية أصدق وأبلغ وأنفع للعباد". قال: "فمن أهم منافع هذه القصص أن بها يتم ويكمل الإيمان بالأنبياء صلى الله عليه وسلم، فإننا وإن كنا مؤمنين بجميع الأنبياء على وجه العموم والإجمال، فالإيمان التفصيلي المستفاد من قصصهم وما وصفهم الله به من الصدق الكامل والأوصاف الكاملة التي هي أعلى الأوصاف، وما لهم من الفضل والفواضل والإحسان على جميع نوع الإنسان، بل وصل إحسانهم إلى جميع الحيوانات، بما أبدوه للمكلفين من الاعتناء بها والقيام بحقها. وتعلمون أن من أصول الإيمان ومن أركان الإيمان الستة الإيمان بماذا؟ بالملائكة، الإيمان بالأنبياء، الإيمان بالرسل. نعم، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. فإذن معرفة قصص الأنبياء مما يكمل به إيمان العبد، لأن المطلوب في الإيمان بالرسل أن تؤمن الإيمان الإجمالي والإيمان المفصل. الإيمان الإجمالي: أن تؤمن بأن الله أرسل رسلاً إلى أقوامهم، وهؤلاء الرسل منهم من كان في بني إسرائيل ومنهم من كان في غير بني إسرائيل. مهم: ماذا؟ إيمان إجمالي. والإيمان التفصيلي إنما يكون بمعرفة تفصيل قصصهم وأخبارهم وسيرتهم، ولا يكون ذلك إلا بالقراءة في قصصهم. فإذا قرأ المسلم تفاصيل قصص هؤلاء الأنبياء، يتحصل بذلك على الإيمان التفصيلي في الإيمان بالرسل، وهذا مقصد عظيم، بل هو من أصول هذا الدين، وهو ركن من أركان الإيمان". قال: "فهذا الإيمان التفصيلي بالأنبياء يصل به العبد إلى الإيمان الكامل، وهو من مواد زيادة الإيمان. فإذا معرفة قصص الأنبياء والرسل مما يقوي الإيمان ويزيد في الإيمان، وهذا مطلب عظيم ينبغي أن يحرص عليه المؤمن". قال: "فمن ذلك أن في قصصهم تقرير الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص العمل، والإيمان باليوم الآخر، وبيان حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك وأنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة. وهذا أيضاً يقوي إيمان العبد في الأصول الأخرى، ففي الحقيقة الإيمان بالرسل وبتفاصيل قصصهم وأخبارهم سبب لمعرفة الله عز وجل وإخلاص العبادة له. وكذلك كما ذكر: بيان حسن التوحيد ووجوبه، لأن الرسل كلها جاءت بالدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى التوحيد، وبينت هذا الأصل العظيم بشتى الوسائل وبشتى الطرق، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ [نوح: 5-10] إلى آخر الآيات. فالأ... الأنبياء دعوا أقوامهم إلى التوحيد لشتى الوسائل والطرق، وهذه أصل دعوتهم. ما من نبي من الأنبياء وما من رسول من الرسل إلا ودعا قومه إلى توحيد الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، وقال عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]. فالأنبياء بيّنوا التوحيد أحسن بيان، وكذلك في قصصهم فضل من أتى بهذا التوحيد، وجرم من تخلف عن هذا التوحيد، فمن وحد الله نجا، ومن أشرك بالله هلك والعياذ بالله، فلا شك أن هذه منافع عظيمة". قال: "وفي قصصهم أيضاً عبرة للمؤمنين يقتدون بهم في جميع مقامات الدين، فالأنبياء عليهم السلام هم أفضل الخلق ممن قام بدين الله عز وجل وبمقامات دين الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن اقتداءهم يوصل العبد إلى أعلى المقامات، لأن الأنبياء كما ذكرنا هم أكمل الناس إيماناً، وهم كذلك أعظم الناس عملاً بما أمر الله سبحانه وتعالى به". قال: "في مقام التوحيد والقيام بالعبودية، فإمام الموحدين إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120]. وهكذا في قيام العبودية، فأعظم الخلق تعبداً لله عز وجل هم الأنبياء والمرسلون. نعم، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي قول عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه» من شدة تعبده لله عز وجل. وتقول أيضاً: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على فراشها حتى أن جسده ملتصق بجسدها» رضي الله عنها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة دعيني أتعبد لربي»، يستأذنها حتى يقوم ويصلي لله عز وجل، فقالت رضي الله تعالى عنها: «إني أحب قربك وأحب ما يسرك»، فقام فتوضأ ثم صلى، فقرأ حتى اخضلت لحيته، ثم صلى حتى اخضل الأرض أو نحو ذلك، وهو يصلي لله عز وجل ويتعبد لله سبحانه وتعالى. فيتعلم المسلم من هذه القصص كمال توحيد الأنبياء وكمال قيامهم بعبودية الله سبحانه وتعالى". "وكذلك في مقامات الدعوة والصبر والثبات عند جميع النوائب المقلقة، ومقابل ذلك بالطمأنينة والسكون والثبات التام. فلو نظرت إلى كثير من الأنبياء كيف صبروا على الدعوة إلى التوحيد وكيف ثبتوا: إبراهيم يكسر الأصنام ويحطمها، وهكذا يناقش ويحاج قومه في بطلان ما هم عليه من الشرك، حتى قرروا ووضعوه في النار، فأضرموا له النار العظيمة، حتى من شدة تلك النار ومن شدة لهبها وحرارتها، وألقوه فيها عن بعد عن طريق المنجنيق. نعم، ولكن الله سبحانه وتعالى مع أوليائه وأنبيائه، فقال: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]. ثبات على الحق. وهكذا نوح: كم دعا قومه؟ مئة سنة، ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهو يدعو قومه إلى التوحيد وإلى دين الله عز وجل ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، لا يمل ولا يكل، فثبت على ما أوحاه الله عز وجل إليه. فمن أعظم ما يستفيده المسلم ويقتدي به بهؤلاء الأنبياء والرسل: الصبر في مقام الدعوة، وفي مقام كذلك العلم والتعليم، فلا ينبغي لطالب العلم أن يطجر في دعوته، أو أن يكسل، أو أن يفتر، فينظر في سيرة هؤلاء. أنت ربما لست في باب الدعوة إلى الله إلا سنة أو سنتان أو ثلاث أو عشر، فانظر إلى الأنبياء كم سنوات وهم يدعون أقوامهم إلى توحيد الله عز وجل، وانظر إلى أتباعهم: أتي النبي يوم القيامة وليس معه إلا الرجل والرجلان. نعم، وأنت ولله الحمد معك مسجد ومعك دعوة ومعك طلاب ومعك مركز، فاقتدِ بهؤلاء، فهذا مما يثبتك على هذا الطريق. فمن أعظم المقامات، ومن أعظم ما يقتدى بأنبياء الله ورسله في باب الدعوة والصبر". "وكذلك في مقام الصدق والإخلاص لله في جميع الحركات والسكنات، واحتساب الأجر والثواب من الله، لا يطلبون من الخلق أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً، إلا الأمور النافعة للخلق، كما قال الله سبحانه وتعالى حاكياً عن أنبياء الله ورسله: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: 86]، وذاك الذي جاء ينصح قومه قال: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [يس: 20-21]. فالأنبياء هم أعظم الخلق صدقاً وإخلاصاً في جميع أعمالهم وأقوالهم، فيقتدي بهم المؤمن، فلا يطلب في دعوته ولا في كذلك طلبه للعلم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً، وإنما يطلب الأجر من الله سبحانه وتعالى. فهذا أيضاً مما نستفيده من قصص الأنبياء والمرسلين، والفوائد كثيرة. وذكر أيضاً مقامات عظيمة، والوقت قد انتهى، فنكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، رب العالمين، وتقبل الله منا ومنكم، رب العالمين، رب العالمين، رب العالمين".