الدرس في كتاب الأطعمة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه، وأنواع اليمين هي: منعقدة، وغموس، ولغو. لكل نوع أحكامه الخاصة.
يشترط في اليمين العقل والبلوغ والاختيار والذكر، وعند الحنث تجب الكفارة التي تكون عتق رقبة أو إطعام مساكين أو صيام.
الاستثناء في اليمين يمنع الحنث إذا كان متصلًا، وتفسير اليمين يكون بناءً على نية الحالف أو السبب أو اللفظ، وفي الدعاوى تكون على نية المستحلف.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمُرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منع السالكين توضيح الفقه بالدين»: باب الأيمان والنذور، قال: لا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، والحلف بغير الله شرك، لا تنعقد به اليمين. إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الفصل أو هذا الباب. والأيمان جمع يمين، واليمين هي الحلف أو القسم. الحلف أو القسم يقول: لا تنعقد اليمين إلا بالله. اليمين المنعقدة إذا كانت بالله، إذا حلف الحالف بالله، والله، أو بالله، أو تالله، لا فعلنا كذلك، لا فعلنا كذا، أو باسم من أسمائه، بأي اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، العزيز والحكيم والرحيم والكريم، إلى آخر ذلك من أسماء الله جل وعلا، أو صفة من صفاته، حلف بصفة من صفات الله، وعزة الله، وقدرة الله، وكبرياء الله. نعم، والذي نفسه بيده، كما كان حلف النبي عليه الصلاة والسلام، ونحو ذلك من صفات الله، هذه هي اليمين المنعقدة. والحلف بغير الله شرك، لا يجوز الحلف بغير الله، كالحلف بالكعبة، أو الحلف بالأمانة، أو الحلف بالشرف، أو بالنعمة، أو غير ذلك من الحلف بغير الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وقال عليه الصلاة والسلام: «أما في السنن: من حلف بغير الله فقد أشرك». هكذا جاء لفظ الحديث. والصادق في هذا الحديث، في لفظه: أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الحلف بغير الله، وقال فيه قولًا عظيمًا، قال فيه قولًا عظيمًا: «الحلف بغير الله شرك». قد يكون شركًا أكبر إذا كان هذا الحالف معظمًا لهذا المحلوف عليه تعظيمًا لله وأشد، فهذا شرك أكبر، ويكون شركًا أصغر إذا كان من غير تعظيم، مجرد حلف باللسان بغير الله. قال: «لا تنعقد به اليمين»، يعني إذا حلف بغير الله لا تنعقد به اليمين، لو حلف بالكعبة أنه سيفعل كذا وكذا، هذا يمين غير منعقدة؛ لأنه لم يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته، فلا عبر بهذه اليمين. قال: «ولا بد أن تكون اليمين الموجبة للكفارة على أمر مستقبل»، هذا شرط من شروط اليمين التي توجب الكفارة. الشرط الأول: أن تكون بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته. الشرط الثاني: أن تكون على أمر مستقبل، يحلف على شيء سيفعله في المستقبل، والله مثلًا: لا أكلم فلانًا، أو والله لا أذهب إلى المكان الفلاني، طيب، ونحو ذلك. ولا بد أن يكون أمرًا ممكنًا، ما يكون على أمر مستحيل، فيكون هذا من اللغو. ما يقول: والله لا أطير في الهواء، أكيد ما تطير في الهواء، ستنمشي في الأرض، هذا شيء مستحيل أن تطير في الهواء كالطائر، فهذا يكون من اللغو. أو يقول: والله لا أعود شابًا، هذا أمر لا بد، لا شك، مستحيل أن تعود شابًا بعد أن شبت. فلا بد أن تكون يمينًا في المستقبل على الأمر الممكن: والله لا أكلم فلانًا، والله لا أذهب إلى المكان الفلاني، والله لا أفعل كذا. قال: «فإن كانت على ماضٍ، يعني على أمر قد مضى وهو كاذب عالِمًا بكذبه، فهي اليمين الغموس». واليمين الغموس سميت بذلك: قيل لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وقيل لأنها تغمس صاحبها في النار، وهي كبيرة من كبائر الذنوب. في حديث عبد الله بن عمر في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». فكل إنسان يحلف على شيء ماضٍ وهو كاذب، يقول: والله ما قلت كذا وكذا، هو قد قال، والله ما فعلت كذا وكذا، هو قد فعل، هذا يمين غموس. هل فيها كفارة؟ الجواب: لا، ليس فيها كفارة. اليمين الغموس ليس فيها كفارة، الواجب فيها التوبة الصادقة. قال: «وإن كان يظن صدق نفسه، فهي من لغو اليمين، كقوله: لا والله، وبالله، في عرض حديثه». عندنا أيضًا من أنواع اليمين: لغو اليمين. واليمين اللغو لها صورتان: الصورة الأولى: جريان الحلف على اللسان من غير قصد عقد اليمين، فهذه من لغو اليمين. وجاء في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر لغو اليمين: قول الرجل في بيت: لا والله، وبالله، لا والله، وبالله، كما يتكلم الإنسان مع أولاده، يقول: والله لا أفعل كذا، والله كذا، يعني يحلف، لا ينوي عقد اليمين، لكن يجري الحلف على لسانه، هذه تعتبر من لغو اليمين، لا يؤخذ عليها، ولا تجب بها كفارة. الصورة الثانية من لغو اليمين: أن يحلف على شيء يظنه، فيكون على خلاف ما ظن، فهذه أيضًا من لغو اليمين. مثلًا: يتكلم اثنان، فيقول فلان: جاء من السفر، ويقول الآخر: لا، ما جاء، يقول: نعم، جاء، يقول: والله ما جاء، يحلف أنه ما جاء، ويحلف على ظنه أنه ما جاء من السفر، ثم تبين أنه قد جاء، هل تجب عليه كفارة؟ الجواب: لا، هذه من لغو اليمين. أو يتناظر اثنان، مثلًا، من طلاب العلم، مسألة من المسائل، فيقول أحدهما: هذه المسألة في الكتاب الفلاني، والله إنها في الكتاب الفلاني، على ظنه، على حسب ظنه، ثم ينظر، فهي غير موجودة في هذا الكتاب، فهذه من لغو اليمين. قال: «وإذا حنث في يمينه بأن فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، وجبت عليه الكفارة». نعم، هنا أيضًا من شروط وجوب الكفارة: حصول الحنث، أن يحنث الحالف في يمينه. ومعنى الحنث: أنه يفعل خلاف ما حلف عليه، فيفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله. قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، ثم دخل، نقول: هنا حنثت في يمينك، ووجبت عليك الكفارة. أو قال: «والله لأدخلن بيت فلان»، ثم لم يدخل، فنقول: قد حنثت؛ لأنك تركت ما حلف على فعله. هذا يسمى الحنث. لكن يشترط أيضًا في الحالف: أن يكون عاقلًا، بالغًا، مختارًا، عاقلًا، بالغًا، مختارًا. وإذا كان الحالف صبيًا، هذا لا تنعقد به، لا تنعقد يمينه. أو كان مجنونًا، لا عقل له، كذلك؛ لأن ألفاظ المجنون لا تنعقد. وإذا كان عاقلًا، وإذا كان عاقلًا بالغًا، لكنه كان غير مختار، مكرهًا، مثلًا، هذه كذلك لا تنعقد. وأيضًا أن يكون ذاكرًا، أن يكون ذاكرًا. فإذا كان ناسيًا، فلا تنعقد اليمين. لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، ثم نسي، ودخل، فهنا لا يحنث؛ لأنه حصل منه على سبيل النسيان. فإذا اجتمعت هذه الشروط، وحنث في يمينه، وجبت عليه الكفارة. قال: «عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد، صام ثلاثة أيام». نعم، هذه كفارة اليمين. قال الله جل وعلا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. إذن، هذه الأمور الثلاثة الأولى في كفارة اليمين على جهة التخيير: العتق، والإطعام، والكسوة. فالحالف مخير بين هذه الثلاثة، إن شاء أعتق رقبة، وإن شاء أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كسا عشرة مساكين. هذه الثلاثة على جهة التخيير. فإن عجز عن هذه الثلاثة، انتقل إلى الصيام، فالصيام آخر شيء، يصوم ثلاثة أيام. ولا يشترط فيها التتابع على الصحيح؛ لإطلاق الآية. فالصيام ثلاثة أيام، والإطعام إطعام عشرة مساكين. قال الله عز وجل: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. يعني: لا يشترط أن يطعمهم من أفضل الطعام، فوق ما يطعم أهله، ولا يطعمهم دون ذلك، من الوسط. يعني: مثلًا، عندنا في عرفنا الوسط: الرز مع اللحم، مثلًا، هذا الوسط. أو خبز مع إدام. قال: «أو كسوتهم». الكسوة قال أهل العلم: يعني ما تصح به الصلاة، بالنسبة للرجل: ما تصح به الصلاة، مثل قميص أو إزار ورداء. وبالنسبة للمرأة: درع وخمار، درع وخمار. قال: «فإن لم يجد، صام ثلاثة أيام». نعم، إذا ما وجد هذه الأمور الثلاثة، فإنه ينتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام. قال: «وعن عبد الرحمن بن السمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه: أولًا، الكفارة. إذا حلف الإنسان على يمين، وكان الخير له في الحنث، أن يحنث في يمينه، فالأفضل له أن يحنث ويكفر. يعني مثلًا: قال: «والله لا أكلم فلانًا»، وفلان هذا رجل من أهل الخير والصلاح، والأفضل له أن يكلمه في هذه الحال، يكلمه ويكفر، خير له من أن يستمر في حلفه. يقول: «الله، أنا حلفت أني ما أكلمه»، نقول: الأفضل أنك تكلمه وتكفر عن يمينك. قال: «فرأيت غيرها خيرًا منها»، يعني هو خلاف اليمين، إذا كان خلاف اليمين هو الخير، فالأولى أن تحنث في يمينك وتكفر. وكذا قال الله: «لا أدخل بيت فلان»، فرأى أن دخوله بيت فلان أفضل، فنقول: أدخل وكفر، خير لك من الاستمرار في اليمين. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن الإنسان ربما يأثم في استمراره باليمين. في حديث أبي هريرة في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يلج أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي كفارة التي كتب الله». يعني: أن يلجأ، يستمر في يمينه في أهله، شيء يتعلق بأهله، كان: يقول مثلًا: «والله لا أخذكم للبيت الفلاني»، أو «للمكان الفلاني»، أو «لا أتي لكم بشيء الفلاني». فكونه يستمر على ما حلف عليه، ويتضرر أهله بذلك، هذا قد يقع في الإثم. والخير له أن يكفر عن يمينه، ويأتي لهم، أو يفعل لهم ما يحتاجون له. وقوله: «فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير». دل هذا الحديث على أنه يجوز للحالف أن يحنث أولًا في يمينه، ثم يكفر. لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، يجوز له أن يدخل، ثم يكفر عن يمينه. ويجوز له أن يكفر، ثم يدخل، كل الأمرين جائز. إذا حصل الحلف، جاز التكفير قبل الحنث، ويجوز الحنث قبل التكفير؛ لأن السبب قد وجد، وهو اليمين. السبب قد وجد، وهو اليمين. والقاعدة عند أهل العلم: أنه إذا وجد السبب، جاز حينئذ تقديم الفعل على الكفارة، لكن قبل وجود السبب لا يجوز. يعني: لو قال إنسان: «أنا سأكفر عن يميني»، ثم أحلف: «أني ما أدخل بيت فلان»، ثم أدخل، أنا أقول: ما ينفع هذه الكفارة التي كفرتها قبل اليمين، غير مجزئة؛ لأنك كفرت قبل وجود السبب، وهو اليمين. لكن بعد وجود السبب لا بأس أن تكفر قبل الحنث. قال: «وفي الحديث: من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه». رواه الخمسة. هذا فيه: الاستثناء في اليمين. وأن الاستثناء في اليمين ينفع صاحبه، ولا يوجب عليه الكفارة. لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان إن شاء الله»، أقول: هنا ما عليك شيء، ما عليك كفارة إذا دخل، ما عليه شيء. لماذا؟ لأنه استثناء، قال: «إن شاء الله». «والله لا أكلم فلانًا إن شاء الله»، ثم أكلمه، ما عليه شيء؛ لأنه استثناء. إذا من حلف على يمين، فقال: «إن شاء الله»، فلا حنث عليه، ليس عليه حنث. وسواء نوى الاستثناء أو لم ينوه، فإنه تنعقد به اليمين، بشرط أن يكون الاستثناء متصلًا حقيقة أو حكمًا، أن يكون متصلًا حقيقة أو حكمًا. أما إذا كان منقطعًا، يعني حلف اليوم أو في هذه الساعة، ثم بعد ساعة يقول: «إن شاء الله»، هنا ما ينفع، لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا باليمين حقيقة أو حكمًا. يعني: ما يكون في حكم الاتصال، كأن يفصل بين اليمين والاستثناء فاصل عارض، كسعال ونحو ذلك. ويدل على أن الاستثناء ينفع، وإن لم ينوِ: قصة سليمان بالصحيحين، لما قال: «والله لا طوفن الليلة على تسعين امرأة، ترد كل واحدة منهن فارسًا، ويجاهد في سبيل الله». فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا واحدة، نصف إنسان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان ذلك ذخرًا لحاجته». الشاهد: قال: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث». مع أن سليمان ما نوى اليمين، قال: «لو استثنى لم يقع في الحنث». هذا على أن الاستثناء ينتفع به الحالف، وإن لم ينوِ. قال: «ويرجع في الأيمان إلى نية الحالف، ثم إلى السبب الذي هيج اليمين، ثم إلى اللفظ الدال على النية والإرادة، إلا في الدعاوى، ففي الحديث: اليمين على نية المستحلف». رواه مسلم. يرجع في الأيمان إلى نية الحالف: ما الذي نواه؟ إذا نواه خلاف اللفظ، لكن اللفظ يحتمل هذه النية، فنأخذ بنيته، لا بأس أن يؤخذ بنيته. مثلًا: قال: «والله لا أصعد على سقف»، ثم صعد على سقف البيت، نقول له: «ما لك؟ قد حنثت في يمينك». فيقول: «لا، إنما أردت بسقف السماء». ها، نقول: هذا اللفظ يحتمل، محتمل. فإذا كانت هذه النية، ثم ما عليك شيء، ما عليك كفارة؛ لأن هذا اللفظ، النية تحتمل هذا اللفظ. أو قال: «والله لا أمشي إلا على فراش»، ثم خرج ومشى على الأرض، قيل: «الله، حنثت». قال: «لا، أنا أردت لا أمشي على فراش، يعني الأرض، والأرض فرش، والأرض فرشناها». فنعمل ما أراد. أقول: هذا محتمل، يحتمله، يحتمله اللفظ، تحتمل النية هذا اللفظ، فليس عليه شيء. لكن لو قال: «والله لا أكل خبزًا»، ثم أكل خبزًا، قال: «أردت بالخبز البيض»، مثلًا، هذا ما يصلح، هذا اللفظ ما يحتمل، ما يحتمل هذا الشيء الذي ذكره، وهنا يقع في الحنث. قال: «ثم إلى السبب الذي هيج اليمين». ننظر: ما هو السبب الذي جعله يحلف؟ قال: «والله لا أكلم فلانًا»، ثم قيل له: «لماذا حلفت؟» قال: «لأني يعني رأيته»، أو «أخبرت عنه بأنه يمشي معه ناس غير طيبين». فقيل له: «هذا يسيء بصحيح، من هو من أهل الخير والصلاح وكذا». فكلمه، هل تجب عليه كفارة؟ الجواب: لا. نعم؛ لأنه حلف، وهيج اليمين سبب، تبين غير عدم صحته. وهكذا لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، قيل له: «لماذا؟» قال: «لأني يعني سمعت فيه صوت مزامير أو كذا». فقيل له: «لا، هذا الصوت ليس من بيته»، مثلًا، فلا بأس يدخل، وليس عليه شيء. ونحو ذلك ينظر في السبب الذي هيج هذا اليمين. أو مثلًا: «والله لا أمشي مع فلان». لماذا؟ قال: «لأنه بلغني أنه يمشي مع رفقة سوء وكذا». فقيل له: «لا، ليس بصحيح، أنه يمشي مع ناس طيبين». محن. إذن، ليس عليه شيء، يمشي معه، ولا يحنث في يمينه. قال: «ثم إلى اللفظ الدال على النية والإرادة». نعم، إذا قال مثلًا: «والله لا ألبس هذا القميص»، ثم حول القميص إلى سراويل، جعل منه سراويل، هل يجز له أن يلبسها؟ نقول: لا، ما يلبسها. إذا لبسها، فإنه يقع في الحنث؛ لأن حلفه على عدم لبس هذا القميص أو هذا الثوب المعين، فاليمين تحتمل، تحتمل هذا اللفظ، ولو غير شكله، ولو غير شكله. أو قال: «والله لا أكلم هذا الصبي»، فكبر الصبي وأصبح شابًا، فإذا كلمه، فإنه يحنث. نعم، يحنث؛ لأن اليمين تنعقد بكلامه، ولو كبر وانتقل من يعني: من زمن الصبا إلى زمن الشباب. وهكذا مثلًا: لو قال: «والله لا أكل هذا الرطب»، فأصبح الرطب تمرًا، فأكله، فإنه يحنث؛ لأن اللفظ هنا يحتمل هذا المحلوف عليه. قال: «إلا في الدعاوى». إلا في الدعاوى: فالنية، فاليمين ليس على نية الحالف، وإنما على نية المستحلف. بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اليمين على نية المستحلف». يعني: مثلًا، الآن ادعى زيد على عمر: أن عمر أخذ منه مالًا، يقال لزيد: «ألديك بينة؟» يقول: «ما عندي بينة». فيقال لعمر: «تحلف». يقول: «أحلف». هنا اليمين لا بد أن تكون على نية المستحلف، يحلف؛ لأنه ما عنده شيء لزيد، فلا يجوز له أن يوري، أو يعني يجعل له نية أخرى خلاف نية المستحلف له، فيقول مثلًا: «والله ما عندي شيء لزيد»، ثم يقول: «أنا نويت ما عندي شيء الآن أو في جيبي». هذا ما يجوز، لا بد أن تكون اليمين على نية المستحلف: أنه ما عنده، ولو شيء بالكلية. واضح هذا معنى: «اليمين على نية المستحلف». لعنية الحالف في باب الدعاوى. إلا إذا كان إذا كان مظلومًا، والمدعي ظالمًا، فهنا أجاز العلماء: أن تكون اليمين على نية الحالف. يعني: إنسان ظالم أراد أن يأخذ منه مالًا، فقيل: «أو احلف أنه ما عندك المال الفلاني». فحلف، ونوى شيء آخر خلاف ظاهر اليمين؛ من أجل دفع هذا الظالم، لا بأس في هذه الحال أن يحلف على نيته. وإلا الأصل في باب الدعاوى: أنه تكون اليمين على نية المستحلف. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.