الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 487

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 487

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 487، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في رفع العلم وذهاب الخشوع

يتناول المقطع الأول حديثا نبويا يصف رفع العلم وذهاب الخشوع، حيث يشير إلى أن العلم سيُرفع بذهاب أوعيته، وأن أول ما يرفع هو الخشوع. كما يشدد على أهمية العلماء في حفظ الأمة بعد الصحابة.

تأثير تصدر الجهلة وذهاب العلماء

يتناول المقطع الثاني خطورة تصدر الجهلة وذهاب العلماء، حيث يفتي الجهلة ويضلون الناس، ويحقدون على العلماء ويتكلمون عليهم، ويستغلون غياب العلماء لتنفيذ خطط أعداء الله.

تفاصيل رفع العلم وعلاقته بالخشوع والعلماء

المقطع الثالث يوضح أن رفع العلم ليس فقط بذهاب كتاب الله، بل بذهاب العلماء الذين يعملون به ويبينونه للناس، وأن أول ما يرفع من هذه الأمة هو الخشوع في الصلاة.

وجوب الخشوع في العبادة وأثره على الأجر

يرى شيخ الإسلام أن وجوب الخشوع يعني ذهاب الأجر وليس بطلان العمل، حيث إن الخشوع هو روح العبادة وبدونه تفقد العبادة معناها وقيمتها، وبدون الخشوع تصبح العبادة مجرد عمل روتيني بدون روح أو أجر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا علي بن بحر، وظهر أنه حمصي شامي، قال: حدثنا محمد بن حمير الحمصي، وهو ثقة، قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبلة، وكان عابدا من عباد أهل الشام، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، وهو أيضا شامي حمصي، قال: حدثنا جبير بن نفير، وهو الحضرمي، عن عوف بن مالك، وعوف بن مالك عن صخرة سكن الشام، قال: أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم، فنظر في السماء، ثم قال: هذا أوان أخذ العلم أن يرفع، فقال له رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: ها يرفع العلم يا رسول الله وفينا كتاب الله؟ وقد علمناه أبناءنا ونساءنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن كنت لا أظنك من أفقه أهل المدينة»، ثم ذكر ضلالة أهل الكتابين، وعندهما ما عندهما من كتاب الله عز وجل. قال: فلقي جبير بن نفير شداد بن أوس بالمصلى، فحدثه بهذا الحديث عن عوف بن مالك، قال: صدق عوف، ثم قال: وهل تدري ما رفع العلم؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ذهاب أوعيته، قال: وهل تدري أي العلم أول أن يرفع؟ قال: قلت: لا أدري، قال: الخشوع؛ حتى لا تكاد ترى خاشعا. قال: هذا حديث صحيح، وقد رواه النسائي في الكبرى عن الربيع بن سليمان -أي المراد صاحب الشافعي الذي روى كتب الشافعي، المراد الجيزي، هو من مراد أصله، لكنه مصري من الجيزة- قال: عن ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عنه؛ كما في تحفة الأشراف. قال: ورواه الطحاوي في مشكل الآثار، فقال: حدثنا الربيع الجيزي -وهو الربيع بن سليمان- والحسين بن نصر البغدادي، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، وهو مصري، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، قال: حدثنا أبو سليمان إبراهيم بن أبي عبلة به. فهذا الحديث جاء بهذه القصة، وقد جاء نحوه ويشبهه عن أبي الدرداء، ورواه أيضا جبير بن نفير. أما أن يكون أحد الرواة وهم في الحديث، أو أن جبير بن نفير رواه عنهما -يعني أبا الدرداء وعن عوف بن مالك- وأقوى أو حديث أبي الدرداء أقوى من حديث عوف بن مالك. وفي حديث أبي الدرداء أنه لقي عبادة بن الصامت، وفي هذا الحديث أنه لقي شداد بن أوس، والكلام متقارب. أنه قال: فقلت -أو فحدثت- عبادة بن الصامت بما حدثني به أبو الدرداء، فقال: صدق، أنا -قال عبادة- صدق معنى أبي الدرداء، ثم ذكر نحو هذا؛ حتى قال: وإنك لتدخل المسجد وفيه المصلون، ولا تجد فيهم خاشعا. وأيضا ذكر أن أول ما يرفع الخشوع -أي الخشوع من الصلاة-. وهذا الحديث حديث عظيم في فضل العلماء، وأن العلماء هم أمان الأمة بعد الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا جاء في حديث أبي موسى عند مسلم، وفيه أيضا: نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء، قال أبو موسى: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجنا عند المسجد، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ما لكم جلوس؟» فقال: فقلنا صلينا المغرب ونجلس حتى نصلي العشاء، فقال: «أحسنتم»، ثم نظر إلى السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهب ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعد» -أي من الأمطار والريح وغير ذلك- «إذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد»، قال: «وأنا أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أنا أتى أمتي ما توعد»، قال: «وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» -أي من الاختلاف والتفرق-. فلهذا فالعلماء هم أمنة الناس وأمنة الأمة، فإذا ذهب العلماء ذهب معهم العلم، واتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. ثم جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن بذهاب العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا، فضلوا وأضلوا». أن هؤلاء الجهلة تصدروا الناس؛ ولأنهم قد عدم العلماء في ذلك الوقت، أو أنهم أسقطوهم -مثل ما يفعل كثير من أهل الفرق الآن- سواء كان من الفرق التي هي من أعداء الله عز وجل من اليهود والنصارى، أو من الفرق التي تتعاون معهم وهم لا يدرون -مثل هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بأصحاب القاعدة- والمهم أهل التكفير بشتى أنواعهم. فتجد أنهم يحقدون على العلماء حقدا عظيما، ويتكلمون على العلم، ويقولون: أنهم عملاء ورجال دولة... إلخ؛ حتى يتسنى لهم ولأصحابهم أن يتصرفوا في عقول الناس. فإذا ذهب العلماء نشط هؤلاء في الفتن؛ حتى قال أحدهم في فتنة الخليج: «قد كفونا العلماء الفتوى، قد كفونا العلماء الفتوى، أفتونا في العقيدة، أفتونا في الفقه، فالآن جاء دورنا، خلاص هؤلاء العلماء عليهم الفتوى فقط، أما هذه الأمور -أمور الأمة والأمور الكبيرة- فهي علينا نحن ننشط لها». فذكر هذا بدون أن يشعر، ثم قال: كلامي لم أقصد به هذا الكلام، وما أردت طعن في العلماء، ومن هذا الكلام -مع أنه يطعن ليلا ونهارا في العلماء-. المهم أن هؤلاء ينفذون خطط أعداء الله عز وجل في الكلام على العلماء، وهذا ليس من الآن، بل هذا حتى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأشكال هؤلاء قد كانوا موجودين؛ كما جاء في الصحيحين بحديث سعد، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن مسعود وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قسم غنائم حنين، فلما فرغ منها، قال رجل: والله ما أريد بهذه القسمة وجه الله، وقال: اعدل يا رسول الله -هكذا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام كأنه يخاطب رجلا عاديا ليس يوحى إليه- اعدل يا رسول الله. فقال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن لم أعدل فعند من يلتمس العدل؟ هلا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» أن إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعدل، فمن الذي سيعدل؟ لكن هؤلاء اختلت عليهم الأمور، وأيضا ذهبت فطرتهم واستقامتهم، وصاروا يظنون أنفسهم أنهم أفقه من العلماء وأعرف بدين الله عز وجل من أهل العلم. فهذا الرجل -هذا ذو الخويصرة- ظن أنه أعرف من النبي عليه الصلاة والسلام بالعدل وبدين الله جل وعلا وأتقى له؛ حتى أنه يقال: أنه هو وغيره دخل مرة والنبي عليه الصلاة والسلام يحدث الناس، فقال: فذكروا للنبي عليه الصلاة والسلام برجل له عبادة وله كذا وكذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عرفته؟» قال: لم أعرف، فقال له: «إنه الذي يفعل كذا وكذا»، فقال: لم أعرف؛ حتى دخل، فلما دخل جاء إلى قرب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أراد أن ينصرف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تقل في نفسك عندما دخلت -أو تظن في نفسك- أنك أفضل من في المجلس؟» قال: بلى، وفيه في المجلس هذا فيه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. انظر إلى اختلال الموازين، ظن نفسه أنه أفضل من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فتجد أن الاعتقاد إذا خالف ما هو عليه الشرع، فتجد الرجل لا يبالي بما جاء في الشرع. فهؤلاء لا يبالون بالعلماء ولا باعتقاد هؤلاء العلماء ولا بما يقولونه، بل يظن أنفسهم أنهم يعلمون ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سفهاء الأحلام»، قال: «يقولون من خير قول البرية»، أي: يقولون بالقرآن، لكن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فهم سفهاء الأحلام -أي شباب من الشباب الطائش- يظن أنفسهم أنهم أعلم من الصحابة رضي الله عنهم، بل أعلم من النبي عليه الصلاة والسلام، «حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فيظن -فيظنون بعبادتهم- أنهم قد عرفوا شيئا كثيرا من دين الله، وهذا الغرور والعجب الذي يصاب به مثل هؤلاء. فلهذا فإسقاط العلماء يعتبر إسقاط للعلم، إسقاط للإسلام، وكذلك ذهاب العلماء هو ذهاب أيضا للدين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أوان أن يرفع العلم»، هذا أوان -أي هذا الوقت- وقت رفع العلم. وجاء في رواية في حديث أبي الدرداء: «هذا أوان أن يختلس العلم، أن يختلس بسرعة، ويؤخذ بخفية، بخفية». فقال: «هذا أوان أن يختلس العلم»، فقال زياد بن لبيد: «أن يرفع العلم يا رسول الله وفينا كتاب الله؟ وقد علمناه أبناءنا ونساءنا». جاء في حديث عبادة -أو في حديث أبي الدرداء-: فوالله لنقرئنه أبناءنا ونساءنا، سننشر هذا القرآن، سننشر القرآن ونعلمه الأبناء والنساء؛ حتى لا يذهب. فظن أن ذهاب هذا العلم وذهاب كتاب الله إنما بمن إذا عدم من يحفظه، إذا عدم من يحفظه، والذي يحفظه هل أقام بهذا الكتاب أم أنه حفظ ما فيه فقط؟ فهو حفظ ما فيه، بخلاف العالم الذي يعمل بهذا الكتاب، فإنه يجعل هذا الكتاب بين الناس. وأما من يحفظ هذا الكتاب -أي القرآن- ويحفظه نساؤه وأبناؤه دون عمل ودون أيضا مبالاة بأحكامه، فهذا لا ينتفع، فهذا لا ينتفع، وإنما هو نسخة فقط من التلاوة -مثل ما يجعل في الأشرطة أو يجعل في هذه الأجهزة- فهو محفوظ فقط في صدره، لكنه لا يعمل به ولا يطبقه، فهذا لا ينتفع به. وأما أهل العلم فهم يطبقون هذا الكتاب العظيم. فقال: فظن هذا الصحابي رضي الله عنه ظن أن انتشار التعليم لكتاب الله يبقيه، لكن بيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الظن ليس صحيحا وليس على إطلاقه. قال: «إن كنت لا أظنك من أفقه أهل المدينة»، ثم ذكر ضلالة أهل الكتابين -اليهود والنصارى- اليهود في المدينة كانوا عندهم مدارس، عندهم يعلمون أبناءهم التوراة، ويعلمون أبناءهم أيضا، يعلمون نساءهم، لكنه لم ينفعهم ذلك. وكذلك أيضا النصارى، فعندهم الإنجيل، لكن ليس عندهم من يعلمهم الإنجيل ويقوم بالإنجيل، وهم القسس والرهبان، لكن غالبهم يقتلون، تقتلهم اليهود. فلهذا لم يستفيدوا من وجود الإنجيل عندهم، ولم يستفيد اليهود أيضا وجود التوراة عندهم؛ لأنهم قد خالفوها ولا يعلمون ما فيها، ومن يبين لهم هذا الأمر قد ذهب، قد مات. فلهذا قال: ثم ذكر ضلالة أهل الكتابين: أن عندهم صالحيهم، أو عندهم هذا الكتاب وحفظوه، وهم يتدارسونه، لكنهم لم يستفيدوا منه. فلهذا لم ينتفع به؛ لأن الله عز وجل قد ذكر لهم نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فلم يأخذوا به. فلهذا أراد نبي صلى الله عليه وسلم أن يبين: ليس الأمر هو التعليم فقط، لكن من يقوم بهذا العلم، من يعمل بهذا العلم، من يبين للناس هذا العلم؟ فهم العلماء. فلهذا قال شداد بن أوس لعوف بن مالك: أتدري ما هو؟ أتدري وهل تدري ما رفع العلم؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ذهاب أوعيته -أوعية العلم هو أهل العلم- قال: ذهاب أوعيته، فإذا ذهب أوعية العلم ذهب العلم، وبقي في الناس ناس جهال يفتونهم بغير علم. قال: وهل تدري أي العلم أول أن يرفع؟ قال: قلت: لا أدري، قال: الخشوع؛ حتى لا تكاد ترى خاشعا. فهذا أول العلم، وهو أول ما يحصل في الصلاة من ذهاب الخشوع، ذهاب الخشوع أول ما يرفع من هذه الأمة؛ كما قال شداد، وكذلك عوف بن مالك. لكن رفع الخشوع ليس المراد أنه يعدم، ليس المراد أنه يعدم في الأرض، لا يوجد من يخشع، لكن تجد أن الخاشعين قليل، وأكثر الناس انشغلوا بالدنيا، يدخل الصلاة وهو في دنيا إلى أن ينتهي منها، يفكر أين سيذهب وأين سيأتي، وكيف يفعل بذاك وكيف يفعل بهذا؟ أي من أمور الدنيا؛ حتى تذهب عليه الصلاة. فلهذا فالخشوع في الصلاة له أهمية عظيمة، ربنا جل وعلا يقول سبحانه وتعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. فلابد أن تخشع القلوب في الصلاة. وهل هو واجب من واجبات الصلاة؟ قال بذلك بعض العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر العلماء على أنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب. لكن حمل شيخ الإسلام هذا الوجوب على ذهاب الأجر، وهذا تؤيده الأدلة، ليس وجوب أنه يبطل معه العمل، وإنما المراد بالوجوب هنا ما يذهب الأجر -أجر هذه العبادة- فيجعلها عبادة لا روح لها. والخشوع هو روح العبادة وروح الصلاة، فلهذا فإذا ذهب الخشوع ذهب أيضا خير كثير في الناس.