ولا تقتلوا أنفسكم

الخطبة بعنوان ولا تقتلوا أنفسكم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر13 صفر 1444هـ الموافق 9 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حرمة النفس البشرية وتحريم الانتحار

تناولت الخطبة حرمة قتل النفس المعصومة في الإسلام مستندة إلى نصوص شرعية تؤكد أن حفظ النفس من ضروريات الشريعة الخمس. وحذر الخطيب من خطورة الانتحار مبيناً الوعيد الشديد والعقوبة الدائمة في النار داعياً المبتلى بالصبر واللجوء إلى الله.

النواهي النبوية لحفظ النفس وسد ذرائع الهلاك

استعرض الخطيب عدة نواهٍ نبوية تهدف إلى حماية النفس البشرية مثل النهي عن الإشارة بالسلاح والنوم على سطح غير مسور وركوب البحر الهائج. وبين أن هذه الأفعال تعرض النفس للهلاك وتخرج فاعلها من ذمة الله ورحمته.

تحذير من الاقتتال الدنيوي والتهور في القيادة

شرح الخطيب حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأن القاتل والمقتول في النار محذراً من القتال على الدنيا وأعمال الجماعات المتطرفة. ثم انتقل إلى خطر السرعة الزائدة وركوب الدراجات النارية بتهور مطالباً بمراقبة الآباء وتشديد العقوبات المرورية.

الدعاء بالنصر والهداية والصلاة على النبي

اختتم الخطيب بدعاء يطلب فيه العزة للإسلام والمسلمين والذل للكفر وأعداء الدين مع طلب الهدى والتقى والعفاف والغنى. واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه والتكبير.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ على النفس البشرية، فحرم ديننا قتل النفس المعصومة إلا بحق. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ولذلك فإن الحفاظ على النفس من ضروريات هذا الإسلام الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على حفظها. ولقد جاء الإسلام بتدابير عديدة، ونهى عن نواهي كثيرة حفاظاً على هذه النفس من التلف والهلاك. ومن ذلك، عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى قد توعد بالوعيد الشديد والعقوبة الخطيرة لمن قتل نفساً بغير حق. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. انظروا يا عباد الله إلى هذه العقوبات الشديدة والخطيرة في حق من يقتل مسلماً بغير حق. وكذلك من تلك التدابير ما نهى عنه ديننا من أن يقتل المسلم نفسه وأن ينحر نفسه، فإن في ذلك عقوبة شديدة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ولقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». أي: من قتل نفسه بشيء في هذه الدنيا فإنه يعذب به في النار يوم القيامة. لما يقتل المسلم نفسه؟ أليس هو من المؤمنين بالله وبقضائه وقدره؟ فالله عز وجل أرحم بك من نفسك. فإذا أصبت بضائقة أو بمصيبة، إنما يريد الله عز وجل أن يسمع تضرعك، وأن يسمع دعاءك، وأن يسمع نجواك. نعم، فإنك يا عبد الله إن دعوت الله عز وجل، اعلم أن لك رباً رحيماً لطيفاً رزاقاً كريماً سبحانه وتعالى، فالجأ إلى الله عز وجل، واحذر أن تسلك هذا المسلك، فقد سمعت الوعيد الشديد لمن فعل ذلك. وكذلك من تلك التدابير التي جاءت في شريعتنا تقطع كل سبيل وكل طريق يؤدي إلى إتلاف هذه النفس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن أعمال وعن أمور لربما تكون سبباً في هلاك العبد. فمن ذلك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الإشارة بالسلاح على أخيك المسلم، ولو كان أخاك من أبيك وأمك. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ، وَلَوْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ». فلا يجوز أن توجه حديدة كسكين أو سيف، أو كذلك سلاح آلي أو نحو ذلك، لا يجوز أن توجهه ولو على سبيل المزاح، ولو على سبيل اللعب. فإن فعلت ذلك فأنت مطرود من رحمة الله، لأن الملائكة تلعنك، واللعنة هي الطرد من رحمة الله. وكذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حفاظاً على هذه النفس البشرية، نهى أن ينام العبد على سطح بيت ليس عليه ساتر، ليس عليه ما يحجزه من السقوط، فإن ذلك مظنة الهلاك. وكم مات من أناس بسبب مخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر وفي غيره. جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إِجَارٌ فَوَقَعَ فَمَاتَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ». أي: أن الله عز وجل تخلى عنه فلم يحفظه ولم يبالي به، فأنت خارج عن ذمة الله سبحانه وتعالى. ومعنى "إجار": أي ما يستر الساقط إذا قام من نومه كجدار أو ستار أو نحو ذلك. وقد جاءت رواية أيضاً: «وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَحْجَارٌ»، أي: سترة من حجر. أيها المسلمون، عباد الله، كل ذلك حفاظاً على هذه النفس البشرية من الهلاك والعطب. وكذلك في هذا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ركوب البحر عند هيجانه، وعند ارتجاجه، وعند شدة أمواجه. فقال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، حديث أبي هريرة عند أحمد: «وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ». كم من أناس يموتون، خصوصاً فيما يسمى بموسم البلد في البحر، بسبب تلك الأمواج وبسبب هيجان البحر، فقد وقعوا في عين النهي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يصلح بنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومما جاء في هدي نبينا عليه الصلاة والسلام في الحفاظ على هذه النفس البشرية، أن لا يوجه المسلم سلاحه على أخيه لسبب دنيوي، ليس لأمر شرعي. فقد جاء عن أبي بكرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا التَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل لأنه هو الذي باشر القتل، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ لماذا المقتول يكون في النار؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». هذه نيته وهذه طويته، لما نوى هذه النية السيئة كان حكمه كحكم القاتل، وأنه في النار. فالحذر الحذر أيها المسلمون أن نتقاتل على هذه الدنيا الفانية، على لقاعة من لقاعاتها، على أرض، على شيء من المال، على شيء من المناصب وغير ذلك، فإن هذا عين ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم. وأعظم من ذلك، أيها المسلمون، عباد الله، ما تقوم به بعض الجماعات المنحرفة، من جماعات التكفير والتفجير، من قتل المسلمين الآمنين، ومن الاعتداءات الغادرة على النقاط العسكرية. فهذا والله من الظلم، ولا يتصل بالإسلام بصلة. فإني والله أشهد الله أن ما يقوم به هؤلاء ليس من الإسلام في شيء، ليس من الإسلام في شيء. فليتقوا الله عز وجل في دماء المسلمين. وكذلك، عباد الله، ألحق علماؤنا المعاصرون ما يكون من بعض الناس من السرعة الزائدة في قيادة السيارات، حتى لربما تؤدي هذه السرعة إلى الانقلاب أو إلى الاصطدام أو نحو ذلك، عدوا ذلك الأمر من قتل النفس، من قتل النفس، لأن هذا الفعل يعد من التهور، ويعد كذلك من الأمور التي هي مظنة هلاك النفس. ولقد سمعنا من إحصائيات الحوادث أن أكثر الحوادث وأكثر الموت في تلك الحوادث إنما هو بسبب السرعة الزائدة. وأخطر من ذلك السرعة بالدراجات النارية، مما نراه من بعض شبابنا يذهبون مسافات بعيدة في الشرق أو في الغرب، ويسرعون سرعة زائدة، لربما طلق السرعة ولم يترك مجالاً لها. هذا أمر يا عباد الله قد شاهدناه وشاهدتموه، وكم حدثت بسببه من حوادث خطيرة، وذهبت بسببه أرواح كثيرة. بين الفينة والأخرى نسمع أن شاباً قد مات، لماذا؟ قالوا: انقلب من على دراجته، لماذا؟ لأنه كان مسرعاً، أو يركب على الدراجة ركوباً كثيراً، ثلاثة أو أربعة، مما يفقده التوازن في قيادته. فهذا أمر خطير يا عباد الله، والمسؤولية الأولى تكون على كواهل الأولياء. يجب على الآباء أن يوجهوا أبناءهم، وأن لا يمكنوهم من مثل هذه الدراجات إن علم منهم مثل هذه الأفعال، فأرواح الناس ليست رخيصة، عباد الله. إنه ليحزننا أشد الحزن أن نسمع بين الفينة والأخرى أن بعض شبابنا قد فقد الحياة بسبب تلك الحوادث المؤلمة. فاتقوا الله عباد الله، ووجهوا هؤلاء الشباب. وكذلك نصيح لشبابنا أن يتقوا الله عز وجل، وأن لا يسرعوا، وأن لا يركبوا في هذه الدراجات أكثر من شخصين اثنين، فإن الحمولة الزائدة تكون سبباً لفقدان التوازن، فتكون به الحوادث، تكون به الحوادث. وهنا رسالة أخرى للجهات المسؤولة للمرور وغيرها، أن يضربوا بيد من حديد على الشباب الذين يتهاونون ويتساهلون في هذا الأمر، بقيام الحملات الدائمة، ليست المؤقتة، ومن رأوا منه ذلك يوقفوه، ولا بأس أن يغرموه تأديباً له، فإن ذلك من المصالح الشرعية. وكذلك نصيحة أخرى لمن؟ لهؤلاء الشباب، أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وأن يحفظوا حياتهم، أن يحفظوا حياتهم. فكم من أصدقاء لهم لقوا حتفهم بسبب تلك السرعة وبسبب ذلك التهور. فنسأل الله أن يحفظنا، وأن يحفظ شبابنا، وأن يحفظ المسلمين جميعاً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر.