الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ناقش المقطع مسألة أخذ الأجرة على التحديث وآراء العلماء حولها، حيث اختلفوا بين المنع والترخيص مستدلين بأحاديث نبوية وآراء فقهاء. كما تطرق إلى انتشار هذه الظاهرة بين المحدثين وتأثيرها.
تطرق المتحدث إلى موضوع مراتب الجرح والتعديل واصطلاحاتها، موضحًا اختلاف العلماء في تصنيف هذه المراتب وتفصيلها، مع التركيز على أهمية فهم عبارات الجرح والتعديل في سياقها التاريخي والثقافي.
يتناول المقطع شرح عبارات الجرح والتعديل ويوضح معانيها ودلالاتها في تقييم الرواة، كما يشير إلى تأثير فقدان شروط الأهلية على رواية الحديث والتركيز على اتصال السلسلة في الإسناد.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال: مسألة: ومن أخذ على التحديث أجرة، هل تقبل روايته أم لا؟ روي عن أحمد وإسحاق، بحاتم، أنه لا يكتب عنه؛ لما فيه من قلة المروءة. وترخص ابن عيينة، والفضل بن دكين، وعلي بن عبد العزيز، وآخرون. قال علي بن عبد العزيز البغوي: كما تأخذ الأجرة على تعليم القرآن. قد ثبت في صحيح البخاري: «أن حق ما أخذتم عليه أجر كتاب الله». وقد أفتى شيخ أبو إسحاق الشيرازي، فقيه العراق ببغداد، صاحب كتاب «المهذب» و«التنبيه» -والذي شرحه النووي في «المجموع»-: قال: وقد أفتى شيخ أبو إسحاق الشيرازي، فقيه العراق ببغداد، لأبي الحسن بن النقور، بأخذ الأجرة لشغل المحدثين له عن التكسب لعياله. هذه المسألة -مسألة أخذ الأجرة على التحديث- معنى كثير من هذا العلم جعلها من الأمور التي تقدح في الشخص، ولا يأخذ عنه الحديث؛ لأنها معنى يكون شيئًا يخرم المروءة. كيف يكون رجل عالم، فيأتيه الحديث، فيقول: إن أردت حديثًا بكذا، حديثين بكذا؟ هذا صار بيعًا. فكأنه يقول: أحدثك -مثلًا- عشرة أحاديث بمئة دينار، مئة حديث بكذا. فصار الأمر بيعًا، فعرض الحديث على مثل البضاعة. فلهذا كره العلماء مثل هذا، ولم يكتبوا عن من كان يفعل ذلك. ورخص بعض العلماء فيه. لكن الإمام أحمد -رحمه الله- قد كتب عن أبي نعيم، مع أنه كان يأخذ الأجرة. لكن بعض من يأخذ الأجرة ما يشترط، ما يشترط على أحد. لكن من أعطاه أخذ، ومن لم يعطه لم يأخذ. وتجد أن في تلك العصور -في زمن أتباع التابعين- انتشر مثل هذا الفعل: أن الإنسان يحدث، ويعطى أجرة. فلهذا انتشر القصاص الذين يرغبون في الأموال. فتجد أنه يقص لهم قصة، ويضع عمامته، أو يضع شيئًا، حتى يضع فيه من أراد أن يعطيه مالًا. يعطيه حتى بعضهم تجد يحتال، مثل ما فعل بديع الزمان -يعني في القصص- بديع الزمان في «المقامات»، في مقامات بديع الزمان، ذكر من القصص التي ذكرها: أن رجلًا -وهو سعد بن هشام- هذا الذي يقول: قال سعد بن هشام: جاء إلى مسجد، وقال: يا قوم، أريد أن أخبركم بقصة رأيتها، ورأيت فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فاشرأب الناس لهذا. قال: وأنا ما أريد أن تعطوني شيئًا، فمن أراد أن يعطيني فليدفع، ومن لم يرد أن يعطيني لا يعطيني شيئًا. أنا كأنه زاهد، إنما يريد أن يخبرهم فقط بهذا المنام. فالمهم ذكر بعد ذلك منامًا رأيته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذا يقول، كذا ويقول، كذا. لكن قدم أن من أراد أن يعطيه أعطاه. فأعطوه بعضهم على أساس هكذا. فالمهم أن صارت هذه حرفة للقصاص، صارت حرفة للقصاص: أنه من قص أخذ. ولهذا لما صلى الإمام أحمد، ومعه أيضًا الإمام يحيى بن معين، في الرصافة -مسجد الرصافة- وجدوا شابًا قام يتكلم، وقال: حدثني أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، كذا، وذكر قصة طويلة جدًا. قال: كان أحمد ينظر في يحيى، ويحيى ينظر في أحمد، لينظر هذا القصة. فلما انتهى، جلس، فناوله الناس يعطونه. قال: فجئنا إلى يحيى بن معين، يقول: جئنا إليه، فظلنا أننا نعطيه شيئًا. فقلنا: يا فتى، من أين لك هذا القصة؟ وكذا. قال: حدثني بها أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. قال: أنا يحيى، وهذا أحمد. قال: لقد سمعت أن يحيى بن معين أحمق، فليس في هذا العالم يحيى بن معين إلا أنت، وأحمد بن حنبل. قال: قد رويت عن ستة أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. معناها الحمق ظاهر فيه. فالمهم، فتجد أن هذا في ذاك العصر، صار الناس يقصون، ويأخذون أموالًا منهم. فانتشر أيضًا حتى عند المحدثين: أنهم يأخذون، يعطيهم بعضهم أموالًا إذا حدث. يعطيه مالًا، حدثه بحديث، يعطيه. فبعض هؤلاء العلماء يقبل، وبعضهم لا يقبل. لكنه ما يشترك خاصة كثير من هؤلاء البغداديين -كهشام بن عمار- وكذلك كثير من هؤلاء الكوفيين -كأبي نعيم- وغيره، كانوا يأخذون. وعفان في البصرة، لكن ما كانوا يشترطون، ما كانوا يشترطون على أحد: أنه تريد حديثًا بكذا. لكن جاء بعد ذلك: أن هناك من العلماء من كان يشترط: تريد حديثًا بكذا، تريد حديثين بكذا. فصار مثل البضاعة. ولهذا اجتهد العلماء في أن يكون مثل هذه الأمور يتخلى عنها المحدث، إلا إذا اضطر إليها. يعني مثل ما أفتى أبو إسحاق الشيرازي للحسن بن نقور: أنه منعه من أخذ الأجرة على الحديث. قال: مسألة: قال الخطيب: على العبارات في التعديل والتجريح، يقال: حجة، أو ثقة. وأدناه يقال: كذاب. قال: قلت: وبين ذلك أمور كثيرة يعسر ضبطها. وقد تكلم الشيخ أبو عمر على مراتب منها. وثم اصطلاحات لأشخاص ينبغي التوقيف عليها. مسألة المراتب التعديل والجرح. أول من كتب هذه المراتب هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله عليه- هو أول من كتب هذه المراحل، أو مراتب الجرح والتعديل. وذكر أربع مراتب في التعديل، وأربع مراتب في الجرح. ومن ثم ابن الصلاح زاد فيها خامسة. وكذلك العراقي، والذهبي، وآخر من فصل في هذه المراتب، وكملها، وأتى بما يثلج صدر الحافظ بن حجر -رحمه الله عليه- فجعلها ست طبقات، أو ست مراتب في التعديل، وست في الجرح. وبعضها مختلط بين الجرح والتعديل. فبدأ الحافظ بخلاف ما بدأ به الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم. فالحافظ رتبه أولًا بأعلى شيء في الجرح -أقصد في التعديل- ثم نزل إلى أدنى شيء في التعديل. ثم بدأ بأدنى شيء في الجرح، ثم صعد إلى أعلى شيء في الجرح. معنى: جعل أعلى مرتبة في التعديل ما يقال: أوثق الناس. ثم هو جعل أعلى مرتبة في الجرح: أكذب الناس، فبصيغة أفعل. ثم جاء بتكرار الكلمة أيضًا: ثقة ثبت، أو ثقة ثقة ثقة، حجة، إلى آخر ما ذكره -رحمه الله-. وهناك أيضًا اصطلاحات عامة عند العلماء، والاصطلاحات خاصة، لابد لطالب العلم والباحث في الحديث أن يعرف هذه الاصطلاحات. الاصطلاحات بعضها عامة لعامة العلماء، يذكرون هذا. وبعضها اصطلاحات خاصة أن تخص بعض الأئمة. قال: من ذلك أن البخاري إذا قال في الرجل: سكت عنه، هذا من الخاص الذي يخص البخاري، أو «فيه نظر»، فإنه يكون في أدنى المنازل عنده. ولكنه لطيف العبارة في التجريح. فليعلم ذلك. حتى «فيه نظر» -كما قال هنا- يعني: فيه نظر. أو يقول: «تكلموا فيه»، وهذه من العبارات الجرح الشديدة عند البخاري. قال: وروى ابن الصلاح أن أحمد بن صالح المصري أنه قال: لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. وهذه قال أيضًا النسائي: كان لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. المراد في كلام النسائي: أنه يجتمع أهل العصر -أهل الطبقة- الذين عرفوا بالجرح والتعديل. مثلا في زمن أتباع التابعين: يحيى، وعبد الرحمن، ومن بعدهم. مثلا: أحمد، وابن المدينة، ويحيى بن معين. ومن بعدهم: البخاري، ومسلم، والزرعة. وهكذا. فإذا اجتمع مثل هؤلاء، فغالبًا يكون كلامهم -يعني- لا يخرج عنهم. قال: وقال ابن معين: إذا قلت: ليس به بأس، فهو ثقة. هذا من الأمور الخاصة. وقال ابن أبي حاتم: إذا قيل: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو من يكتب حديثه، وينظر فيه. هذا قال في مقدمة الجرح والتعديل، عندما ذكر المراتب. قال: وقد بسط ابن الصلاح الكلام في ذلك. والواقف على عبارات القوم يفهم من مقصدهم، بما عرف من عبارات في غالب الأحوال. وبقرائن ترشد إلى ذلك. يعني: بعض الكلمات ما تدري: هل هي من التعديل أو من الجرح؟ بل بعضها ظاهرها تعديل، وتجد أنها أراد بها الجرح. مثل ما ذكروا: عندما يجرح بعضهم، فيقول: «بين يدي عدل»، «بين يدي عدل». معنى هذا: ظاهرها أنها تعديل، لكنها هذه الكلمة تدل على التجريح الشديد. «بين يدي عدل». وإنما قالوا: أن عدل هذا الرجل كان في ذلك الزمان هو سياف -مثل السياف- أو مثل الذي يقيم الحدود، ويعذب أهل الجرائم. فإذا أرادوا أن يقولوا: أن الرجل هلك، فيقولون: «بين يدي عدل»، خلاص. معنى أنه هلك، إما مات، وإما أنه يضربه ضربًا شديدًا. فيقال: «بين يدي عدل». فلهذا إذا قالوا في الرجل: «بين يدي عدل»، معنى أنه هلك. وهكذا. قال: قال ابن الصلاح: وقد فقدت شروط الأهلية في غالب أهل زماننا. ولم يبق إلا مراعاة اتصال السلسلة في الإسناد. فينبغي أن لا يكون مشهورًا من فزق ونحوه. وأن يكون ذلك مأخوذًا عن ضبط سماعي من مشايخ من أهل الخبرة بهذا الشأن. يريد: في الأزمنة المتأخرة، بعد زمن الرواية، ممكن يكتفى فقط بعدم فزق الراوي، وأنه معروف من هذا العلم فقط. هذا معنى. أما الضبط، وكذا، هذه الأشياء بعيدة جدًا؛ لأن الضبط قل في الناس. وأيضًا بعد زمن الرواية، الناس لا يعتمدون على الإسناد كثيرًا، إلا فقط في توثيق النسخ، في توثيق نسخ الكتب، وكذا. أما سماعات الحديث، فهي غالبًا قد توقفت. وإنما يسمعون الكتب، والكتب غالبًا موجودة. مثلا: البخاري، البخاري موجود، وله سماعات كثيرة. فلهذا ما يحتاج لأن يبحث على إسناده. فمن قال مثلا: عندي إسناد البخاري، لا يقال له: هات إسنادك، نرى هل هناك ثقات في إسنادك أو لا؟ فلهذا يقول: فقدت شروط الأهلية في غالب أهل زماني. الحفظ ذهب، وكذا. فلهذا اكتفوا فقط بمراعاة اتصال السلسلة في الإسناد. ما تكون هناك قطعات، ولا أيضًا إجازات بعيدة، وهكذا.