الدرس في شرح كتاب التوحيد 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن غزوة خيبر وتعيين النبي لعلي بن أبي طالب قائدًا بعد شفائه بدعاء النبي، ويبرز فضيلة علي. يشير إلى توجيهات النبي لعلي بالتقدم بحذر.
يشرح أهمية الدعوة إلى الإسلام قبل الجهاد، ويبين أن الجهاد لإعلاء كلمة الله ونشر الدين وليس للتوسع أو الثروات. يشير إلى أمر النبي لعلي بدعوة أهل خيبر.
يبين فضل الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى الخير، ويشير إلى أن هذا الباب متاح للجميع. يحث على أهمية الدعوة إلى التوحيد.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، والذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وذكرنا أن حديث سهل بن سعد يتحدث عن يوم من أيام الله، وهو كان من غزوة خيبر، حينما عزم نبينا عليه الصلاة والسلام على غزو اليهود في قعر دارهم. فلما كان هناك عليه الصلاة والسلام أخبر أن الراية سيعطيها غدًا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. وكان من أمر الصحابة الذين لطالما كانوا من السباقين إلى نيل رضى الله جل وعلا أن تطلعوا لهذه الراية، ليس حبًا في الإمارة، ولكن حبًا في المنزلة. فقال عليه الصلاة والسلام: «أين علي بن أبي طالب؟ أين علي بن أبي طالب؟». وبهذا نعلم أن هذا الذي مدح على لسان رسول الله، والذي قد بلغ هذا المبلغ السامي من الإيمان، من كونه محبًا لله ولرسوله، وهو صادق، وأن الله ورسوله قد أحبوه، هو علي رضي الله تعالى عنه. وفي ذلك فضيلة عظيمة ومنقبة جليلة لهذا الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ومن خلال فضيلته يكون الرد على خصومه وعلى أعدائه، فمنهم الخوارج الذين كفروه بل وقاتلوه، وفيه كذلك الرد على الناصبة ممن استخفوا في حقه بل وسبوه ولعنوه. فهذا فيه ردٌ على أمثال هؤلاء. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «أين علي بن أبي طالب؟» فيه سؤال عن الرعية والاستخبار عنهم. فقيل: هو يشتكي عينيه. ما حضر علي رضي الله تعالى هذا المجلس لماذا؟ لأنه كان يشتكي من مرض في عينيه، وهو الرمد، وكانت الإصابة بهذا المرض إصابة شديدة، حيث أنه لازم الفراش. لهذا ما حضر مع الناس، بل كان من المستبعد جدًا أن يكون علي مختارًا لاستلام الراية، لأنه ما يرى، طريح الفراش ما يرى. فما كان أحد يظن أبدًا أن الراية ستُعطى لرجل طريح الفراش لا يرى ولا ينظر. ولهذا ما حضر علي رضي الله تعالى عنه، ولا غدا مع الناس لكي يستلم الراية. لهذا ما قيل: «أين علي؟» غير موجود. فقيل: يشتكي عينيه. قال: «فأرسلوا إليه». فذهب من ذهب من الصحابة، وقيل: أنه سعد بن أبي وقاص، وقيل غيره، هو من ذهب إلى علي، فجاء به. قال: «فأتى به»، يعني لهذه الدرجة أنه ما استطاع أن يأتي لوحده، لأنه ما يرى. في بعض الروايات أنه ما استطاع أن يأتي إلا أنه يُقاد، يُقاد حتى يُوصَل إلى المحل الذي طُلب إليه. قال: «فبصق في عينيه»، أي قام نبينا عليه الصلاة والسلام بأن بصق في عينيه، عيني علي رضي الله تعالى عنه. والبصق هو التفل، الريق مع شيء من الهواء. قال: «فبصق في عينيه ودعا له». قال: «فبرئا كأن لم يكن به وجع»، أي أنه عوفي بالحال، عوفي بالحال، شفاه الله عز وجل في نفس المكان، لم يتأخر أبدًا العلاج والعافية أن تتنزل على علي رضي الله تعالى عنه، بما كان من بركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وفيه أن الشفاء والعلاج بيد الله سبحانه وتعالى، وإذا مرِضْت فهو يشفي. ولهذا توجه نبينا إلى الله بأن يسأل ربه الشفاء والعلاج لعلي بن أبي طالب، فاستجاب الله لدعائه. قال: «فأعطاه الراية على الوعد الذي أخبر به نبينا: لأعطين الراية غدًا لرجل». فكان هو علي، فدفع له الراية. فقال له: «انفذ على رسلك»، انفذ بمعنى امضِ، امشي، امشي بما معك من الجيش على رسلك، أي على تمهل، لا تندفع في مشيك، لا تندفع، وإنما على رسلك تمشي بتأني. وهذا فيه فضيلة التأني وعدم العجلة وعدم الخبب، تتأنى في أمورك. فألزم نبينا عليًا أنه إذا مضى بالجيش أنه يتأنى في مشيه. قال العلماء: وسبب ذلك أن يتحذر من غدر اليهود، من غدر اليهود، وما عسى أن وضعوه من أفخاخ. وهذا كذلك في هذه الأزمان العسكرية، ما يوجد منها الألغام الأرضية، يحتاج إلى الجند أن يأخذ من هديه ومن تعاليمه عليه الصلاة والسلام. فأمر نبينا الجيش إذا مضى أن يمضي على تمهل. قال: «أنفذ على رسلك». وفيه التوجيه من القائد لأتباعه لما فيه المصلحة. قال: «حتى تنزل بساحتهم»، أي إذا قربت من حصونهم، والساحة تطلق على المكان الذي يكون قريب من الدار، وهي تكون مساحة طويلة وواسعة. فأخبر نبينا إذا مشيت إلى حصون خيبر ودنوت من حصونهم وكنت في ساحاتهم. قال: «حتى تنزل بساحتهم ثم ادعوهم إلى الإسلام». وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، الدعوة. قال: «ثم ادعوهم إلى الإسلام، أنك تدعوهم إلى دين الله». الدعوة وبهذا نعلم إخواني في الله أن الجهاد ما أقيم أصلاً إلا لإعلاء كلمة الله، وما فرض الجهاد إلا لنشر الإسلام. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله الوحدانية لله. فما شرع الجهاد إلا لإعلاء كلمة الله. وفي هذا رد على مزاعم الملاحدة من اليهود والنصارى ومن الأبواق العلمانيين ممن يرى أن في الجهاد قرصنة، وأن الجهاد إنما المراد منه التوسع وطلب الثروات. لا، عبد الله، الإسلام ما ينظر إلى هذه المسألة، بل إن الإسلام يدعو إلى نشر الدين، إلى وحدانية الله، بدليل أن البلاد إذا أسلمت تركت لأهلها، تركت، ما يُراد منها شيء، تبقى البلاد لأصحابها، لكن يذعن لله بالوحدانية. ليس المقصد الأراضي، وليس المقصد التوسع الاستعماري كما يتبجح به البعض. فإن الجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله. وكذلك في هذه المقالة من نبينا: «ثم ادعوهم إلى الإسلام»، فيه بيان على أن الدعوة إلى الإسلام قبل الجهاد. كان بإمكان نبينا أن يقول لعلي: إذا دولت أغزهم، لا، وإنما في الساحات انتظر، دانوت من حصونهم، أعطيهم الفرصة، أدعوهم، أعطيهم الفرصة بأني ألزمكم بالإسلام، آمركم بالدخول في دين الله جل وعلا. وبهذا تعلم إخواني في الله أن الإسلام هو دين الرحمة، هو دين الرحمة. قال: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه»، أي بعدما أن تلزمهم بالإسلام وبوحدانية الله وبشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. كذلك أخبرهم بما يجب عليهم، بما يجب، يدخل في ذلك الأركان والفرائض والواجبات. فإن ذلك من مقتضى الإيمان. ويستفاد من ذلك أن النطق بلا إله إلا الله ليس هو العصمة، وإنما هو دليل من العصمة أو دليل للعصمة. وأعني بالعصمة أي عصمة الدم والمال والنفس. فلا إله إلا الله ليست هي عصمة أن من قال لا إله إلا الله خلاص يُعصم دمه وماله، لا، وإنما هو دليل على العصمة. من قال لا إله إلا الله تمهلنا فيه، أخفضنا السلاح، ثم ننظر بعد ذلك كيف هو، ننظر بعد ذلك كيف هو، يستمر يمتثل شرع الله أو لا يمتثل شرع الله. فلا نقول بأن لا إله إلا الله أو الإسلام بحد ذاته والعصمة. ولهذا هنا قال نبينا: «ثم ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فأخبرهم بما يجب الله»، بما يجب عليهم من حق الله تعالى، بتأديتي من الأركان والفرائض. وقد مر معنا في حديث معاذ بن جبل عندما أمروا أن يأتي أهل اليمن، مرهم أدعوهم إلى التوحيد، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، ثم أعلمهم. فإذا أتوا بالتوحيد نكف عنهم، هل كف نهائي؟ لا، ننظر بعد ذلك كيف هم في امتثالهم لباقي الشرع، يمتثلوا أو لا. لهذا يقول العلماء: أن النطق بالشهادة هو دليل العصمة، لا أنه عصمة، دليل على العصمة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم». فوالله قسم يأتي به نبينا عليه الصلاة والسلام لعظيم هذا الأمر الذي أقسم به. والقسم إنما يؤتى به للأشياء المهمة. فوالله لأن يهدي الله، والهداية هنا هداية بيان ودلالة وإرشاد، أن تدل الناس على الصراط المستقيم، أن توضح لهم الطريق، أن تبين لهم أبواب الخير، هذه الهداية نحن نملكها، الداعية وطلاب العلم، أهل الصلاح والإصلاح يحملون هذا النوع، هذا النوع من الهداية. أنك يا عبد الله تهدي الخلق إلى الحق، وذلك بالدلالة عليه. قال: «أن يهدي الله بك رجلاً واحدًا فقط واحد»، هذا الفضل الذي سيأتي ليس إنما هو مخصص في حق من هدى جماعات وفئات من الناس، لا، واحد فقط إذا استطعت أن تهدي رجلاً واحدًا، فضل هداية هذا الرجل. قال عليه الصلاة والسلام: «خير لك من حمر النعم»، من حمر النعم، حمر هنا بإسكان الميم، مأخوذ من الحمراء، أي حمراء النعم، وهذه تعتبر من أنفس وأغلى أموال العرب من النوق، هي من أنفسها وأغلىها ثمنًا. بإسكان الميم حمر، أما الحمر بضمها فهي جمع الحمار، وليس هذا المقصود، وإنما المقصود حمر بإسكان الميم، أي النوق الحمر، وهي من أنفس أموال العرب. وفي هذا الحديث بيان على أن تشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا من باب التقريب. وإنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام هنا أن يبين لك أن هداية الناس إلى الخير أجره عظيم، كحال من يكون في دنيا يتلقى حمر النعم، كذلك في الثواب والأجر لك هذا الفضل وأعظم وأكثر، من باب التقريب للأذهان. وفي هذا كذلك جواز الحلف على الفتوى، جواز الحلف على الفتوى، وذلك في الأمور المهمة. أما إذا كان الأمر ليس بمهم فلا تحلف يا عبد الله، فلا تجعل الله عرضة لأيمانكم كما يفعل بعض الناس على كل شيء يحلف، على كل مجلس يحلف، على كل مقام يحلف، على كل أمر يحلف، والله وبالله وتالله، لا زال اليمين والحلف على لسانه، لا تفعل هذا يا عبد الله، فإن هذا مما يكره في حق الحالف. والله عز وجل قد كره ذلك، فلا تجعل الله عرضة لأيمانكم، ولكن إذا حلفت احلف في الأمور المهمة، وقل ما يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم إلا في مثل هذه المسائل العظام. وفي هذا الحديث كذلك بيان لفضيلة من هدى على يديه رجلاً، ولو واحدًا، كيف إذا انضاف إلى ذلك يا عبد الله أن من تهديه إلى الخير أن ما يعمله من خير يعود إليه. من دل على هدى فله أجره وأجر من عمل به، لا ينقص من أجورهم شيئًا، فضل عظيم. وهذا الباب إخواني في الله متاح، لا تظن أن هذا الباب مغلق. بعض الناس إذا قرأ مثل هذه الأحاديث وما يتعلق بفضل الدعوة وفضل الداعية يرى أن هذا الباب إنما يلحق، يقول: يا بخت من كان طالب علم، الذي عنده مسجد يخطب فيه، ما شاء الله فضلهم عظيم. لا يا عبد الله، وأنت كذلك في بيتك، عندك ابن، عندك ابن ما يصلي، فلا تزال به: صل يا عبد الله، صل يا ولدي، تحاول معه بالترغيب والترهيب، فإن صلى فلك أجر صلاته، لأنك أنت الذي هديته، فلك أجر صلاته. أخذته إلى حلقة من حلقات العلم: اذهب يا أبني إلى حلقة الفلانية، اذهب إلى مسجد مساجد السنة، تعلم. فلتزال أنت يا ولي الأمر أو أنت يا ربة الأسرة الأم، فليزال يدفعان بأبنائهم إلى حلقات العلم. فإن انضم والتحق بحلقات العلم، هذه دعوة منكم إليهم، فكل ما يعمله هذا الصبي من خير، من ذكر، من حفظ، فلكم الأجر، فلكم الأجر. فمضمار الدعوة أعظم يا إخواني في الله أن يكون عبارة عن وظيفة تكون أصحاب الأوقاف أو من تدب للخطابة والإمامة، لا، الأمر واسع. فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا، وهذا الباب واسع، وأعظم من ذلك أن تدل الناس إلى التوحيد، كمن يعيش في براثن الشرك، من عشعشت في ذهن أفكار الجاهلية الأولى، فيعتقد في غير الله من التوكل والرجاء والمحبة والإنابة والاستغاثة والدعاء، أو من كان كافرًا يهوديًا أو نصرانيًا. ففتح لك المجال في مضمار الدعوة إلى الله عبر التواصل الاجتماعي، فتتواصل مع الناس لكن بعلم، بمعرفة، فتدعو غيرك للإسلام. ولله الحمد هذا المضمار مبارك، والله قد بلغنا أن رجلاً من المسلمين استطاع لوحده، بوحده، وبعظيم توكله على ربه، أنه أسلم على يديه أكثر من مليون، أكثر من مليون. فالتوفيق من الله عز وجل، يذهب إلى أدغال أفريقيا، وبما أعطاه الله من المال، فينشئ الآبار ويساعد الفقراء ويساعد المساكين. وأنت معك حجة الله الكتاب والسنة، هم معهم الشرك، فتدعوهم إلى التوحيد، لما يسمعون من الذكر، فتؤثر على الخلق. وقد فعل هذا الفعل حتى هذا الرقم، إنما هو قليل في حقه، ليس مليون بل ملايين دخلوا للإسلام على يد رجل واحد، هذا فضل الله عز وجل. والله سبحانه وتعالى إذا علم من عبده صدق الإرادة والنية والإخلاص لله، فالله يبارك في الأعمال. لكن أنوية عبد الله، لأنك تستثقل، تدفع هذا الباب، أكثر ناس يدفعون هذا الباب، لو ربما يقول: نعم، كلمني في الصلاة، كلمني في النوافل، كلمني في الطاعات، أنا معك، لكن دعو أدعو غير الله يا عبد الله، ابعد عن هذا الباب. فتأتي ماذا؟ الاستثقال، الاستثقال والتكاسل، تحرم من باب عظيم، وهو بمقدورك تدعو الله. وأنت في مدرستك تدعو الله، وأنت في عملك تدعو الله، وأنت في برك تدعو الله، وأنت في بحرك، وأنت في على ربان عبري، ولا في قارب، تجد من الناس من ربما يشرب بالشمال، ويلا فلان لا سمحت بيمينك، الله يحفظك باليمين، هذه دعوة. فإن شرب باليمين ومضى، تؤجر على كل أكل أو شربة تناولها بيمين إلى يوم القيامة. فلا تستهين يا عبد الله، فهذا باب عظيم. فشاهد إخواني في الله في هذا الحديث حديث السهل بن سعد، والذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. في بيان كما ذكر المؤلف الأدل من القرآن والسنة في بيان أن الإنسان الموحد، ومن كامل توحيده في نفسه، بأن علم وخاف وخشع على نفسه، وحقق التوحيد في ذاته، فعليه أن يستكمل التوحيد في غيره، وذلك بأن يدعو غيره لهذه الكلمة العظيمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.