الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الوجادة هي العثور على كتاب أو حديث بخط شخص آخر بإسناده، وقد اختلف العلماء في جواز الرواية بها بناءً على صحة الخط وضبطه. العمل بها يختلف باختلاف العصور.
يناقش حكم كتابة الحديث وضبطه، حيث كان النهي في البداية خشية الالتباس بالقرآن، ثم أجيز فيما بعد بعد رسوخ القرآن عند الصحابة. العلماء أجمعوا في العصور المتأخرة على جواز كتابة الحديث.
يتناول آداب كتابة الحديث النبوي، مثل كتابة الحديث بخط واضح، وتفريق الحديثين بدائرة، وكتابة الصلاة على النبي بشكل كامل، ومقابلة النسخة بالأصل المعتمد. يشدد على توضيح عبارات التخريج والتطبيب والتصحيح.
الناس توهموا أن الخاء معجمة، ولكن المشهور أنها خاء غير معجمة، مع وجود إجماع محكى على ذلك. هذا التوضيح يساعد في فهم النصوص بدقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القسم الثامن الوجادة، وصورتها أن يجد حديثًا أو كتابًا بخط شخص بإسناده. الوجادة معنى من اسمها، يعني أن يجد كتابًا بخط شيخ من مشايخه أو بخط الشيخ الفلاني أو مكتوب اسمه فيه، فهنا نتأكد أن هذا خط فلان، فهل يرويه؟ قال: فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: وجدت بخط فلان حدثنا فلان ويسنده. ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله: وجدت بخط أبي حدثنا فلان ويسوق الحديث. فإذا تأكد أن هذا خط شيخه، مثل ما يذكر عبد الله يعرف خط أبيه، فإذا وجد بخط أبيه شيئًا رواه في المسند، لأنه أولًا عنده إجازة في ذلك، فهو وجادة وإجازة. وإلا، الوجادة لم يقل بها الشافعي، بل الشافعي رحمه الله يرى عدم الرواية بالوجادة، أن خطوط الناس تشتبه، أن الإنسان أحيانًا يغلط في الخط، يظنه خط فلان وهو ليس بخطه. لكن نحن نقول كما قال بعض العلماء: إذا تأكد أنه خط فلان، فإن كان مجيزه فهذا وجادة وإجازة، وإن كان ليس مجيزًا له فهو وجادة فقط. قالوا: له أن يقول: قال فلان، إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقي. قال ابن الصلاح: وجازف بعضهم فأطلق فيه حدثنا وأخبرنا، وانتقد ذلك على فاعله، أنه هذا خطأ، أن من أين حدثك أو أخبرك وهو إنما وجده في كتابه. قالوا: له أن يقول: فيما وجد من تصنيفه بغير خطه، ذكر فلان وقال فلان، ويقول: بلغني عن فلان. معنى ذلك إذا كان له تصنيف في كتاب، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه مقابلة كتابه. والله أعلم. قلت: والوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وأما العمل بها، فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين أو أكثرهم، فيما حكاه بعضهم. ونقل عن الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها. المعروف عن الشافعي أنه لا يعمل بها، لكن هنا يقول: أنه يعمل بها، مع أن الشافعي يشدد في الفاض التحمل، فهو ما يرى إلا السماع، وكذلك العرض. لكن هنا ذكر أنه يرى العمل بها. لكن معناه يقال: العمل بها إذا تحقق أنه خط فلان. وأما في العصور المتأخرة بعد زمن الرواية، فقد ذكر الإمام ابن الصلاح أنه من المتوجب العمل بها. قال: قال ابن الصلاح: وقطع به بعض المحققين من أصحابه في الوصول بوجوب العمل بها عند حصول اليقين به. قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في العصور المتأخرة، لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني فلم يبق إلا مجرد وجادات. قلت: قد ورد في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قال: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قالوا: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها. قالوا: قد ذكرنا الحديث بإسنادي ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد. فيأخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة. والله أعلم. وهذا بعض ما العلم يقول: أن فيه نظر، أنا من ناحية أنه ليس فيه دليل على هذا، بل قوم قال: بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا، لأن هؤلاء قد أتاهم شيء بيقين، ليس أنهم يجدونه مكتوبًا فقط. فلهذا فالاستدلال به فيه شيء من الغموض. لكن كما قال ابن الصلاح: لو سد باب الوجادة خاصة في العصور المتأخرة، لسد بابًا عظيمًا، لأن الناس اعتمدوا على الوجادة. قال: النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقييده. هذه الأجزاء غالبًا لا يحتاج إليها كثيرًا، لهذا نقرأ فيها. قال: قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه. قال ابن الصلاح: ومن روي عنه كراهة ذلك عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى، وفي جماعة آخرين من الصحابة والتابعين. قال ابن الصلاح: وروي عنه إباحة ذلك أو فعله علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمر وأبو هريرة أيضًا، وجمع من الصحابة والتابعين. قلت: وثبت في الصحيحين أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اكتبوا لأبي شاه. وقد تحرر هذا الفصل في أوائل الكتابين المقدمات، ولله الحمد. وخلاصة هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة وأجازها، نهى عن كتابة الحديث حتى لا تختلط بالقرآن، ثم لما رسخ القرآن عند الصحابة أجازها لعبد الله بن عمرو وأجازها كذلك لهذا الشخص لأبي شاه، وأجازها لغيره. وقال لعبد الله بن عمرو: أكتب، والذي نفسي بيده لا يخرج مني إلا حقًا، فأجازه على الكتابة، فدل على الجواز. وإنما نهى عنها لما كانت قبل، وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تشتبه بالقرآن. قال: والصحابة رضي الله عنهم الذين قالوا بالنهي أيضًا أخذوه عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يخاف الالتباس بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك. والله أعلم. وقد حكي إجماع العلماء في العصور المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث، وهذا أمر مستفيض شائعًا دائمًا من غير نكير. وأراد بعض المشاغبين أن يشغبوا على أهل الحديث بهذا، كأبي رية وغيره، رجل قال له أبو رية رجل مفسد، وأراد أن يعترض على هذا الحديث لأن كتابة الحديث لا تجوز. وغيره من هذا الكلام ورد عليه العلماء، وأفضل رد على أبي رية ما ألفه الحافظ المعلم رحمه الله سماه الأنوار الكاشفة. فالرد على أبي رية في اتهامنا لأبي هريرة بعدم الحفظ، وكذلك في ذكر هذه المسائل. قال: فخلاصة الأمر أنه يجوز. فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث أو غيره من العلوم أن يضبط ما يشكل منه أو قد يشكل على بعض الطلبة في أصل الكتاب نقطًا وشكلًا، إلا ما هو المصطلح عليه بين الناس. ولو قيد في الحاشية لكان حسنًا، حتى يضبط الكلمة يضبطها بالشكل أو بالنقط. والأفضل إذا كان في كتاب مصنف أنه لا يكتب في أصل الكتاب، يكتبه في حاشية. قال: وينبغي التوضيح، ويكره التدقيق والتعليق في الكتاب لغير عذر. قال الإمام أحمد: قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل وحنبل بن إسحاق: قد رأيت يكتب دقيقًا لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه. أنا يكتب بخط دقيق. وقال له: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه. هذا كلام حق، أن أحيانًا تحتاج إلى هذا الكلام وهو مكتوب بخط دقيق فلا تستطيع أن تقرأه. قال ابن الصلاح: وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة حتى يفرق بين الحديث. ومما بلغنا عنه ذلك أبو الزناد وأحمد بن حنبل وإبراهيم الحربي وابن جرير الطبري. قلت: قد رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. معنى يقول ابن كثير: رأيت في خط الإمام أحمد أنه يفرق بين الحديثين بدائرة. قال الخطيب البغدادي: وينبغي أن يترك الدائرة غفلًا، فإذا قابلها نقطة فيها نقطة غفلًا، أي مغلقة. قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب عبد الله ابن فلان فيجعل عبد آخر سطر والجلالة في أول سطر، بل يكتبهما في سطر واحد، أنا لا يجعل عبد آخر السطر والله في السطر الثاني. وهذا من باب التعظيم، قاله ليحافظ على الثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله. قال: وأن تكرر فلا يشم، فإن فيه خيرًا كثيرًا. قاله: ما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة فمحمول على أنه أراد الرواية. قال الخطيب: بلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نطقًا لا خطًا. والإمام أحمد رحمه الله نقل عنه ابن الرجب وغيره أنه كان يرى أن الناسخ يتبع الأصل الذي ينسخ منه، فإن كان الناسخ فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يكتبها، وإذا لم يكن فيها مكتوب فينطقها ويكتبها مثل ما كانت. قال ابن الصلاح: وليكتب الصلاة والتسليم مجملة لا رمزًا، أنا لا يقول صلعًا. قال: ولا يقتصر على قولي عليه السلام، يعني وليكتب صلى الله عليه وسلم واضحة كاملة. وإن أدخل العال والصاحب أيضًا أفضل، لأن خاصة العال جاء في الصيغ التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه، فلا بأس، بل قد يكون أفضل، أنه يدخل الآل في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أن يقول: صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا بأس أنه يختصر يقول: صلى الله عليه وسلم. قال: وليقابل أصله بأصل معتمد، أن هذا أيضًا من آداب الكتابة، أنه يقابل أصله بأصل معتمد، إما بأصل الشيخ أو بأصل قوبل بأصل الشيخ. قالوا: مع نفسه أو مع غيره من موثوق به ضابط. قالوا: من الناس من شدد وقال: لا يقابل إلا مع نفسه. قالوا: هذا مرفوض مردود، معنى سواء كان مع نفسه أو مع غيره يقابل، ما في شيء. قالوا: قد تكلم الشيخ أبو عمر على ما يتعلق بالتخريج والتطبيب والتصحيح وغير ذلك من العبارات المضطردة والخاصة، ما أطال الكلام فيه جدًا. التطبيب معنى وضع الإشارات، معنى وضع ضبة على الكتابة أو وضع دائرة أو وضع كذلك يسمى تطبيبًا. والتخريج هو تخريج في الحاشية، أن التطبيب يكون في الكتاب، والتخريج يكون في الحاشية، أنه يعمل علامة ثم يخرج في الحاشية. والتصحيح معروف. قالوا: تكلم على كتابة حاء بين الإسنادين، وأنها حاء مهملة من التحويل أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله: الحديث، أن فيها ثلاثة أشياء، إما تحويل سند أو أنه الحائل بين الإسنادين أو اختصار كلمة حديث. قلت: من الناس من توهم أنها خاء معجمة، أي إسناد آخر. والمشهور الأول، وحكي بعضهم الإجماع عليه.