كتاب الصلاة 14

كتاب الصلاة 14

الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الصلاة على النبي في التشهد

اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي في الصلاة إلى ثلاثة أقوال: وجوبها كركن، والقول بالتفصيل وهو واجبة لكن لا تبطل الصلاة بتركها سهوا أو جهلا، واستحبابها. واستدل كل فريق بالأدلة الشرعية.

أدعية مستحبة بعد التشهد وقبل السلام

يستحب بعد التشهد أن يستعيذ المسلم بالله من أربع: عذاب جهنم، عذاب القبر، فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. كما يستحب الدعاء بالمغفرة والرحمة، مثل دعاء أبي بكر الصديق الذي علمه النبي عليه الصلاة والسلام.

أذكار ما بعد الصلاة وقضاء الفوائت

يستحب بعد الصلاة أذكار مثل التكبير والاستغفار وقراءة آية الكرسي، وهذه الأذكار لها فضل في مغفرة الذنوب. كما يشرح حكم قضاء الصلاة الفائتة بسبب النسيان أو النوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال المصنف رحمه الله: الحديث التسعون بعد الثلاثمائة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تجوز صلاة إلا بتشهد. رواه عبد الرزاق أي في مصنفه، وكذا أيضا أخرجه أبو شيبة وغيرهما. وفيه حملة ابن عبد الرحمن وهو الراوي عن عمر، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، فهو في عداد المجهولين. وهذا الأثر موقوف من قبل عمر، لكن فيه ضعف. قد مر معنا الكلام على التشهد، والصحيح أنه واجب، أن التشهدين واجبان: الأول واجب لا تبطل به الصلاة إذا تركه الإنسان سهوا، ويجبره بسجود السهو. والتشهد الثاني اعتبره بعضهم ركنا لا تصح الصلاة إلا به. قال حديث الحادي والتسعون بعد الثلاثمائة: وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته فقال: لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: عجل هذا. ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء. رواه الثلاثة وصححه الترمذي. هذا الحديث كما سمعتم، النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله، أي لم يثن على الله سبحانه وتعالى، ولم يصل على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: عجل هذا، يعني تعجل في أمره وفي دعائه وفي صلاته. ثم قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء. استدل، بهذا الحديث من قال من أهل العلم بوجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك بقوله: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يصلي، يعني ليصلي، فهو خبر يراد به الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وكذلك ما سيأتي بعده حديث ابن مسعود في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام في قولهم: إن الله أمرنا أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فهذه الأحاديث استدل بها من قال بوجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. اختلف العلماء في هذه المسألة في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وذكر ابن رجب ثلاثة أقوال: القول الأول هو وجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى الركنية، أي لا تصح الصلاة إلا بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر هذا القول عن الإمام الشافعي رحمه الله. والقول الثاني القول بالتفصيل، وهو قول الإمام أحمد: أن الصلاة واجبة ولا تصح الصلاة إلا بها، لكن من تركها سهوا أو جهلا فإن صلاته صحيحة. واستدل بهذا الحديث، ففي هذا الحديث لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل أن يعيد الصلاة مع أنه ما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ركنا لأمره بالإعادة، فدل هذا على أنه واجب وليس بركن. والقول الثالث نسبه إلى أكثر أهل العلم: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة وليس بواجب. وصرفوا هذا الأمر للوجوب والاستحباب بحديث المسيء في صلاته، لما علم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لم يذكر له الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة. قالوا: فدل هذا على أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم مستحبة وليست واجبة. وأعدل هذه الأقوال والله أعلم قول الإمام أحمد: أن الصلاة واجبة لكن لو ترك الإنسان سهوا أو جهلا فإن صلاته صحيحة، جمعا بين الأدلة. قال حديث الثاني والتسعون بعد الثلاثمائة: وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال بشير بن سعد: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما علمتم. رواه مسلم. زاد من رواه ابن خزيمة فيه: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ هذا الحديث أيث بمسعود رضي الله عنه فيه بيان كيفية أو صيغة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام المستحبة في الصلاة. فسأل بشير بن سعد النبي عليه الصلاة والسلام: كيف نصلي عليك؟ أمرنا الله أن نصلي عليك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فكيف نصلي عليك؟ يعني ما هي الصيغة التي تستحبها وترشدنا إليها؟ وإلا هو يستطيع أن يقول: اللهم صل على محمد. وقال ذلك صلى عليه، لكن يريد يعني صيغة تكون كاملة بصلاة عليه عليه الصلاة والسلام. فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فعلموا هذه الصيغة، وهناك أيضا صيغة أخرى أيضا ثابتة، وكلها مما يشرع الاتيان بها في الصلاة. فقول: اللهم صل على محمد، أي أثن عليه في الملأ الأعلى. وعلى آل محمد المراد بالآل الأتباع، الأتباع وأول من يدخل في ذلك أهل بيته عليه الصلاة والسلام ممن آمن به واتبع. نعم، الآل يطلق على الأتباع، يطلق على الأهل، يقال: آل فلان يعني أهل فلان، ويقال: آل فلان يعني أتباعه، كما في قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُقَوَّمُ السَّاعَةُ يُدْخِلُ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ يعني أتباعه ممن اتبعه. وهكذا على آل محمد يعني أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وأول من يدخل بذلك ما سمعتم آل بيته. وكما قال القائل: آل النبي أتباعه من كان منهم من عرب ومن عجم، لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغ أبي لهب. نعم، وقال: كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، البركة كثرة الخير، تدعو أن يجعل الله سبحانه وتعالى الخير والبركة وأن يكثر ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني في شريعته وفي دينه وفي أتباعه. وهكذا أيضا وعلى آل محمد أن يجعل فيهم البركة إلى آخره. وقول: إنك حميد مجيد، إنك حميد حميد على وزن فعيل، حميد على وزن فعيل، حميد بمعنى مفعول، أي حميد بمعنى محمود، أي الذي يحمده الخلق ويكثرون من حمده والثناء عليه. والله جل وعلا يحمد لكماله سبحانه وتعالى، فهو الكامل عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته، ويحمد لكمال إنعامه، فهو المنعم على العباد المتفرد بذلك. ومجيد بمعنى أيضا فعيل، والمجد معنى العظمة، أي العظيم. قال حديث الثالث والتسعون بعد الثلاثمائة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. رواه مسلم. وفي رواية له: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير. نعم، هذا الدعاء مما يستحب الاتيان به بعد الفراغ من التشهد، أي تشهد الأخير. فبعد الفراغ من التشهد تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من هذه الأربع، تقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. وفي هذا الحديث استحباب هذا الذكر والدعاء بعد التشهد. واختلف أهل العلم هل هو يعني واجب أو أنه مستحب؟ جمهور العلماء على الاستحباب، وذهب الظاهرية وجماعة من أهل العلم للوجوب، وهو ظاهر الحديث قال: فليستعذ بالله، وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وهو ظاهر الحديث. وفي هذا الحديث كذلك دليل على أن جهنم مخلوقة وموجودة، مخلوقة وموجودة الآن كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة الذين أنكروا ذلك وقالوا: خلقتها الآن عبث، وإنما تخلق يوم القيامة. وهذا الحديث يبطل قولهم. كذلك أيضا فيه دليل على ثبوت عذاب القبر، وأن العبد يعذب في قبره، وفي ذلك أدل كثيرة. وفي هذا رد على المعتزلة والعقلانيين الذين أنكروا عذاب القبر بعقولهم. وهكذا أيضا فيه رد على المعتزلة كذلك الذين ينكرون خروج المسيح الدجال، وفي هذا الحديث الأمر بالاستعاذة من فتنته. وكذلك أيضا في الحديث كله رد كذلك على المعتزلة الذين ينكرون حديث الآحاد ويقولون: إن حديث الآحاد لا تثبت بها العقائد، وإنما فقط يعمل بها في العبادات. ومن تناقضهم يقال لهم: هذا الحديث أليس هو في باب العبادات أم في باب العقائد؟ يقال لهم: هذا الحديث هل هو في باب العبادات أو في باب العقائد؟ إن قالوا: في باب العبادات، نقول لهم: قد أثبت هذه العقائد، وإذا عملتم به في العبادات يلزمكم أن تثبتوا ما تضمنه هذا الحديث من هذه العقائد من إثبات عذاب القبر، وكذلك فتنة المسيح الدجال إلى آخره. فإلا فكيف يثبتونه في باب العبادات ويعملون به ولا يثبتون ما تضمنه من أمور العقيدة؟ وهذا من التناقض. ولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة: أن خبر الآحاد إذا ثبت وصح فإنه يعمل به في باب العبادات والمعاملات وتثبت به العقائد. نعم، وقوله هنا: فتنة المحيا والممات، أي فتنة الحياة، فتنة الحياة وما يتخللها من فتن، فتنة الدنيا، فتنة المال، فتنة النساء إلى آخره. وفتنة الممات، أي فتنة الموت، الافتتان عند الموت. قال حديث الرابع والتسعون بعد الثلاثمائة: واخرج الشيخان نحوه عن عائشة رضي الله عنها، وزاد: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. فقال له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف. في أيضا استحباب الاستعاذة من المأثم والمغرم، يعني نحو ما ذكر فيه ثب هريرة وزيادة: أعوذ بك من المأثم والمغرم. المأثم يعني الإثم، الوقوع في الإثم والذنب. والمغرم أي الدين، أي الدين. فلما سئل عليه الصلاة والسلام: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف، يعني إذا استدان من إنسان وكثرت عليه الديون، وهذا يطالبه وهذا يطالبه، فيحدث فيكذب: يا فلان قال إن شاء الله غدا أو بعد غدا، فيكذب ويعد ويخلف، هو يعرف أنه ما سيوفي له، فيوقع في نفسه وفي الحرج. فلهذا كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من المأثم والمغرم، وهذا أيضا ذكر يستحب كذلك مع ما ذكر قبله. قال حديث الخامس والتسعون بعد الثلاثمائة: وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. متفق عليه. نعم، هذا الحديث في استحباب هذا الدعاء في الصلاة. أبو بكر رضي الله عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، فعلمه هذا الدعاء: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ظلمت نفسي يعني بالذنوب والخطايا والسيئات والتقصير في الواجبات. فعل الإنسان للذنوب هذا ظلم له لنفسه، ويظلم نفسه بذلك لما يعني يفرد في الواجبات أو يرتكب المحرمات، فهذا من ظلم الإنسان لنفسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. هذا الظالم لنفسه الذي يعني يصرّف على نفسه بالذنوب والمعاصي. ولا يغفر الذنوب إلا أنت، أي المغفرة والستر والتجاوز والرحمة لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، فتسأل الله عز وجل وتتوسل إليه أن يغفر لك ما قد حصل منك من ظلم لنفسك. وإن كانت المغفرة يعني تطلق بمعنى الستر، بمعنى الستر، ومنه سمي المغفر الذي يوضع على رأس المقاتل لأنه يستر رأسه. لكن إذا أطلقت لفظ المغفرة فإنه يشمل كذلك الرحمة. فقوله: اغفر لي، يعني استرني وتب علي وارحمني، تجاوز عني. قال: فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، فهنا جمع بين المغفرة والرحمة، حتى ماذا يعني تكون المغفرة بمعنى الستر والرحمة التجاوز عما قد حصل من السيئات. إنك أنت الغفور الرحيم، أي أنت المسمى بذلك والمتصف بالمغفرة والرحمة التي لا يملكها أحد سواك. فهو حديث عظيم وذكر عظيم ينبغي للمسلم أن يحرص عليه أن يأتي به في آخر صلاته. قال حديث السادس والتسعون بعد ثلاثمائة: وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله. رواه أبو داود بإسناد صحيح، والحديث صحيح. ففي هذا الحديث استحباب هذه الكيفية في السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عن اليمين، والسلام عليكم ورحمة الله على الشمال. نعم، هذه ثابتة، والأكثر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصح: السلام عليكم ورحمة الله عن اليمين، السلام عليكم ورحمة الله على اليسار، هذا أصح ما ورد وأكثر ما كان يستعمله النبي عليه الصلاة والسلام. لكن زيادته: وبركاته أحيانا لا بأس فيها، أيضا ثابتة في هذا الحديث. وكذلك أيضا الاقتصار على قول: السلام عليكم على جهة اليمين أيضا وارد، هناك كيفية أخرى أيضا حسنة عند بعض أهل العلم، وهو أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله الجهة اليمنى، والسلام عليكم جهة اليسار. قال حديث السابع والتسعون بعد الثلاثمائة: وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. متفق عليه. نعم، هذا الحديث في استحباب هذا الدعاء دبر الصلاة، يعني بعد الانتهاء من الصلاة. بعد الانتهاء من الصلاة فالمغيرة بن شعبة يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة يعني إذا فرغ من صلاته في آخرها يأتي بهذا الذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. لا ينفع ذا الجد يعني صاحب الغنى منه غناه، لا ينفعه غناه أن يدفع عنه أو يدفع، نعم، أن يدفع عنه عقابك أو مؤاخذتك أو كذلك منع ما أراد الله عز وجل أن يمنعه عنه. فالصاحب الغنى وإن كان غنيا فهو لا ماذا يعني يستغني بغناه عن الله سبحانه وتعالى، فهو فقير إلى الله سبحانه وتعالى. قال حديث الثامن والتسعون بل ثلاثمائة: وعن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة مكتوبة. رواه مسلم. هذا أيضا الدعاء يستحب بعد الصلاة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة، يعني إذا فرغ من الصلاة يأتي بهذا الذكر وهذا الدعاء. ومعناه يعني ظاهرة. وقوله: له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، أي النعمة لله سبحانه وتعالى فهو المتفضل بالنعم هو المتفضل جل وعلا والمتفرد بالنعم. وهكذا له الفضل فالفضل كله من الله سبحانه وتعالى. وله الثناء الحسن فهو المستحق جل وعلا للحمد والثناء لكماله جل وعلا وعظيم إنعامه. قال حديث التاسع والتسعون بعد ثلاثمائة: وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر. رواه البخاري. أيضا هذا الذكر مما يستحب الإتيان به بعد الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل. فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من البخل، والبخل هو إمساك المال عما يجب الإنفاق فيه، سواء كانت النفقة الواجبة كالزكاة أو الكفارة أو كانت النفقة المستحبة أو أيضا الواجبة قبل ذلك أي ك نفقة الأهل والأولاد. نعم، أو النفقة المستحبة كالصدقة، فيبخل بالإنفاق والتصدق، فالبخل مذموم وصاحبه مذموم ولهذا كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من البخل. وهكذا أيضا كان يستعيذ من الجبن، وهو ضد الشجاعة، وهو الإحجام وعدم الإقدام في موضع الإقدام. فالجبن أيضا من الصفات الذميمة أن يكون الإنسان جبانا ليس عنده شجاعة ولا إقدام فيما يجب أو ينبغي أن يقدم عليه فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهاد في سبيل الله وقتال الأعداء أو قول كلمة الحق ونحو ذلك. وهكذا كان يستعيذ من أن يرد إلى أرذل العمر، يعني أن يبلغ سنا يصبح عالة على غيره، يصبح عالة على غيره كأن يكبر الإنسان فيبقى يحتاج إلى من يخدمه ومن ربما يزيل الأذى من تحته ويقوم بأموره وشؤونه. فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذا العمر. وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر. ثم يستعيذ من فتنة الدنيا ومن عذاب القبر. قال حديث الأربع مائة: وعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. رواه مسلم. نعم، هذا حديث في استحباب الاستغفار بعد الفراغ من الصلاة. وقالوا: إذا انصرف من صلاته، يعني انتهى يعني انتهى من صلاته يقول ذلك عليه الصلاة والسلام وهو متجه إلى جهة القبلة إذا أول ما يفرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا، ثم يقول: اللهم أنت السلام، أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ورواه مسلم أيضا يكبر كما سيأتي بحيث ابن عباس، ثم يتوجه إلى جهة المصلين. ففي استحباب الاستغفار ثلاثا والإتيان بهذا الذكر بعد الفراغ من الصلاة. وقولوا: اللهم أنت السلام، يعني أنت المسمى بهذا الاسم والمتصف بهذه الصفة صفة السلام، أي السالم من الآفات والنقائص والعيوب. ومنك السلام، أي منك يأتي السلام، السلام من الآفات والشرور، فذلك من الله سبحانه وتعالى. تباركت، أي تعظمت، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا العظمة والإجلال والإكرام. قال حديث الحادي بعد الأربعمائة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون. وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. رواه مسلم. وفي رواية أخرى: أن التكبير أربع وثلاثون. وإن كانت مثل زبد البحر، زبد البحر الرغوة، الرغوة البيضاء التي تكون على البحر. فهذا الذكر من الأذكار المستحبة أيضا بعد الصلاة، هو فيه هذا الفضل العظيم أن من قال ذلك فإنه تغفر خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، يعني إن كانت كثيرة كزبد البحر. فالمراد بالخطايا صغائر الخطايا والذنوب، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة. فالمراد بها الصغائر. ومع ذلك فهذا فضل كبير وأجر عظيم لا يستهين به المسلم. قال حديث الثاني بعد الأربع مائة: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين أيضا: ما كنا نعلم انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير. فقوله: أن رفع الصوت بالذكر، هذا العموم قد يراد به ما ذكره من أمر التكبير، وكذلك أيضا ما جاء بحيث ثوبان من الاستغفار بعد الفراغ من الصلاة، فقد يكون مراد بالذكر الاستغفار والتكبير. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته أول ما يبدأ بالاستغفار. وهكذا بهذا الحديث كان يكبر عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث استحباب رفع الصوت بالذكر عند الانصراف من الصلاة كالتكبير والاستغفار، وليس المراد الاتيان بالأذكار بصوت مرتفع، فهذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولا استحبه أهل العلم، بل نقل الإمام النووي رحمه الله عن ابن بطال أن قول أكثر أهل العلم بل قول الأئمة المتبوعين هو عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير هكذا قال. لكن الحديث يدل على أنه لا بأس بل يستحب رفع الصوت بالتكبير عند الفراغ من الصلاة. وبعضهم حمله على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقتا يعني يسيرا بما بالتعليم، ثم ترك ذلك. وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي رحمه الله. وعلى كل فظاهر الحديث أنهم كانوا يفعلون ذلك، أنهم يرفعون صوتهم بالذكر بعد الفراغ من الصلاة. والمراد بذلك يعني رفع الصوت بالتكبير أو كذلك بالاستغفار على حديث ثوبان. فمثل هذا لا بأس به، حتى لو استمر عليه الإنسان. غاية الحديث استحباب ذلك على جهة الدوام والله أعلم. قال حديث الثالث بعد الأربع مائة: وعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أدلك يا معاذ على ما هو أكثر من ذكرك الله ليلا ونهارا؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رواه أبو داود والنسائي بسند قوي، وهو كذلك حديث صحيح. في استحباب هذا الذكر بعد الصلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. تسأل من الله جل وعلا الإعانة أن يعينك على ذكره سبحانه وتعالى وعلى القيام بشكره وعلى إحسان العبادة. فما أحوج المسلم إلى عون الله سبحانه وتعالى في هذه الأمور وغيرها، فلا يستغني الإنسان عن عون الله سبحانه وتعالى له. قال حديث الرابع بعد الأربعمائة: وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت. رواه النسائي وصححه ابن حبان. وزاد الطبراني: قل هو الله أحد. نعم، هذا الحديث صحيح في استحباب قراءة آية الكرسي بعد الفراغ من الصلاة، دبر كل صلاة مكتوبة. فتقرأ آية الكرسي، وهذا فضل عظيم من حافظ عليها دبر كل صلاة لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا أن يموت، إلا أن يموت. فعلى هذا ينبغي أن نحرص على هذا الذكر والإتيان بآية الكرسي دبر كل صلاة. وزيادة الطبراني: قل هو الله أحد، هذه زيادة ضعيفة، فقد تفرد بها محمد بن إبراهيم بن العلاء، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء قد كذبه الدارقطني وقال ابن عدي: منكر الحديث، عامة أحاديثه غير محفوظة. يعني زيادة قل هو الله أحد في هذا الحديث، وإلا قراءة الإخلاص والمعوذتين في دبر كل صلاة مستحب، في حديث آخر أنها تقرأ مرة واحدة، هذا ثابت. قال حديث الخامس بعد الأربع مائة: وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري. هذا فيه الأمر بتعلم صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن نصلي كما صلى عليه الصلاة والسلام. الخطاب لمن رأاه من الصحابة، ثم يتوجه إلى من لم يره ممن جاء بعده، أن يصلوا كما صلى عليه الصلاة والسلام، وذلك بتعلم صفة صلاته ممن أقرأه الصحابة رضوان الله عليه عن النبي عليه الصلاة والسلام. ففيه وجوب تعلم صلاة النبي عليه الصلاة والسلام حتى نصلي كما صلى عليه الصلاة والسلام، ويكون هذا من العلم الواجب، من العلم الواجب العيني الذي يجب على كل إنسان بعينه. قال حديث السادس بعد الأربع مائة: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. متفق عليه، والنص لمسلم. نعم، هذا الحديث يدل على أن من ترك الصلاة نسيانا أو نام عنها، وهذا إذا كان من غير تفريط وتعمد، أما إذا كان بتعمد فهذا لا يعذر ولا يصح بحق هذا الحديث، يعني يتعمد أن ينام حتى لا يصلي الفجر مثلا، لا يصح بحق هذا الحديث. وإنما هذا فيمن غلبته عيناه من غير قصد لترك الصلاة، بل هو حريص ويريد أن يصلي لكن لم يستيقظ أو كذلك شغل بأمر نسي به الصلاة، وهذا معذور: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. لكن ما الذي عليه؟ أنه متى ما ذكر عليه أن يصلي، متى ما ذكر الصلاة عليه أن يصلي، ومتى ما استيقظ من نومه فإنه يصلي هذه الصلاة. من نام عن صلاة أو نسيها في وقته وحين يذكرها قال: فكفارة هذا النسيان وهذا النوم أن يصليها إذا ذكرها. نعم، يأتي بها على وجهها الصحيح وتكون في حقه أداء لقوله: فليصليها إذا ذكرها. وفي رواية أبي هريرة: وقتها حين يذكرها، وقتها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. إذا فيه أن من ترك الصلاة نسيانا أو نوما فإنه يؤديها متى ما ذكر ومتى ما استيقظ. وهل هذا الحكم يلحق بمن ترك الصلاة متعمدا حتى خرج وقتها؟ الجواب: لا، من ترك الصلاة متعمدا حتى خرج وقتها لا ينفعه القضاء، وإنما عليه أن يتوب توبة نصوحا، لأنه تعمد إخراج وقت هذه العبادة من غير عذر شرعي، ولم يأت في مثل ذلك القضاء، وإنما جاء القضاء فيمن ترك الصلاة لعذر كنوم أو نسيان أو نحو ذلك. نعم، وبهذا ينتقل هذا الباب إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.