التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 1

الدرس في التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام استقبال القبلة في الصلاة

يشرح أهمية استقبال القبلة في الصلاة وكونه شرطا لصحة الصلاة مع استثناءات في حالات السفر وصلاة الخوف والمرض. يبين التفصيل في وجوب استقبال عين الكعبة أو الجهة.

كيفية صلاة النافلة والفريضة في حالات خاصة

يشرح كيفية صلاة النافلة على الراحلة بإيماء الرأس في الركوع والسجود، ويبين جواز صلاة الفريضة على الراحلة للضرورة مثل الخوف أو فوات الوقت. يذكر رخصة صلاة الخوف وجواز صلاة النافلة للماشي.

حكم الصلاة إلى غير القبلة بسبب الجهل أو الاجتهاد

إذا صلى الإنسان إلى غير القبلة بسبب الجهل أو الاجتهاد، فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه إذا خرج وقت الصلاة. هناك خلاف حول وجوب الإعادة إذا كان الوقت باقيا.

ختام الصلاة على النبي

يشير إلى ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين، ويعتبر هذا الختام تعبيرًا عن التوديع أو إنهاء الحديث حول موضوع معين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فَيبتدئ القراءة في هذا الكتاب في كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، لعلامة الألباني رحمه الله. ومعرفة المسلم لصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام يعني من الأمور الواجبة، حتى يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو القائل عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، حديث مالك بن الحويرث، رواه البخاري. الخطاب لمرة من الصحابة، ولذي لم يره، فإنه يتعلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ممن رأى ونقل صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. ولذا حرص الإمام الألباني رحمه الله على تتبع ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في كيفية صلاته، حتى يصلي المسلم هذه الصلاة كما صلاها النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «استقبال الكعبة»، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل الكعبة في الفرض والنفل، وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر». نعم، بدأ رحمه الله بذكر استقبال الكعبة، وذلك أن استقبال الكعبة عند الصلاة يعتبر شرطا من شروطها، يعتبر شرطا من شروطها. ونقل الإجماع في ذلك، نقل الإجماع أن استقبال الكعبة شرط من شروط صحة الصلاة. نعم، والشرط كما قد علم بعضكم، ولا بأس بذكر ذلك حتى يعلم من لم يعلم معنى الشرط. الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وما يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فلما نقول: هذا الشرط، معنى ذلك إذا لم يوجد لم توجد العبادة، إذا لم يوجد هذا الشرط لم توجد هذه العبادة. مثلا، الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، فإذا لم يوجد الوضوء، فالصلاة غير موجودة ولا تصح، لماذا؟ لفقدانها شرطا من شروطها. كذلك دخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، فإذا صلى الإنسان قبل دخول وقت الصلاة فصلاته باطلة. كذلك استقبال القبلة والكعبة شرط من شروط صحة الصلاة، إذا صلى الإنسان غير القبلة عامدا ذاكرا فصلاته باطلة، لأنه ترك شرطا متعمدا. طيب، هذا معنى الشرط. فقولنا: استقبال الكعبة، الشرط معنى لا تصح الصلاة إلا به، إلا به. لكن هذا الشرط، يعني شرط استقبال القبلة، هو شرط في الفريضة، وفي النافلة أيضا، إلا النافلة في السفر، فلا يشترط استقبال القبلة كما سيأتي في الأحاديث، يعني يسقط استقبال القبلة في النافلة في السفر. وأيضا في صلاة الخوف، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، قال ابن عمر: مستقبل القبلة وغير مستقبلها. كذلك أيضا إذا كان الإنسان مريض لا يستطيع استقبال القبلة، ولا يمكن أن يوجه إلى جهة القبلة، فيصلي على حاله. فاتقوا الله ما استطعتم، إلا في هذه المواضع يسقط فيها استقبال القبلة. طيب، تأتي مسألة: هل الواجب استقبال عين الكعبة أو استقبال الجهة؟ هل الواجب استقبال عين الكعبة أو استقبال الجهة؟ في هذا تفصيل. فنقول: من كان يرى الكعبة فيستقبل عين الكعبة، كمن يصلي داخل الحرم ويرى الكعبة، هذا يتوجه إلى عين الكعبة. وأما الذي لا يرى الكعبة فإنه يتوجه إلى جهتها، يتوجه إلى جهتها. فمثلا الآن ما نرى الكعبة، فنصلي إلى جهة الكعبة. والمعنى لا يلزم أنك إذا صليت أن يكون هناك خط مستقيم تصيب به عين الكعبة، لا، أنت تصلي إلى جهتها. لا بأس لو انحرفت شيء يسير عنها يمينا أو شمالا، فلا يضر. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، وبهذا قال جمهور العلماء. وبعضهم يقول: تستقبل العين مطلقا، وهذا قول الشافعي وبعض المالكية. والقول الأول هو الصحيح، يعني التفصيل. طيب، قال الآن الدليل على وجوب استقبال القبلة حديث المسيء بصلاته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء»، يعني أعط كل عضو حقه من الغسل، «ثم استقبل القبلة»، أمره باستقبال القبلة. قال: «وكان صلى الله عليه وسلم في السفر يصلي النوافل على راحلته»، قال: «ويوتر عليها حيث توجهت به شرقا وغربا»، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وكان صلى الله عليه وسلم، قال: وفي ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. إذن، في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى النافلة في السفر على راحلته يصلي حيث توجهت به، يعني لا يستقبل بها القبلة، يصلي بها على أي جهة. إذن، هذا فيه دليل على أن استقبال القبلة في صلاة النافلة في السفر ليس بواجب، ليس بواجب. قال: «وكان أحيانا إذا أراد أن يتطوع على ناقته استقبل بها القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه»، وهذا عند أبي داود وابن حبان وغيرهما من حديث أنس، وهو صحيح. هذه كيفية أخرى في صلاة النافلة في السفر، أنه إذا أراد أن يصلي يوجه الراحلة إلى جهة القبلة ثم يكبر، ثم إذا تحركت صلى حيث توجهت به. فيستقبل القبلة ابتداءا، ثم يصلي على أي جهة اتجهت، يعني أننا الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم كيفيتان في صلاة النافلة على السفر، إما أن تصلي ابتداءا إلى غير القبلة، وإما أن توجه ابتداءا إلى جهة القبلة ثم تصلي بعد ذلك حيث توجهت، سواء كانت الراحلة سيارة أو طائرة أو سفينة. نعم، كانت الرواحل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الإبل، كانوا يسافرون بالإبل أو على ظهور الدواب، يركب على حمار أو نحو ذلك. فعلى كل راحلة يرحلها الإنسان ويركبها له أن يصلي عليها النافلة. قال: «وكان يركع ويسجد على راحلته إيماء برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع»، رواه أحمد والترمذي. نعم، هذا الحديث فيه كيفية الصلاة، صلاة النافلة على الراحلة الآن. صلى الإنسان وهو راكب السيارة، طيب كيف يفعل في السجود والركوع؟ قال: يومئ برأسه، إيماء، الإيماء يعني الإشارة والتحريك. فيجعل السجود أخفض من الركوع، إذا ركع هكذا، السجود أخفض يكون السجود والركوع بالرأس، إيماء بالرأس. وهذا فيه يعني تخفيف في صلاة النافلة في السفر، وترغيب للمسلم أن يصلي، فلذلك خفف له في كيفية هذه الصلاة، لأن الغالب في السفر أن الإنسان يكون متعب، السفر فيه مشقة وتعب. لكن مع هذا يعني لا ينقطع عن الطاعة والعبادة، فخفف له في كيفياتها حتى يكون له منها نصيب، فيصلي وهو جالس، يومئ برأسه إيماء في السجود والركوع، وينال أجر الصلاة، ينال أجر الصلاة. قال: «وكان إذا أراد أن يصلي الفريضة نزل فاستقبل القبلة»، نعم، حديث جابر ورواه عامر بن ربيعة، ومن حديث عمر، وهو في البخاري: «كان إذا أراد أن يصلي الفريضة نزل فاستقبل القبلة»، هذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي الفريضة على الراحلة، وإنما يصلي النافلة. فإذا أراد أن يصلي الفريضة نزل، نزل واستقبل القبلة، نزل واستقبل القبلة. وهذا بإجماع أهل العلم، هذا بإجماع أهل العلم أن الفريضة لا تجوز على الراحلة إلا للضرورة، إلا للضرورة. مثل ماذا؟ مثل الخوف، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. كذلك أيضا إذا خشي فوات الوقت، إذا خشي فوات الوقت، فيجوز أن يصلي الفريضة على الراحلة. مثاله: إنسان سافر بالطائرة، والسفر يستغرق عدة ساعات، سيأتي وقت الصلاة وسيخرج، سيأتي وقت الصلاة وسيخرج وهو ما زال في الطائرة. هل يؤخر الصلاة حتى يصل إلى بلده ثم يقضي هذه الصلاة بعد خروج وقتها؟ لا، يصلي في الطائرة على قدر ما يستطيع، ولو يصلي وهو جالس، ولو إلى غير القبلة إذا كان لا يستطيع أن يستقبل القبلة، فيجلس على كرسيه ويصلي. نعم، أو مثلا كان في حافلة أو في باص، وسيخرج وقت الصلاة، وبعض السائقين هداهم الله ربما ما يقف، خاصة في صلاة الصبح، يريد أن يصل إلى المكان الفلاني، ستطلع الشمس، وهنا تصلي، عندك ما توضأت، ما عندك ماء، تيممت وتصلي وأنت جالس، توميء بالسجود والركوع، إيمان. فهنا الآن تصلي الفريضة للضرورة، وإلى الأصل أنك تنزل وتستقبل القبلة. قال: «وأما في صلاة الخوف الشديد، فقد سن صلى الله عليه وسلم لأمته أن يصلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها». وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلطوا فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس»، نعم، حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه في صلاة الخوف أن يصلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا، يعني راكبين على الرواحل، فوق الخيول، وبغال، واليوم مثلا يصلي وهو في السيارة، راكب على الدبابة، وهو في الطائرة، ونحو ذلك. يصلي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها في صلاة الخوف، يسقط استقبال القبلة. وكذلك أيضا يسقط وجوب القيام، ويصلي على الهيئة التي يستطيع. فاتقوا الله ما استطعتم، هذه رخصة، لأن في صلاة الخوف قد لا يتهيأ للإنسان أن يأتي بالصلاة على هيئتها التي يصليها في حال الأمن. فلهذا خفف له في بعض واجباتها وأركانها، ومن ذلك استقبال القبلة والقيام فيها إلى آخره. وقول هنا: «إذا اختلطوا فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس»، هذا حديث أثناء عمر، عند البيهقي، هو الصحيح. قال: «إذا اختلطوا»، يعني في القتال، في القتال، إذا اختلطوا، فالتكبير والإشارة بالرأس، يعني إذا لم يمكن أن يصلى الصلاة في وقتها، استمر القتال من الظهر، وجاء وقت العصر أو قرب وقت العصر مثلا، فيصلي يكبر ويشير برأسه في الركوع والسجود. نعم، قال: «إنما هو التكبير والإشارة بالرأس». قال: «وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ما بين المشرق والمغرب قبلة»، الحديث رواه الترمذي والحاكم. «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، طبعا هذا بالنسبة لأهل المدينة، أهل المدينة والشام، الذين قبلتهم ما بين المشرق والمغرب. والمقصود أن الإنسان إذا توجه إلى جهة القبلة، فما بين القبلة إذا كانت قبلته ما بين المشرق والمغرب، أو كانت بين يعني الشمال والجنوب مثلا، أن القبلة تكون ما بين هتين الجهتين. فلو حارب شيء يسير يمينا أو قليلا أو يسارا فهذا لا يضر، لا يضر بصحة الصلاة. إذا كان شيئا يسيرا. وأما إذا كان انحراف كثير، هذا يضر، يعني قبلته في هذه الجهة ويصلي إلى هذه الجهة، هذا يضر. لكن لو كانت في هذه الجهة، وفي هذه الجهة، ويصلي في هذه الجهة، لا بأس، هذا انحراف يسير، مثل هذا لا يضر في صحة الصلاة. فما بين المشرق والمغرب قبلة، وهذا كما ذكرنا استدل به جمهور علماء على أن الواجب استقبال الجهة، الذي لا يرى الكعبة يستقبل جهتها. نعم، تأتي مسألة هنا تتعلق بصلاة النافلة. نحن ذكرنا أن صلاة النافلة تجوز على الراحلة. طيب، هل يجوز الإنسان أن يصلي النافلة وهو يمشي، أن يصلي النافلة وهو يمشي على قدميه؟ هذا فيه خلاف. فالجمهور على الجواز، جمهور أهل العلم على جواز أن يصلي الماشي وهو ماش على أقدامه، وبهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله. ومنع من ذلك داود الظاهري، داود الظاهري، قال: لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى النافلة على الراحلة. والصحيح أنه يجوز. فلو كان الإنسان مثلا مسافرا على قدميه، وتعرفون قديما كان السفر الغالب على الرواحل والأقدام، يمشون المسافات الطويلة. طيب، إذا أراد أن يصلي وهو ماش، هل يجوز له؟ نقول: نعم، يجوز، يجوز أن يصلي، ويومئ بالسجود والركوع، كما جاز له أن يصلي وهو راكب على الراحلة، ولا فرق. قال جابر رضي الله عنه: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير أو سرية، فأصابنا غيم، سحب، فتحرينا»، يعني جاءت سحب وغطت الشمس، وغطت عليهم كذلك النجوم لو كانوا في الليل. قال: «فلما أصبحنا نظرنا»، يعني اجتهدوا وصلوا، قال: «فلما أصبحنا نظرنا، فإذا نحن صلينا على غير القبلة»، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأت صلاتكم». وهذا الحديث رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي، والحديث حسن بالشواهد. الآن، في هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم اختلطت عليهم جهة القبلة، وحينئذ اجتهدوا، ثم صلوا، فتبين أنهم صلوا إلى غير القبلة، فذكروا هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، فلم يأمرهم بالإعادة، لم يأمرهم بالإعادة، وقال: «قد أجزأت صلاتكم». ففي هذا الحديث أن من جهل جهة القبلة، فإنه يتحرى، يتحرى ويبذل جهده لمعرفة الجهة، إما بالنظر يعني في النجوم التي تدل على جهة القبلة إن أمكن ذلك، أو بالسؤال، أو بالنظر مثلا في البوصلة، مثلا في الجوال، إن كان تيسر ذلك. إذا ما وجد ما عنده جوال، والسماء يعني أطبقت عليها السحب، وما عنده أحد يسأله، فهنا يجتهد ويصلي، سواء صلى إلى جهة القبلة أو إلى غير جهة القبلة، فصلاته صحيحة، وليس عليه إعادة، ليس عليه إعادة. طيب، إذا علم أنه صلى إلى غير القبلة، إذا علم أنه صلى إلى غير القبلة وقد خرج وقت الصلاة، فهذا لا إعادة عليه، إذا علم أنه صلى إلى غير القبلة بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه. يبقى الإشكال والخلاف ما لو كان الوقت ما زال باقيا. الوقت ما زال باقيا، وبعد أن انتهى من الصلاة علم أنه صلى إلى غير القبلة، فهل يعيد الصلاة أم لا؟ بعض العلماء قال: ليس عليه إعادة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هؤلاء الصحابة بإعادة الصلاة. ومنهم من قال: يعيد إذا كان الوقت ما زال باقيا، فإنه يعيد. نعم، لأنه اجتهد وأخطأ، لكن ما زال الوقت باقيا، فهنا عليه أن يعيد الصلاة. والله أعلم، هذا هو الظاهر أن الوقت إذا كان ما زال باقيا فإنه يعيد. وأما إذا خرج وقت الصلاة فليس عليه إعادة، ليس عليه إعادة. طيب، وهذا القول بهذا التفصيل قول إمام مالك، والزهري، وبه قال شيخنا مقبل رحمه الله. قال: «وكان صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، قبل أن تنزل هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهُ﴾ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾». فلما نزلت استقبل الكعبة، فبينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة القرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها». وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا، واستدار إمامهم حتى استقبل بهم القبلة. وهذا الحديث في الصحيحين. نعم، هذا الحديث فيه ما يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمر يصلي إلى بيت المقدس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس بضعة عشر شهرا. وكان يحب أن يؤمر باستقبال الكعبة، فكان يخرج وينظر إلى السماء، ينتظر الأمر من الله سبحانه وتعالى بذلك. فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهُ﴾ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وهنا أمر عليه الصلاة والسلام باستقبال الكعبة، فأمر بذلك. فجاء هؤلاء إلى أهل قباء، إلى أهل قباء، وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبروهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. قال: «فاستدار إمامهم، واستدار من خلفه»، يعني توجهوا إلى جهة الكعبة، واقتدى الذين خلفه توجهوا إلى جهة الكعبة، واستمروا في صلاتهم، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. فاستدل بهذا الحديث على أن من جهل القبلة فصلى إلى غير القبلة، ثم وجه إلى جهة القبلة في أثناء الصلاة، أنه يتجه إلى جهة القبلة ويستمر، لا يلزمه أن يبطل الصلاة ويستأنفها من جديد. واضح، إنسان صلى إلى هذه الجهة، جهلا منه بجهة القبلة، وفي أثناء الصلاة جاء من يوجه، قال: القبلة إلى جهة اليسار، فوجه وجهه إلى جهة القبلة، فيستمر، يستمر في صلاته، ولا يلزمه أن يبطل الصلاة ويستأنف في الصلاة من جديد. ما هو الدليل؟ هذا الحديث، قصة أهل قباء، كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فجاء الخبر بوجوب استقبال الكعبة، فتوجهوا إلى جهة الكعبة، واستمروا في صلاتهم، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على جواز مثل ذلك. لكن ينبه على أمر، وهو يتعلق بأمر الاجتهاد، يعني الصلاة إلى غير القبلة إذا كان باجتهاد فأخطأ في ذلك، فليس عليه شيء. لكن لو صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد، من غير اجتهاد، حصل تفريط، حصل تفريط. مثلا هو عنده ضيف، نزل ضيف عنده، وتمدد، أين جهة القبلة؟ قلت: على في هذه الجهة، وصليت، وتبين أنك صليت لغير القبلة، فهنا عليك أن تعيد، ولو خرج وقت الصلاة، لأنك مفرط، كان يمكنك أن تسأل صاحب البيت أين جهة القبلة؟ فإذا حصل شيء من التفريط، فهنا لا يعذر الإنسان بالخطأ في استقبال غير القبلة. فإذا حصل مثل ذلك، فإنه يلزمه بالإعادة، ولو خرج وقت الصلاة، واضح، لأنه بهذا يعتبر مفرطا. طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم، على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.