التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 1

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف قصيدة عنوان الحكم ومقدمة عن الشاعر

المقطع يعرف بقصيدة عنوان الحكم للشاعر أبي الفتح البستي ويشرح معنى عنوان القصيدة وأهميتها. يُذكر أيضًا نبذة عن حياة الشاعر وتلامذته ومكانته العلمية.

تحذير من الاغترار بالدنيا والحرص على زيادتها

النص يحذر من الاغترار بالدنيا والحرص على زيادتها على حساب الدين، ويبين أن الربح الحقيقي هو ما كان خالصًا لوجه الله تعالى. زيادة المرء في دنياه قد تكون نقصانًا إذا لم تكن مقصودة لوجه الله.

خطورة التعلق بالدنيا وفضل الأعمال الصالحة

الأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وينتفع بها في حياته وبعد موته، بينما التعلق بالدنيا يسبب الخسارة والهلاك. النبي حذر من أن تتسع الدنيا على المسلمين كما وسعت على من قبلهم فتهلكهم.

تحذير من التعلق بالمناصب

تحذير من التعلق بالمناصب بسبب الحرص على المال، حيث يمكن أن تؤدي إلى نقصان وهلاك صاحبها. الناظم ذكر هذا المعنى في قوله عن المناصب أنها تسبب نقصان لصاحبها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ -إن شاء الله- القراءة في شرح قصيدة عنوان الحكم للشاعر الأديب أبي الفتح علي بن محمد بن الحسين البستي -رحمه الله- المولود في حدود سنة 330 للهجرة، والمتوفى سنة 400 للهجرة -رحمه الله-. وكان اختيار الإخوة -حفظهم الله- لشرح الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر -حفظه الله- لكونه شرحًا مختصرًا ويناسب المقام. وحسبنا أن نعلق عليه بتعليقات يسيرة؛ حتى يحصل أن ننفع بذلك من غير إطالة. قال الشارح -حفظه الله-: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذه قصيدة نافعة ومفيدة، وملئية بالحكم المتنوعة، والتوجيهات النافعة، والإرشادات المسددة في الأخلاق والآداب وأعمال القلوب، مما يتحقق من العناية بها فهمًا وعملا نفع عظيم وثمار كبيرة. وهي تعرف بعنوان الحكم. وإن كان هذا العنوان في الغالب أو أكثر من ترجمة للمصنف لم يذكر عنوان هذه القصيدة، وإنما يذكر أول بيت أو يشير إلى ذكر الأبيات بكاملها أو أوائل هذه المنظومة. ويقول المصنف: «منظومة مشهورة طويلة مطلعها قوله: زيادة المرء في دنياه نقصان، وربحه غير محض الخير خسران». فلعل هذه التسمية وضعها بعض تلامذته، والله أعلم. وعلى كل، اشتهرت بهذا العنوان: عنوان الحكم. وعنوان الحكم -كما ذكر أهل اللغة- هو أثر الشيء. وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان. ومنه عنوان الكتاب؛ فإنك تسميه بشيء تميزه عن غيره. والحكم -جمع حكمة- والمراد بها: العلم والحلم والعدل، كما قال الإمام الخليل بن أحمد -رحمه الله- في كتابه «العين». فعنوان الحكم يعني: الأشياء والأمور التي توصل العبد إلى التخلق بالحلم والعلم والعدل في هذه الأخلاق والآداب؛ فلذلك سميت بهذا الاسم لاجتماعها على كثير من الحكم التي يحتاج لها المسلم أن يتخلق بها وأن يتعلمها ويتعرف عليها. قال: «لما اجتمعت عليه من الحكم العظيمة البالغة النافعة المفيدة نظمها شاعر مجيد وعالم له مكانته واعتباره». قال عنه الذهبي -رحمه الله-: «شاعر وقته وأديب ناحيته». وقال فيه أبو عبد الله الحاكم -رحمه الله-: «كان واحد عصره». وقد تتلمذ على يد الإمام ابن حبان صاحب الصحيح، وهو أيضًا بستي، وسمع منه الكثير من الحديث. وأيضًا تتلمذ على يد أبي سليمان الخطابي صاحب معالم السنن. ولهذا كان الناظم ممن يميل إلى مذهب الشافعية، وله أشعار في مدح الإمام الشافعي -رحمه الله-. قال: «وهو أبو الفتح علي بن محمد بن الحسين البستي، المولود عام ثلاثين وثلاثمائة للهجرة». وهذا التاريخ -تاريخ الولادة- في الغالب لم يذكر فيمن ترجم للمصنف في كتب التراجم، وإنما يذكرون زمن وفاته: عام أربعمائة أو أربعمائة وواحد للهجرة. لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يحدد أو أقرب ما يكون أنه ولد في هذه السنة؛ لأنه لازم الإمام ابن حبان صاحب الصحيح، وقد توفي ابن حبان سنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين للهجرة. فكانت وفاته سنة أربعمائة للهجرة، فقيل في وفاء في زمن ولادته: أنه سنة ثلاثمائة وثلاثين. قال: «وهذه المنظومة اعتنى بها منذ القدم طلاب العلم حفظًا ومذاكرة، وعقدت مجالس لتذاكر مضامينها والعناية بالحكم العظيمة التي اجتمعت عليها، وهي ثابتة عن المصنف -رحمه الله-، ذكرها كثير ممن ترجم له بكتب التراجم والطبقات. وكذلك السند إلى المصنف متصل إليه، وقد من الله علينا بسند متصل إليه -رحمه الله-». قال: «وسنقرأ من هذه المنظومة ونعلق على أبياتها ما تيسر، سائلين الله تبارك وتعالى أن ينفعنا أجمعين، وأن يوفقنا لأحسن الأخلاق، وأن يهدينا إليها؛ لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئ الأخلاق؛ لا يصرف عنا سيئها إلا هو». قال القائل -رحمه الله تعالى- في منظومته «عنوان الحكم»: بسم الله الرحمن الرحيم زيادة المرء في دنياه نقصان، وربحه غير محض الخير خسران وكل وجدان حظ لا ثبات له، فإن معناه في التحقيق فقدان يا عامرًا لخراب الدهر مجتهدًا، بالله بالله هل خراب العمر عمران؟ ويا حريصًا على الأموال تجمعها، أنسيت أن سرور المال أحزان؟ زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها، فصفوها كدر، والوصل هجران وأرع سمعك أمثالا أفصلها، كما يفصل ياقوت ومرجان قال: «بدأ الناظم -رحمه الله تعالى- بقوله: زيادة المرء في دنياه نقصان، وربحه غير محض الخير خسران. قال: أي أن المرء إذا كانت أرباحه أرباحًا دنيوية بحتة -يعني لا يقصد من نيل هذه الدنيا إلا ما يتعلق بها، وأن يكون ربحه من الدنيا متاع هذه الدنيا الفانية، لا اهتمام له بالآخرة ولا عناية له بها، الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه- فهو يحرص على الجد والاجتهاد والعمل وبذل الأوقات في نيل حطام هذه الدنيا الفانية والإكثار منها. قال: «فهذه الأرباح التي يحصلها والزيادات ثراء وكثرة في المال وسعة فيه، هو في الحقيقة الأمر نقصان. وهذا حال كثير من الناس -إلا من رحم الله- الذي يسعى إلى الزيادة في نيل متاع هذه الدنيا والتكثر من ذلك، ولو كان على حساب دينه، ولو كان على حساب دينه، فهو مستعد أن يضيع الفرائض وأن يرتكب المحرمات وأن يترك العمل للآخرة؛ من أجل أن ينال من الدنيا ما يريد وما يشتهي وما يحب وما يرغب. فهذا في الحقيقة هو ما يناله وما يتحصل عليه من أمور الدنيا هو نقصان». قال: «زيادة المرء في دنياه نقصان، وربحه غير محض الخير خسران. ويدل على هذا المعنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة». حلوة الدنيا: يعني أن يحرص الإنسان على ما ترغب به نفسه وما تكون به راحته في هذه الدنيا، يريد أن يكون له بيتًا أو يكون له مركبًا حسنًا أو يكون له مالا، لكن بغير الطريق الشرعي. أما إذا كان بالحلال؛ فكما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». لكن المقصود إذا كان بذلك بالطرق غير الشرعية، يريد أن يكون له مثل مال غيره، ولو كان بالحرام، ولو كان بمعصية الله؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «حلوة الدنيا مرة الآخرة». هو الآن يزداد يزداد من هذه الدنيا ويكثر؛ من أجل أن يجد حلاوة الدنيا، لكن في المقابل هو يخسر الآخرة. وفي الحقيقة ما توصل إليه وما تحصل عليه من متاع الدنيا بهذه الطريق هو خسران؛ فإنه بهذا خسر آخرته، وسينقلب وستكون عاقبته إلى ما فيه المرارة وما فيه الخسارة والندم إذا لقي ربه جل وعلا بما فعل من اكتساب الذنوب والخطايا أو ترك الواجبات والفرائض. قال: «أي: كل الأرباح التي يحصلها إن لم تكن محض الخير -أي الخير الخالص- إذا لم يكن عمل الإنسان مقصودًا منه الخير والنفع، حتى لو كان جمعه للمال، لو جمع المال بنية طيبة أن يسد حاجته وأن ينفع الناس ويتصدق وينفق؛ هذا خير خير محض. أما إذا كان مقصوده أن يمتع نفسه أن يمتع نفسه في الدنيا، ولو على حساب دينه؛ هذا ليس بخير. قال: أي الخير الخالص فهي خسران؛ لأنها إما زائلة أو صاحبها زائل عنها. هذه متاع الدنيا الذي يجمعه الإنسان هو سيزول ويذهب، أو يزول عنه صاحبه؛ إذا بقي فلن يبقى صاحبه، ولابد أن سيفارقه في يوم من الأيام. قال: «وبينما محض الخير وهو أعمال البر وصنوف الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل، ووجوه الإحسان؛ فهذه تعد زيادة لا نقصانًا. نعم، الأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وينتفع بها في حياته وبعد موته، وإذا بعث في آخرته فسيجد أثر هذه الأعمال التي عملها، فلو أكثر منها فالإكثار منها ربح ليس فيه خسارة إذا وجدت فيه شروط القبول. وهذا هو الزاد الذي ينبغي أن يتزود منه العبد في دنياه؛ كما قال ربنا جل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: «والناظم -رحمه الله تعالى- ينبه بهذا البيت الذي استهل به هذه القصيدة: قصيدة الحكم؛ على أن الواجب على المسلم أن لا تكون الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه؛ لأنه إن كان كذلك فهو خاسر. وكما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». الذي يعلق قلبه بالدنيا همه هذه الدنيا: كيف يتحصل على الأموال؟ كيف يجمع من متاع هذه الدنيا؟ لا يفكر في الآخرة ولا يفكر في العمل فيما يرضي الله -سبحانه وتعالى-؛ فهذا تتشتت عليه الأحوال وتكثر عليه الأعمال، ومع ذلك ما يأتيه من الدنيا إلا ما كتب الله له. قال: «فلا يهتم إلا بها، ولا يشتغل إلا لأجلها، ولا يعمل إلا لتحصيلها. فمن كان بهذه الصفة فكل زيادة يحصلها وكل ربح يجده هو في الحقيقة نقصان؛ لأنه بهذا هو يزيد من أمور الدنيا وينقص من أمور آخرته، حاله كما قيل: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا؛ فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع. قال: «إلا ما كان محض الخير من أنواع البر وصنوف الطاعات التي كلما ازداد منها العبد زاد علوًا وفضلاً ورفعة ونبلاً. وقد جاء في الحديث -مسند الإمام أحمد وغيره- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتهلككم كما أهلكتهم». نعم، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- ما خشي علينا الفقر، والحديث أصله في الصحيح؛ لما جاء الصحابة الأنصار يسألون النبي -عليه الصلاة والسلام- مما جاء من البحرين من مال الجزية؛ فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أبشروا، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا -يعني تتوسع عليكم الدنيا وتنفتح عليكم- كما بسطت -أي وسعت- على من كان قبلكم؛ حتى يتقاتلون لأجلها ويفتنون بها؛ فتكون سبب لهلاكهم؛ فتهلككم كما أهلكتهم». قال: «فتأمل كيف أن الدنيا تنافس عليها وتنافس عليها والهمة مشتغلة بها فقط متجهة إليها؛ كيف أنها سبيل هلاكه؟! يعني اشتغال بها والتعلق بها السبب عظيم لهلاك الإنسان. وكما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- عند كعب بن مالك -عند الترمذي وغيره-: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». انظر إلى هذا المثال العظيم في بيان كيف أن الإنسان يهلك نفسه باشتغاله بالدنيا! ما ذئبان جائعان -الذئب معروف أنه حيوان مفترس إذا كان في غاية من الجوع- أرسل هذان الذئبان في زريبة غنم وهما في غاية من الجوع؛ لا يبقيان غنمًا واحدة إلا ويقتلانها قتلا. قال: «أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه؛ يعني أن حرص الإنسان على المال وتحصيله والإكثار منه، وحرصه على الشرف والرفعة والمسؤولية والمناصب؛ أفسد أفسد للإنسان من إفساد هذين الذئبين لزريبة الغنم. فحرص الإنسان على المال والشرف مفسد عظيم يفسد به نفسه. والواقع أكبر شاهد في ذلك؛ تسمعون كيف تتكالب تتكالب الدول بعضها على بعض من أجل المال، من أجل المال وحب التسلط على ثروات البلاد الأخرى؛ ربما تقتل أنفس وتُفقد أموال وتُدمر بلاد من أجل الدنيا، فضلاً عما قد يحصل على سبيل الأفراد؛ على سبيل الأفراد قد يقتل الإنسان غيره من أجل المال؛ يسفك الدم الحرام من أجل الحصول على المال، وهكذا أيضًا دون ذلك من إفساد فيما يقع في بعض المسؤوليات والمناصب بسبب الحرص على المال. قال: «وهو المعنى الذي عبر عليه الناظم بقوله نقصان؛ أي أنها تصل بصاحبها إلى النقصان والهلاك». طيب، نقف هنا إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.