الدرس في شرح كتاب التوحيد 51، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش تعريف التمائم وحكم تعليقها على الأولاد من العين، والخلاف بين السلف في جواز تعليق التمائم المكتوبة بآيات القرآن. يتناول المقطع بداية النقاش حول هذه المسألة.
يتناول الخلاف بين العلماء حول جواز تعليق التمائم، ويرجح الرأي القائل بمنع التمائم لعموم الأحاديث النبوية التي تنهى عنها. يناقش المقطع آراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة.
يذكر أن تعليق التمائم حتى لو كانت من القرآن يعتبر أمرًا ممنوعًا لما فيه من سد الذريعة وعدم التوكل على الله. يشدد المقطع على منع تعليق التمائم لما في ذلك من مخالفة للشرع.
ينتهي المقطع بدعاء الله أن ينفع السامعين بما سمعوا، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يشكل هذا الختام نهاية للدرس ودعاءً بالتوفيق للسامعين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في باب ما جاء في الرقى والتمائم. وإن المؤلف -رحمه الله تعالى- بعدما أورد لنا الأحاديث، وقبل ذلك الآيات المتعلقة بهذا الباب، أشار -رحمه الله تعالى- إلى بعض المسائل، فقال -رحمه الله-: "والتمائم شيء يعلق على الأولاد من العين". قال: "ولكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-". هذه الفقرة من كلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- اجتمعت على مسألتين اثنتين. فقوله -رحمه الله تعالى-: "التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين"، هذا فيه إشكال. وجه الإشكال فيه من عدة نواح؛ الناحية الأولى أن المؤلف -رحمه الله تعالى- جعل أن التميم شيء يعلق على الأولاد، خص الأولاد بذلك. وقد مر معنا في الدروس التي مضت وخلت على أن التمائم قد تعلق على الأجساد على أصحابها، وقد تعلق على الأولاد، وقد تعلق على الدواب، وقد تعلق على المركوبات، فكل شيء يعلق يسمى تميمة. إلا أن المؤلف -رحمه الله تعالى- هنا قيدها بالأولاد، فقال: "التمائم شيء يعلق على الأولاد" قال "من العين"، وهذا إشكال آخر. مر معنى أن ضابط التميمة هو كل ما يعلق لجلب نفع أو دفع ضر، ورد العين هذا من باب دفع شر، لكن كذلك من فعل التميمة أن أصحابها يعتقدون فيها النفع، فمن أصيب بمكروه، من أصيب بمرض، كان العرب ولا زال الناس من أهل الجهل يربطون ويعلقون التمائم عل وعسى أن الضر والشر يرتفع. فدل على أن التميمة تستخدم لغايتين؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة. إلا أن المؤلف -رحمه الله تعالى- خصها هنا بالعين، فقال: "التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين". فكيف يحمل هذا الكلام من المؤلف؟ لأننا علمنا أن التمائم هو كل ما يعلق لجلب نفع أو دفع ضر، والأولاد جزء من هؤلاء، وأن العين جزء من هؤلاء. قال العلماء: يحمل على أن المؤلف -رحمه الله تعالى- أراد أن يشير إلى ما اشتهر عندهم؛ لعل التميم كان في وقته -رحمه الله- أكثر ما تكون على هذا المنح، أنها تعلق على الأولاد لأجل حفظهم من العين. ونحن نعم في مثل هذه الأوقات نجد ذلك، من ذهب إلى البوادي تجد أن جل من تعلق عليه التمائم هم الأطفال، في بعض النواحي والبوادي والقرى والأرياف، تجد نعم هذا الطفل قد علقت عليه تميمة؛ لربما في عضده، لربما في رقبته، لربما في قدمه، أحيانًا تجدها في الكبار، أحيانًا تجدها في الكبار، لكن كذلك تجدها أيضًا في الأولاد. فلعل المؤلف -رحمه الله تعالى- أراد من هذا التعريف أن يذكر ما اشتهر في وقته بأن التمائم إنما كانت على عهده تعلق على الأولاد، فأراد بذلك التمثيل، ما أراد بهذا التقييد. هذا إذن المعنى الأول والصحيح أن التميم كل ما يعلق. المسألة الثانية التي أشار إليها المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: "لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه". هذه نعم مسألة كما ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- مسألة خلافية، صورتها: إذا أقدم أحد من الناس على وضع تميمة يعلق تميمة في نفسه أو على أولاده، إلا أن هذه التميمة آيات قرآنية. مثل تجد أن بعض الناس لربما يعلق آية الكرسي، يعلق آية الكرسي، أو بعضهم لربما يعلق آيات الشفاء أو آيات السحر وآيات ماذا؟ المنع من الحسد والعين، آيات موجودة في قرآن يتتبعها ثم تكتب ثم تعلق، يقوم إنسان ويعلق آيات قرآنية. هذه إن جئت إليها على أنها تميمة نعم تميمة لأنها علقت، وإن جئت من ناحية أخرى هل هي تميمة شركية؟ الجواب لا، ليست شركية لأنها قائمة على كلام الله جل وعلا، قائمة على كلام الله جل وعلا، فهي من وجه فيها ذم، ومن وجه فيها مده؛ تذم لأنها تعلق، وتمدح لأنها من كلام الله ومن آيات الله. هنا حصل الخلاف بين أهل العلم، بل حصل الخلاف بين السلف رحمهم الله تعالى في هذه التمائم إن كانت مكتوبة بآيات القرآن؛ يجوز أو لا يجوز؟ لهذا قال المؤلف -رحمه الله تعالى- مشيرًا إلى الخلاف الحاصل من أهل العلم أن منهم من رخص، وأن منهم من لم يرخص. وخلاصة الكلام إخواني في الله في هذا الباب أن الذي رخص من أهل العلم جماعة من التابعين ومن أتباع التابعين، مثل سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وإمام مالك -رحمه الله تعالى- في رواية عنه، وهو قول ابن عبد البر، وهو إمام، وكذلك الإمام القرطبي، وقال به البيهقي، بل يذكر هذا عن شيخ الإسلام، وعن ابن القيم، وعن جماعة من العلماء. أنهم حملوا الأحاديث المنهية عن التمائم أنها التمائم الشركية، وأما التميمة إن كانت من كلام الله فلا بأس بها من حيث الجواز، قالوا: لا بأس بها. وطائفة من أهل العلم هم كذلك من أهل السنة من سلف الأمة، على رأس هؤلاء من الصحابة ابن مسعود -كما أشار المؤلف- رحمه الله، ابن مسعود يقول بالمنع، وهكذا ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعقبة بن عامر، وإبراهيم النخعي، وابن العربي المالكي -رحمه الله-، وهو قول الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-. وهكذا الحافظ الحكمي، والإمام السعدي، والشيخ الألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وشيخنا مقبل -رحمه الله-، هؤلاء جماعات من المتقدمين ومن المتأخرين، وهم كثر ذهبوا إلى المنع، وأن التميمة بغض النظر عن ماهيتها وعن الذي كتب فيها تمنع، تمنع ولا تعلق. وهذا القول إخواني في الله هو القول الصحيح في هذا الباب، لأدلة كثيرة؛ الدليل الأول أن الأحاديث التي جاءت في باب التمائم جاءت على وتيرة واحدة وهو المنع، "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، فدل هذا الحديث على عمومه على أن التمائم شرك ولا يجوز. فما عندنا الترخيص أو التفصيل في باب دون باب، ولهذا قال علماء: يكفينا عموم النص، فالنصوص العامة بلفظها العام يدل على المنع، فلا نخصص شيئًا منها. الأمر الثاني ما عهد وما عرف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه الكرام أنهم استثنوا ذلك. ما عرف هل سمعنا أن النبي أتى بتميمة فيها آية كرسي وعلقها على نفسه أو علقها على أهله وأزواجه؟ الجواب لا، هل أثر هذا عن صحبه الكرام؟ الجواب لا، لم يؤثر هذا عنهم. مسألة وهذا الذي قد يقع فيها التشويش قد يقال: أنه قد ثبت عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أو عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يكتب يكتب لأولاده دعاء، هو دعاء الفزع، يكتبه ثم يعلقه عليهم. قالوا: هذا وارد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من أصحاب رسول الله، فهو يرى أن التميمة إذا كانت شرعية كتبت بالكتاب والسنة جائز، بدليل أن هذا الصحابي كان يكتب هذا الدعاء ويجعله معلقًا على أولاده. فإذن قالوا: إذن الصحابة عندهم جواز ذلك. ورد العلماء قالوا: هذا لا يصح الاستدلال به لأمرين اثنين؛ للسند وللمتن. أما السند فمتكلم فيه، فإنهم من طريق محمد بن الإسحاق، وقد دلس وهو قد عنعن، وهو مدلس قد عنعن. وهو مدلس وهو أمر الآخر في المتن، قالوا: وما يدريكم لعل هذا الصحابي إنما كتب هذا الدعاء لكي يحفظ، لكي يحفظ، وهذا يعمل أحيانًا في أمر الكتاتيب إذا أراد المدرس من الطالب أن يحفظ شيئًا لربما كتبه له في سبورة أو في ورقة وعلقه عليه حتى يراجعه في كل آن وفي كل حين يراجع حتى يحفظ. فإذا حفظ هذا الدعاء أزيلت هذه التعليقة، أزيلت هذه التعليقة. قالوا: لا، فعلى صحة هذا الأثر عن هذا الصحابي، فإن ما فعله مع أولاده من كتابة الدعاء إنما يراد به الحفظ أن يحفظ، لا أراد به أن يكون تميمة. إذن فنقول القول الثاني: الدليل الثاني أنه ما ثبت لا عن رسول الله ولا عن الصحابة أنهم صنعوا هذه التمائم التي يذكر أنها من كلام الله ولا من كتابه سبحانه وتعالى. كذلكم ثالثًا قالوا: فيه سد لباب الذريعة، المنع من عموم التمائم الشركية أو القرآنية، هذا سد لباب الذريعة. إذ أصبح إذ فتح هذا الباب لالتبس الأمر على عامة الناس، هذا معلق وهذا معلق، إذن أمنع هذا، لا سبحان الله لو ربما علق تميمة قرآنية أتركه؟ أنكر على هذا لا، أما أستطيع احتمال أنه قد علق ماذا؟ تميمة فيها آيات قرآنية؟ فلا زال الأمر يضطرب على الخلق، ما ندري من الذي علق تميمة شركية أو علق تميمة شرعية، فيضطرب الأمر على الناس ويتهاون الخلق في هذا الباب. ويتهاون الخلق لهذا الباب ولهذا لحصول اللبس وسد للذريعة يمنع الكل حتى لا يقع الناس في أمر يضر عليهم في دينهم سدًا لباب الذريعة. كذلك رابعًا قال العلماء: أن أصحاب التميمة والتي لو كتبت بكلام الله جل وعلا فإن يكون بها التعلق العظيم، تخيل الرجل يرى أن العافية في تعليق آية الكرسي، إذن إلى متى سيعلقها؟ سيعلقها دائمًا وأبدًا ما سينفك؟ كلما أراد أن يخرج قل: وين التميمة؟ وين آية الكرسي؟ علقها إما جعلها في رقبته أو جعلها في عضده، يحتمي بها في أي مذهب في أي مخرج في أي مدخل في أي مكان في أي سفر في أي رحلة ما تفارقه، أصبح قلبه معلقًا بهذه التميمة القرآنية. إذا ذهب مشيًا أخذها معه، إذا كان في السيارة أخذها معه، يرى أنه حرز، فأصبح يتعامل معها كما يتعامل أصحاب التميمة الشركية مع تمائمهم، فأصبح يقل عنده التوكل على الله، إذا قيل له: أراد أن يسافر مثلًا أو في خضم أمراض استشرت في المجتمعات فنصح أن يأخذ الحيط والحذر وأن يتوكل على الله. قال: ما عليكم، أنا عندي الذي ينفعني تميمة قرآنية، فأصبح يتكى عليها، وهذا إخواني مرض عظيم، يعني رجل ينتقل إلى أمر هو جائز على قول السلف الذين أباحوا، قالوا: هي جائزة، ليس هي مستحبة ولا هي واجبة وإنما جائزة، هل هذا الجواز يترك به صاحبه الحال إلى أن يصل إلى أن يضعف توكله على الله؟ يلغى هذا الباب يلغى هذا الباب برمته. ولهذا كان صحيح أن التميمة ولو كانت من القرآن تمنع، وإن القلوب إنما تعلق بالله سبحانه وتعالى. كذلكم أن جعل القرآن تميمة تعلق فإن هذا يجعلها عرضة للامتهان، عرضة للامتهان؛ رجل علق تميمة لربما دخل فيها الحمام أو لربما أراد أن يأتي أهله وهذه الآيات القرآنية على صدره، أو لربما يتقلب في فراشه تارة يمنة وتارة يسرة وهو ينام على كلام الله جل، لا فعله هذا امتهان لكلام الله سبحانه وتعالى. ما الذي أوداك يا عبد الله لهذا الحال؟ فكلام الله سبحانه وتعالى يعظم ينزه في الأماكن وفي الأحوال، فإذا وجد أن التميمة القرآنية أوصلت صاحبها إلى أن يمتهنها فإنها تمنع، لو لم يكن إلا هذه المفسدة لكفى أنك تأتي بكلام الله تدخله في الحشوش والخلاء وأماكن النجاسات، لكفى هذه مفسدة. ولهذا لا تعلق. كذلكم إخواني في الله قال العلماء: أن الله عز وجل إنما أنزل القرآن لتدبره ولقراءته وللعمل بما فيه، أما أن يجعل معلقًا لا هذا ما هي من وظائف القرآن أن يعلق، ما هذا من وظائف القرآن أبدًا أن يعلق. كذلك سابعًا أن في تعليق التميم القرآنية هو إبعاد للرقية الشرعية، إبعاد للرقية الشرعية؛ من سيرقي بعد ذلك؟ ما أحد سيرقي، رجل عنده حمى، ما الذي فعله؟ قلق زوجها، كأتى بالرقية الذي فيها آيات الشفاء يعلقها، ما سيرقي؟ يكفيه ماذا؟ هذه التعليق الذي علقت. وإذا جاءه الضر أو أراد شيء، هدو التميمة لفيها آية فلانية أو السورة الفلانية أو الورد الفلاني، فلا زال يبحث عن هذه التعليقات ويعلقها، ما سيقرأ على نفسه، ولن يرقى على أهله، حتى أن أهله لو أصيبوا بضر لربما أتى بهذه الأوراق وعلقها فيهم، وما قرأ أحد، وما رقى أحد أحدًا، لا يرقى لنفسه ولا يرقى لغيره، لماذا؟ لوجود هذه التمائم المزعومة التي يقال أنها من آيات القرآن. وكذلك يا عبد الله فوق هذا وذلك وهو ثامنا: أن الأمر يا عبد الله لو أنك وجدته قد تردد القول فيه بين الجواز وبين الحرمة، فالأولى والاستبراء لدينك وعرضك أن تمتنع، ادفع حتى لا تقع بين أحد يقول في حقك حرام، وأحد يقول في حقك جائز، ابتعد عنك كلية، وكفاك الله عز وجل أنك ماذا؟ لا تقع في أمر يشكل عليك في دينك. فالشاهد أن هذه الأمور الثمان التي ذكرت ولكم سردًا هي التي أودت بجماعة من السلف من لدن الصحابة إلى هذه الأزمان من علمائنا من يرى أن التميمة لا تعلق أبدًا، سواء كانت تميمة شركية وهو الشرك أكبر أو أصغر، أو تميمة قرآنية، لما سمعتم من الأمور السالفة الذكر. هذا ما يذكر إخواني في الله تعليقًا على كلام المؤلف -رحمة الله تعالى- عندما أشار إلى خلاف السلف رحمهم الله تعالى في مسألة التعلق للتمائم إن كانت من القرآن، والجواب الصحيح أنه لا تمائم لا من القرآن ولا من غيره. إلى هنا أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.