الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
هذا الفصل يعرف بالإمام مسلم وصحيحه، ويبرز أهمية الكتاب في علم الحديث ومحاسنه في الترتيب والتأليف. كما يقارن بين صحيحي البخاري ومسلم، مبينا تفوق البخاري في الصحة ومسلم في الترتيب.
هذا الفصل يتحدث عن ترجمة الإمام مسلم من قول الإمام النووي، ويشير إلى ثناء النووي على مسلم وكتابه، ويتناول مقدمة صحيح مسلم وسبب تأليفه وثناء مسلم على الله ورسوله.
هذا الفصل يشرح مقدمة صحيح مسلم للإمام مسلم كما شرحها الإمام النووي، ويوضح الرد على بعض الانتقادات الموجهة للإمام مسلم، ويبرز معنى خاتم النبيين وأهمية تمييز صحيح الأحاديث من سقيمها.
هذا الفصل يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع صحيح مسلم، مع التعبير عن الأمل في تحقيق الفائدة المرجوة برضا الله تعالى.
والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فكما سمعتم أنه سيكون إن شاء الله في مثل هذا الوقت القراءة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وصحيح الإمام مسلم كما هو معروف لدى طلبة العلم يعد من أصح كتب السنة بعد صحيح البخاري، فأصح كتاب هو كتاب الله جل وعلا، ثم أصح الكتب بعده صحيح البخاري، ثم صحيح الإمام مسلم. وسنقرأ في البداية ترجمة مختصرة للإمام مسلم من قول الإمام النووي رحمه الله في كتاب تهذيب الأسماء واللغات. قال الإمام النووي رحمه الله: نسبه، قال: هو الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري من بني قشير، قبيلة من العرب معروفة، أن يسابوري، إمام أهل الحديث. ثم ذكر جملة من شيوخه ممن سمع منهم، منهم قتيبة بن سعيد والقعنبي وأحمد بن حنبل وإسماعيل بن أبي ويس ويحيى بن يحيى وأبو بكر وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم ممن ذكر من شيوخه. ثم ذكر كذلك جملة ممن روى عنه وتتلمذ عليه، ومنهم أبو عيسى الترمذي صاحب السنن، وكذلك يحيى بن صاعد ومحمد بن مخلد وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، وهو راوية صحيح مسلم، إبراهيم بن محمد بن سفيان الذي روى صحيح الإمام مسلم عن الإمام مسلم رحمه الله، فلقب براوية صحيح مسلم، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم ممن رووا عنه رحمه الله. قال: إجماع العلماء على إمامته، قال: «وَأَجْمَعُوا عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَحَذْقِهِ فِي هَذِهِ الصُّنْعَةِ»، أي في علم الحديث وتقدمه فيها وتضلعه منها. ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث والاطلاع عليها وتفننه فيها كتابه الصحيح، الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان، والاحتراز من التحويل في الأسانيد عند اتفاقها. تحويل الأسانيد يعني استخدام لفظة يستخدمها المحدثون إذا أرادوا تحويل السند، فهو لا يستخدمها رحمه الله إذا اتفقت الأسانيد، قال: من غير زيادة وتنبيهه على ما في ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو إسناد، ولو في حرف. ربما يذكر الحديث ثم يذكر بسند آخر ويذكر زيادة في هذا الحديث لفظة أو كلمة أو جملة، فاعتنى بالروايات المتعلقة بمتن هذا الحديث الذي يذكره. قال: واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرحة بسماع المدلسين. المدلسين يعني ربما يذكر سند فيه راو مدلس لم يصرح بالسماع، فيقول: عن فلان، ثم يذكر بعد ذلك سنداً آخر فيه تصريحه بالسماع. قال: وغير ذلك مما هو معروف في كتابه. وقد ذكرت في مقدمة شرحه لصحيح مسلم جملاً من التنبيه على هذه الأشياء وشبهها مبسوطة، ووضحته، ثم نبهت على تلك الدقائق والمحاسن في الشرح في مواطنها. وصحيح الإمام مسلم له شروح عديدة، ومن أفضلها وأشهرها شرح الإمام النووي رحمه الله المسمى بالمنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والذي اشتهر اختصاراً باسم شرح صحيح الإمام مسلم. فشرح الإمام النووي رحمه الله يعد من أفضل شروح هذا الكتاب. قال: وعلى الجملة، فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإسناد. وهذا عندنا من المحققات التي لا شك فيها، للدلائل المتظاهرة عليها. ومع هذا فصحيح البخاري أصح وأكثر فوائد. هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح المختار. اختلف العلماء في أي الكتابين أصح وأفضل، هل صحيح الإمام البخاري أو صحيح الإمام مسلم؟ فبعض أهل العلم قدم صحيح مسلم، كالمغاربة قدموا صحيح الإمام مسلم لجودة ترتيبه وحسن تأليفه. ولكن جمهور العلماء على تقديم صحيح البخاري، وهذا هو الأصح كما ذكر رحمه الله. فصحيح البخاري أصح من صحيح الإمام مسلم، وذلك لقوة شرط الإمام البخاري. فالإمام البخاري اشترط في ذكر أسانيد الأحاديث أن يثبت لقاء الراوي بشيخه ولو مرة واحدة. وأما الإمام مسلم فإنه اكتفى بمطلق المعاصرة، إذا كان هذا الراوي قد عاصر شيخه وإن لم يثبت له لقاء به، فإنه يكتفي بذلك مع كونه ثقة، فيقبل حديثه. بخلاف الإمام البخاري فاشترط ثبوت اللقاء، وهذا شرط أقوى. ثم إن كذلك صحيح الإمام البخاري قد رتبه الإمام البخاري رحمه الله على الأبواب الفقهية، ويذكر في الباب آثاراً، وكذلك بعض الأحاديث المعلقة التي يستشهد بها فيما يتعلق في هذا الباب، وربما أسندها في مواضع أخرى. فكان كتابه كتاب حديث وفقه. ولهذا يقول العلماء: فقه الإمام البخاري في تبويبه. فكان الإمام البخاري رحمه الله ذا فقه دقيق وعميق، يعرف هذا من خلال تبويبه لتلك الأبواب، حتى إن بعض العلماء ليحار في مراده بذكر بعض الأبواب، وجه الشاهد من الحديث على هذا الباب، مما يدل على غزارة علمه وفقهه رحمه الله. بخلاف الإمام مسلم، فإن الإمام مسلم اعتنى بذكر الأحاديث في أماكنها المناسبة لها، فيذكرها بطولها، يذكرها بطولها، ولا يقطعها كما فعل الإمام البخاري. فالإمام البخاري ربما يذكر الأحاديث، الحديث الواحد في عدة أبواب، يذكر منه الشاهد في كل باب على حسب ما يناسبه. وأما الإمام مسلم فإنه يذكر الحديث بطوله. وهذا مما امتاز به صحيح الإمام مسلم من حيث الترتيب وذكر الأحاديث بطولها في مواضعها المناسبة لها. وفي هذا يقول القائل: تشاجر قوم في البخاري ومسلم لدي، وقالوا أي ذين تقدم؟ فقلت: لقد فاق البخاري صحة، كما فاق في حسن الصناعة مسلم. فالبخاري أصح، وحسن الترتيب وحسن التأليف كان للإمام مسلم رحمه الله. ومع ذلك فكلا الكتابين اعتنى بهما العلماء حفظاً وشرحاً وتدريساً، وكذلك أيضاً تعليماً لما فيهما من الخير العظيم. قال: لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود كما ذكرناه. وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ويتفطن في تلك الدقائق، فيرى فيها العجائب من المحاسن. وإن ضعف عن الاستقلال باستخراجها استعان بالشرح المذكور. وبالله التوفيق. وقد ذكرت في مقدمة شرح صحيح مسلم جملاً من المهمات المتعلقة به التي لا بد للراغب فيه من معرفتها، مع بيان جملة من أحوال مسلم وأحوال رواة الكتاب عنه. قال: سفره إلى الأقطار في طلب العلم. قال: واعلم أن مسلماً رحمه الله أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان. سمع بخراسان يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وآخرين، وبالري محمد بن مهران وأبا غسان وآخرين، وبالعراق ابن حنبل وعبد الله بن مسلمة وآخرين، وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وآخرين، وبمصر عمر بن سواد وحرملة بن يحيى وآخرين، وخلائق كثيرين. روى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظه، كما قدمناه، وفيهم جماعات في درجته، منهم أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة والترمذي وغيرهم. وهذا مما يدل على علو شأنه في هذا العلم، حتى يأتي فيروي عنه كبار العلماء، بل ومنهم من هو في درجته، ممن ربما كان مساوياً له وربما يعني قريباً أن يكون من أقرانه فيروي عنه. وهذا لا يكون إلا لعظم شأنه وغزارة علمه. وأبو حاتم الرازي كما هو معروف من أئمة الحديث وأئمة أهل العلل، وقد روى عن الإمام مسلم رحمه الله وأخذ عنه. قال: مصنفاته، صنف مسلم رحمه الله في علم الحديث كتباً كثيرة، منها الكتاب الصحيح الذي من الله الكريم، وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين، أبقى لمسلم به ذكراً جميلاً وثناءً حسناً إلى يوم الدين، مع ما أعد له من الأجر الجزيل في دار القرار. وهذا من باب الدعاء له. قال: وعم نفعه المسلمين قاطبة. ومنها الكتاب المسند الكبير على أسماء الرجال، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب، وكتاب العلل، وكتاب أوهام المحدثين، وكتاب التمييز، وكتاب من ليس له إلا راو واحد، وكتاب طبقات التابعين، وكتاب المخضرمين، وغير ذلك. قال الحاكم أبو عبد الله: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وفي رواية: في معرفة الحديث. وكفى بهذه شهادة من هذين الإمامين والعلمين الجليلين بتقديم الإمام مسلم رحمه الله في معرفة الحديث على غيره. قال: ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله، واطلع على ما أودعه في إسناده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقه، من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الروايات، وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها، وكثرة اطلاعه واتساع روايته، وغيره من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات، علم أنه إمام لا يلحق من بعد عصره، وقل من يساويه، بل يدانيه من أهل دهره. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. وقد اختصرت من أخباره رضي الله عنه على هذا القدر. فإن أحواله رضي الله عنه ومناقبه ومناقب كتابه لا تستقصي، لبعدها عن أن تحصى. وقد دللت بما ذكرت من الإشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته. والله الكريم أسأل أن يجزل في مثوبته، ويجمع بيننا وبينه مع أحبابنا في دار كرامته، بفضله وجوده ورحمته. قال: وفاته، توفي مسلم رحمه الله تعالى بنيسابور، سنة إحدى وستين ومئتين. قال الحاكم أبو عبد الله في كتاب المزكين: سمعت أبا عبد الله محمد بن الأخرم الحافظ رحمه الله يقول: توفي مسلم رحمه الله عشية الأحد، ودفن يوم الاثنين بقين من رجب، سنة إحدى وستين ومئتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، رضي الله عنه. إن تنته هذه الترجمة المختصرة من الإمام النووي رحمه الله للإمام مسلم، وعلمنا في هذه الترجمة مدى سعة علم الإمام مسلم ورفيع مكانته وعلو درجته في علم الحديث، وكذلك أيضاً علم العلل. وكتابه الذي بين أيدينا كما سمعنا يدل على غزارة علمه، وكذلك أيضاً تفننه ودقته في علم الحديث. قال الإمام مسلم رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. بدأ رحمه الله بذكر البسملة اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل رسالة بدأها بذكر بسم الله الرحمن الرحيم. ثم ثنى بعد ذلك بالحمد والثناء على الله جل وعلا، فقال: الحمد لله رب العالمين. الحمد: الثناء على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم. وأل فيه للاستغراق، أي كل المحامد فهي لله جل وعلا. واللام في رب الجلال للاستحقاق، أي أن الله جل وعلا مستحق للحمد. ورب العالمين: أي المتصرف في هذا العالم والمدبر له، والخالق له، والموجد له، فهو ربه. والعالمين: كل من سوى الله فهو عالم، فيدخل في ذلك عالم الإنس وعالم الجن وعالم الحيوان، وغير ذلك مما في هذا الكون من المخلوقات. والعاقبة للمتقين، كما أقَرَّ الله جل وعلا في كتابه أن العاقبة لأهل التقوى في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة في الفوز بالجنة والنجاة من النار. ثم صلى على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: وصلى الله على محمد. وصلاة الله على عبده: ثناءه عليه في الملأ الأعلى. وقال ابن القيم رحمه الله: صلاة الله على عبده بمعنى الحنو والعطف، كما ذكر ذلك في كتابه «البدائع». وهذا فيه معنى أخص من الثناء، أو أعم من الثناء، بمعنى التأييد والنصر، وكذلك منه الثناء، ثناء الله عليه. وقوله: صلى الله على محمد، ولم يذكر هنا التسليم. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن هذا مما انتقد على الإمام مسلم، أنه كان ينبغي أن يذكر مع الصلاة التسليم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾. وقوله: خاتم النبيين، أي أن الله عز وجل ختم به النبوة، فلا نبي بعده، كما قال الله جل وعلا: ﴿ما كان محمد أباً أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾. وليس معنى خاتم النبيين زينة النبيين، كما يقول بعض الظلال والمبتدعة أن خاتم بمعنى زينة. وعلى هذا قالوا: فيجوز أن يظهر هناك نبي في هذا الزمن. وهذا لا شك أنه قول باطل ومخالف لنصوص الكتاب والسنة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». وقال عليه الصلاة والسلام: «سيكون بعدي ثلاثون دجالون كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي». فالمراد بخاتم النبيين: أي الذي ختمت به النبوة، وانتهت، وانتهت النبوة ببعثته عليه الصلاة والسلام. قالوا: على جميع الأنبياء والمرسلين. وهذه صلاة على جميع الأنبياء والمرسلين بعد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وبعضهم كذلك انتقد ذكره للمرسلين بعد الأنبياء، أو للأنبياء مع المرسلين، لأن كل رسول نبي، كل رسول نبي. فقالوا: لا داعي لذكر النبيين مع ذكره للمرسلين. كما أشار الإمام النووي رحمه الله. لكن رد هذا الانتقاد بأنه مما يستعمل في اللغة أن يذكر اللفظ العام بعد اللفظ الخاص، أو اللفظ الخاص بعد اللفظ العام. وهذا موجود في القرآن، كقول الله جل وعلا: ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾. فإن الله عدو للكافرين. فذكر الله عز وجل جبريل وميكال بعد ذكر الملائكة، مع أنهم من الملائكة. وهذا من ذكر الخاص بعد العام. وهذا يعني شيء سائغ في اللغة، يذكر ذلك لبيان فضل، مزية لبيان زيادة مزية وفضل في هذا الخاص المذكور. وحينئذ فلا انتقاد على الإمام مسلم رحمه الله في ذلك. قال: أما بعد. وهذه العبارة يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى الموضوع. قال: «فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه». وهذا قد يكون من عطف اللفظ على معناه، فأحكام الدين أو سنن الدين من أحكام الدين. قال: «وما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء، بالأسانيد التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم». فأردت -أرشدك الله- أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة. وقوله: «فأردت أرشدك الله» هذا من حسن سريرة المؤلف رحمه الله، أن يدعو للمتعلم وللتلميذ، يدعو له بالرشاد، ويدعو له بالرحمة وبالمغفرة، ونحو ذلك من العبارات الحسنة. هذا من حسن سريرته رحمه الله، ودليل على إرادته للخير لقارئ هذا الكتاب، وكذلك أيضاً متعلمه. وقوله: «أن توقف على جملتها». أشار الإمام مسلم إلى أنه روي بتشديد القاف. قال: ولو روي بالتخفيف لكان صحيحاً، يعني أن توقف أو توقف على جملتها. قال: مؤلفة محصاة. وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك زعمت -يعني ذكرت- مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها. وللذي سألت -أكرمك الله- حين رجعت إلى تدبره، وما تأول به الحال إن شاء الله عاقبة محمودة، ومنفعة موجودة. وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزمت لي عليه، وقضي لي تمامه، كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غير من الناس، لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف، إلا أن جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عندما لا يكون هناك تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره. فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم. يعني يقول: إذا كان المقصود هو الانتفاع من الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه ينبغي الاعتناء بصحة هذه الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومعرفة فقه هذه الأحاديث وما فيها من علم ومعاني. إذا كان الأمر كذلك، فالاقتصار على القليل منها أفضل من التوسع في الوقوف على كثير منها من غير تمييز، من غير تمييز لصحيحها من سقيمها، وعدم كذلك الانتفاع بما فيها من فقه وعلم. فلذلك كان الاختصار أو القصد إلى القليل منها أفضل من الازدياد من غير تمييز بين صحيحها وسقيمها. قال: «وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه لخاصة من الناس، ممن رزق بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله». فذلك إن شاء الله يهجم بما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه. قال الإمام النووي رحمه الله: «يهجم بفتح الياء وكسر الجيم يهجم». قال: هكذا ضبطنا. وذكر القاضي عياض أنه روي كذا، وروي: «ينهجم بنون بعد الياء». قال: ومعنى يهجم: يقع عليها، ويبلغ إليها، وينال بغيته منها. قال: «فذلك إن شاء الله يهجم بما أتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه». فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة، فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا عن معرفة القليل. يعني الذي ليس له عناية بهذا العلم، وبالوقوف على حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم قد عجزوا عن معرفة القليل واليسير منها، فضلاً عن معرفة الكثير منها. بخلاف من له عناية، وله رغبة ومحبة للوقوف على حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يريد الازدياد منها، مع تمييزها والاستفادة من فقهها ومعانيها. ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك. طيب والله أعلم. ننتهي إن شاء الله إلى هذا الموضع.