كتاب الإيمان 1

كتاب الإيمان 1

الدرس في كتاب الإيمان 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الإيمان والإسلام ومفهومهما

الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص، بينما الإسلام يتعلق بالأعمال الظاهرة. إذا اجتمعا افترقا في المعنى وإذا انفرد أحدهما دخل الآخر فيه.

بدعة القدرية وتكفيرهم بسبب تكذيبهم لعلم الله

القدرية ينفون علم الله عن الأشياء قبل وقوعها ويكفرون بسبب تكذيبهم لعلم الله وتكذيبهم للقرآن، وقد ظهرت بدعتهم في زمن ابن عمر.

مذهب أهل السنة والجماعة في القدر ومراتبه

أهل السنة يؤمنون بأن كل شيء بقدر الله ويقرون بمراتب القدر الأربع: العلم والكتابة والخلق والمشيئة، ويختلفون بذلك عن القدرية.

تشبيه القدرية بالمجوس وتأجيل التفصيل إلى الدرس القادم

القدرية يشبهون بالمجوس لاعتقادهم أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ويُنفى خلق الله للشر. يُؤجل الحديث عن هذا التشبيه إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

كتاب الإيمان، كما قلنا، أن هذه التبويبات والعناوين هي من وضع الإمام النووي رحمه الله. قال الإمام قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله: بعون الله نبتدئ وإياه نستكفي، وما توفيقنا إلا بالله جل جلاله. ثم ذكر أول حديث يتعلق بالإيمان، وهذا أول كتاب في صحيح الإمام مسلم، وهو كتاب الإيمان. كتاب الإيمان، وبوّب عليه الإمام النووي رحمه الله باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التبرِّي ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه. كتاب الإيمان كتاب على وزن فعال بمعنى مفعول، فعال بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب فيما يتعلق بأحاديث الإيمان. والإيمان في اللغة التصديق أو التصديق مع الإقرار، التصديق مع الإقرار. وفي الشرع أو الاصطلاح هو قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان - أي القلب - وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، خلافاً لغيرهم من أهل الأهواء والفرق الضالة التي ظلت في هذا الباب. فعند أهل السنة أن الإيمان قولٌ واعتقادٌ وعمل، قولٌ واعتقادٌ وعمل. والإسلام: الفرق بين الإيمان والإسلام أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا أطلق الإيمان وانفرد ذكره دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان. وإذا اجتمعا كان المراد بالإيمان ما يتعلق بالأعمال الباطنة، ويراد بالإسلام ما يتعلق بالأعمال الظاهرة. هذا القول الذي تجتمع به الأدلة في ذكر الإسلام والإيمان، فمثلاً قول الله جل وعلا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، هنا فرق بين الإسلام والإيمان، بمعنى أن الإيمان لم يستقر في قلوبكم، وكذلك أيضاً لم يثبت، لكن الإسلام قد أسلمتم في الظاهر. فالعبد قد يكون مسلماً وهو غير مؤمن، كحال المنافقين، المنافق قد يسلم في الظاهر، لكنه في الباطن كافر، ليس بمؤمن. وهذه الآية تفريق بين الإسلام والإيمان، كذلك أيضاً في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، هنا فرق بين الإسلام والإيمان، فيكون هذا التفريق على معنى ما ذكرنا، أن الإسلام يشمل الأمور الظاهرة والأعمال الظاهرة من أركان الإسلام، والإيمان أعمال القلوب الباطنة. وإذا كذلك انتفى الإيمان، أو نقول: إذا ذكر كذلك الإيمان دخل فيه الإسلام، والعكس إذا انفرد أحدهما بالذكر، أي دخل أحدهما في الآخر. ويدل على ذلك حديث وفد عبد القيس حين وفدوا على النبي عليه الصلاة والسلام، وأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأوامر، منها أنه قال: «وأمركم بالإيمان بالله». قال: «أتدرون ما الإيمان بالله؟» قال: «وما الإيمان بالله؟» قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتون الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم» الحديث. ففسر الإيمان بالإسلام، وبالأعمال الظاهرة، فهذا يدل على أن الإيمان إذا انفرد أو أطلق دخل فيه الإسلام، وكذا أيضاً العكس، والأدلة في ذلك كثيرة. فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، وكل مؤمن ماذا؟ مسلم. قال مسلم رحمه الله: حدثني أبو خيثمة، وهو زهير بن حرب، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، عن كهمس، وهو ابن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. القول بالقدر يعني هو القول بأن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وهذا قول غلاة القدرية، الذين ينفون العلم عن الله، فيقولون: إن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه. وهذا لا شك أن هذا القول قول قبيح، وفرع عظيم على الله سبحانه وتعالى. وهذه الفرقة من القدرية كفرها العلماء، كما سيأتي معنا في أثر ابن عمر، وتكفيره لهم. هذه الفرقة كفرها العلماء لأن قولهم هذا تكذيب بعلم الله سبحانه وتعالى، وتكذيب القرآن الذي أخبر الله سبحانه وتعالى فيه بعلمه جل وعلا بكل شيء، وكذلك أيضاً ما فيه من تنقص في حق الله جل وعلا. وذكر علماء أن هذه الفرقة انقرضت، يعني نفي القدر الذين ينفون العلم عن الله، ذكر أهل العلم أنه لا يوجد أحد منهم يقول بذلك، وإنما يوجد من ينفي خلق الله سبحانه وتعالى للشر، ويقول: إن الله جل وعلا لم يخلق الشر، وإنما خلق الخير، وهذا هو غالب القدرية الذين يقولون بهذا القول. هذه الفرقة القدرية ظهرت في زمن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأول من قال بذلك بالبصرة معبد الجهني، وكان ممن يجالس الحسن البصري رحمه الله، ثم انفرد عنه وأتى بهذه البدعة، ببدعة القول بالقدر. ومذهب أهل السنة والجماعة أن كل الأشياء بقدر الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل خالق كل شيء، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَقَدَرْنَاهُ تَقْدِيرًا﴾، فكل شيء فهو بقضاء الله وقدره، الخير والشر كله من خلق الله، كله من خلق الله جل وعلا، فهو الخالق له والموجد له. فينسب ماذا؟ الشر إلى الله جل وعلا خلقاً وإيجاداً، وأما من حيث الكسب ومن حيث الفعل، فهو ماذا؟ من فعل المخلوق، يعني هو الذي يباشر فعله، وهو الذي يفعل الشر، والله جل وعلا هو الخالق له، لكن ليس في أفعاله جل وعلا شيء من الشر. وأهل السنة يؤمنون بمراتب القدر كلها، وهي أربعة مراتب: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة. فهم يؤمنون أن الله جل وعلا علم كل شيء، وعليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، والله بكل شيء عليم، وكان الله عليماً حكيماً، لا يخرج شيء عن علم الله سبحانه وتعالى. وأن الله كتب كل شيء، «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وكذلك أيضاً يؤمنون بمشيئة الله، وأن مشيئة الله عامة ونافذة في سائر المخلوقات، ومنها كذلك مشيئته جل وعلا بإيجاد الخير والشر، ثم خلقه، وأنه خلق كل شيء، ومن ذلك الخير والشر. هذه المراتب الأربع يؤمن بها أهل السنة والجماعة، ويقرون بها، بخلاف أهل الأهواء من القدرية، فهم يظلوا في هذا الباب، ونفوا بعض هذه المراتب، كمرتبة الخلق. أما مرتبة العلم، فقلنا: من نفذ ذلك من القدرية قد انقرضت، وبقي من ينفي الخلق، وقالوا: إن الله عز وجل خلق الخير، ولم يخلق الشر. وهؤلاء القدرية مجوس هذه الأمة، كما سماهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك في أحاديث كثيرة صححها جماعة من أهل العلم: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشيعوهم». فالنبي عليه الصلاة والسلام شبههم بمجوس هذه الأمة، بأن المجوس جعلوا للكون خالقين، وهو النور والظلمة، فخالق النور الذي خلق الخير، والظلمة التي خلقت الشر. وهؤلاء المجوس شبه أو القدرية شبهوا بهم؛ لأنهم يقولون بأن المخلوق والإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يخلق الشر، وهو الذي يوجده بنفسه، وينفون خلق الله جل وعلا للشر، فشبه بمجوس هذه الأمة. إذن نؤجل الحديث إلى الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.