الدرس في كتاب الإيمان 56، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يفسر الحديث النبوي بأن عدم الخلود في النار لمن لديه إيمان، بينما عدم الدخول الأولي إلى الجنة لمن لديه كبرياء. يبين أن الكبر والشرك من الأسباب التي تحول دون دخول الجنة أو تؤدي إلى الخلود في النار.
يشرح خطورة الشرك بالله والكبر، ويبين أن الكبر صفة نقص في الإنسان بينما هي صفة كمال في حق الله. يستشهد بحديث النبي الذي يدل على أن من مات يشرك بالله شيئا دخل النار.
يتناول آراء أهل العلم حول حديث النبي بشأن من يموت وهو يشرك بالله، ويشرح حكم من يموت دون أن يشرك بالله شيئا، مؤكدا أن مصير الموحد الجنة إما مباشرة أو بعد عذاب في النار إذا كان من أهل الكبائر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مسلم الحجاج أبو الحسين، أنيسي بوري القشير رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان، قال: حدثنا من جابر بن الحارث التميمي، وسويد بن سعيد، كلاهما عن علي بن مصهر، قال: من جابر أخبرنا بن مصهر عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، عن إبراهيم، وهو النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء». هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان»، هل معنى هذا الحديث أن من كان عنده شيء من الإيمان، ولو شيئا يسيرا وقليلا، أنه لا يدخل النار مهما عمل من ذنوب ومعاصي، وارتكب ما ارتكب من الكبائر؟ أو أن المراد لا يدخل النار كدخول الكافرين الذين يدخلون النار ويخلدون فيها؟ فالذي تدل عليه الأدلة هو الثاني، هو الثاني، وذلك أن صاحب الكبيرة الذي عنده إيمان هو من أهل الإسلام والإيمان، لكن وقع في شيء من الكبائر الذنوب، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. فإن دخل النار، فإنه لا يخلد فيها، لا يخلد فيها، يمكث فيها ما كتب الله، وما أراد الله، يعذب فيها، ثم يخرج، ويكون مصيره إلى الجنة. وإن شاء الله عفا عنه، وإن شاء الله عفا عنه. فقول: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» يعني لا يخلد فيها، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فإنه لا يخلد في النار، ولابد أن يخرج منها، كما دلت على ذلك كثير من الأحاديث التي أخبر فيها النبي عليه الصلاة والسلام بشفاعة أهل الإيمان، شفاعة الأنبياء، ثم شفاعة المؤمنين، ثم شفاعة أرحم الراحمين جل وعلا، فيأمر جل وعلا بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فلا يبقى في النار إلا من كان كافرا كفرا أكبر، فهؤلاء الذين يخلدون في النار. إذن قوله: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» يوجه على هذا التوجيه، إما أنه ممن يعفو الله سبحانه وتعالى عنه من أهل الذنوب والكبائر، أو لا يدخل النار كدخول الكافرين فيخلد فيها، وهو: فإن دخلها، فإنه يخرج منها، ويكون مصيره إلى الجنة. ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء، وهذا أيضا: «لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء»، لا يدخل الجنة أي دخولا أوليا، لا يدخل الجنة دخولا أوليا، بل يؤخر، ويحاسب، ويجازى، ويعذب إن عذبه الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يدخل إلى الجنة، لكن لا يدخل ابتداء، لا يدخل ابتداء. وهذا يدل على شناعة هذا الذنب، وهذه الكبيرة، وهو الكبرياء، فالكبرياء كبيرة من كبائر الذنوب، والكبر صفة نقص في الإنسان، صفة نقص في الإنسان، كون الإنسان يتكبر هذا نقص فيه، وهي صفة كمال في حق الله، صفة كمال في حق الله، ولهذا تسمى الله عز وجل بالكبير، وهو الكبير المتعال، الكبر والكبرياء كمال في حق الله سبحانه وتعالى، أما في حق المخلوق فهي صفة نقص، والكمال في المخلوق التواضع، التواضع، وخفض الجناح، وعدم الكبر. قال: وحدثنا محمد بن بشار الملقب بمن مات، محمد بن بشار، منذار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». هذا يقال في ما قيل في الرواية السابقة. قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، ووكيع، وابن الجراح، عن الأعمش، عن شقيق، وابن سلمة، عن عبد الله، قال: وكيع، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن نمير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في رواية وكيع: أن عبد الله قال: قال رسول الله، وفي رواية ابن نمير: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقلت أنا: «ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». هذا الحديث كذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا، قال: من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار». وهذا الحديث فيه خطورة الشرك بالله سبحانه وتعالى، وعظم هذا الذنب، ذنب الشرك، وقد مر معنا أنه من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، وأعظم الذنوب على جهة الإطلاق. وقوله: «من» من اسم الشرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، من ألفاظ العموم، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف، سواء كان رجلا أو امرأة، وسواء كان كافرا أو كان ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن ينتسب إلى الإسلام، ووقع في الشرك. «من مات يشرك بالله شيئا»، وشيئا نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، يشرك بالله أي شيء، شجر أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو ولي، أو قبر، أو إنس، أو جن، أو ملك، أي شيء اتخذه شريكا مع الله، فإنه يدخل النار. «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وهذا هو جواب الشرط، دخل النار، أي مصيره النار والجحيم، وهذا إذا مات على الشرك، هذا إذا مات، لأنه قال: «من مات يشرك بالله شيئا»، فإذا مات الإنسان على الشرك، ولم يتج منه، فإنه من أهل النار، فإنه من أهل النار. وهل يشمل هذا الشرك الأكبر والأصغر؟ أم أنه خاص بالشرك الأكبر؟ في هذا قولان لأهل العلم، من أهل العلم من يقول: هو عام فيشمل صاحب الشرك الأكبر، وصاحب الشرك الأصغر، لأن قوله: «من مات يشرك بالله شيئا»، شيئا كما قلنا نكرة في السياق الشرط تفيد العموم، وهنا أطلق الشرك، لم يخصه بالشرك الأكبر، فيشمل الأكبر والأصغر، إلا أن صاحب الأصغر إذا دخل النار لا يخلد فيها، لأن حكمه حكم أصحاب الكبائر في عدم الخلود في النار، حكمه حكم أصحاب الكبائر في عدم الخلود في النار، إلا أنه يدخل النار ولابد، يدخل النار ولابد، لإخباره عليه الصلاة والسلام بذلك. وأما صاحب الشرك الأكبر فإنه يخلد في النار إن دخلها، فلا يخرج منها. ومن أهل العلم من قال: بل هذا خاص بصاحب الشرك الأكبر، هذا خاص بصاحب الشرك الأكبر، وأما صاحب الشرك الأصغر فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، كسائر أصحاب الكبائر، كسائر أصحاب الكبائر. ولا شك أن هذا الذنب، هو الشرك الأصغر، يدل على أنه ذنب عظيم، أنه ذنب عظيم، وأن صاحبه على خطر عظيم، فهو معرض للدخول في النار، وأنه قد لا يغفر الله سبحانه وتعالى له، فلابد أن يعذب، ويعاقب، لابد أن يعذب، ويعاقب، على ما دلت عليه هذه الأدلة من العموم في دخول صاحب الشرك النار. قال: وقلت أنا، أي: ابن مسعود، قال: وقلت أنا: «ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». وقوله: قلت أنا، يعني في مقابل ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من مات يشرك بالله شيئا دخل النار، قال: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقلت أنا: «ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». ولهذا قاله، من عنده سيأتي معنا في حديث جابر، أن ذلك قاله النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك. والله أعلم: هل عبد الله بن مسعود لم يسمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال: فقلت أنا، وذكر هذه العبارة، وهذا يكون من المدرج، إلا أنه بينه رضي الله عنه، ولم ينسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يسمعه منه، ولهذا قال: وقلت أنا: «ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». وهذا فيه فضيلة لأهل التوحيد، أن من حقق توحيد الله جل وعلا، واجتنب الشرك بالله، ولم يشرك بالله جل وعلا شيئا، فإنه يدخل الجنة. «من مات لا يشرك بالله شيئا»، كما قلنا في العبارة الأولى، يقال في هذه العبارة في نفي الشرك، أو دلالة العموم في قول: «لا يشرك بالله شيئا»، وهي أيضا العموم في اسم الشرط، «من مات»، من ذكر أو أنثى، لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة، دخل الجنة، فمصيره إلى الجنة. فهل معنى ذلك أنه يدخل الجنة، وإن فعل أو ارتكب شيء من كبائر الذنوب؟ فالجواب: أنه تحت مشيئة الله، أنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. فإن عذبه، ودخل النار، فإنه لا يخلد فيها، لا يخلد فيها، فيكون مصيره بعد ذلك إلى الجنة. فقوله: «ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، قوله: «دخل الجنة»، له حالتان، الحالة الأولى: أن يدخل دخولا أوليا من غير سبق عذاب، إذا كان من أهل الطاعة والإيمان والاستقامة، أو ممن عفى الله سبحانه وتعالى عنه من أهل الذنوب. والحالة الثانية: دخل الجنة بعد دخوله النار، إذا كان من أهل الكبائر، وعاقبه الله، وعذبه الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.