الدرس في كتاب الإيمان 103، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث في صحيح مسلم يبين حفظ النبي للوحي وعدم كتمانه شيئا منه، واستدلال عائشة بآية تتعلق بشأنه الخاص. كما ذكر قوة حفظ الشعبي للحديث.
ذكر طرائف الشعبي وتواضعه، وروايته عن عائشة في تفسير آية قرآنية، وأقواله في تعريف العالم وخشية الله.
شرح حديث النبي حول صفات الله، حيث أشار إلى أنه لا ينام ولا ينبغي له النوم، ويخفض القسط ويرفعه، ويتحدث عن حجاب الله.
أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وأجرها العظيم عند الله تعالى، باعتبارها وسيلة للتقرب إليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، قال: حدثنا عبد الوهاب، ومن عبد المجيد الثقفي، قال: حدثنا داود، ومن أبي هند، بهذا الإسناد، نحو حديث ابن علية، وزاد: قالت: ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا مما أنزل الله عليه، مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. هذه الزيادة في هذه الرواية تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقتم شيئا مما أنزله الله عز وجل عليه من الوحي. فعائشة رضي الله عنها تقول: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا مما أنزل عليه من الوحي والقرآن، لكتم هذه الآية؛ لأنها تتعلق بشيء خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: حدثنا من نمير، وهو محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير، قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، عن الشعبي، عامر بن شرحبيل. فقه ثبت. قال عن الشعبي: ما كتبت السوداء على بيضاء -يعني ما كتبت حبرا على ورق- من قوة حفظه. ومع ذلك نسي ما نسي من الحديث. نسي الشيء الكثير الذي قال فيه: لو حفظه رجل لصار به عالما. أيضا من يذكر شيئا من أقواله؟ هذا من طرائفه: سأله رجل -وهو يمشي مع زوجته- من الشعبي؟ فقال: هذه -أشار إلى زوجته-. نعم، هذا أيضا من طرائفه: سئل عن إبليس، هل له زوجة؟ قال: نعم. قال: فما اسمها؟ قال: هذا عرس ما حضرنا حتى نعرف اسمها. نعم، أيضا سأله رجل: أفتني أيها العالم؟ فقال: إنما العالم من خشي الله. وهذا من تورعه وتواضعه. قال عن مسروق، وهو من الأجدع، قال: سألت عائشة: «أرأيت قول الله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قالت: إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد أفق السماء». وهذا أيضا تابع للحديث الذي قبله في سؤال مسروق لعائشة رضي الله عنها. فسألها عن هذه الآية: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ الآية. فبينت له عائشة رضي الله عنها أن المراد بهذه الآية، وأن الذي دناه هو جبريل عليه السلام. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، ومن الجراح، قال: عن يزيد بن إبراهيم، وهو التستري، أبو سعيد، ثقة ثبت، قال: عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نورا». وحدثنا محمد بن بشار، الملقب بندار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا قتادة، بهذا الإسناد، بمثله. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: «إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». وفي رواية أخرى: «حجابه النور». قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، ثم ذكر بمثل حديث أبي معاوية. فقوله عليه الصلاة والسلام: «رأيت نورا» يدل على أنه رأى الحجاب ولم ير ربه جل وعلا. وإلى ذلك الإشارة في حديث أبي موسى: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» لأن النوم صفة نقص في حق الله جل وعلا. والله عز وجل الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. فالله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام؛ لأنه جل وعلا القوي العزيز لا يحتاج إلى ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.