الدرس في شرح كتاب التوحيد 57، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن التبرك بالصالحين وآثارهم، ويشرح كيف كان الصحابة يلتمسون البركة من جسد النبي وآثاره أثناء حياته. هذه الأمور كانت ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولم تعد موجودة بعد وفاته.
يناقش حكم التبرك بآثار الصالحين وقياس ذلك على التبرك بآثار الرسول، ويخلص إلى عدم جواز التبرك بآثار الصالحين لعدم وجود دليل شرعي. السلف الصالح لم يفعلوا ذلك.
التبرك بذوات الصالحين أمر مفتقر للدليل وقد يفتتن به التابع والمتبوع. العلماء يرون إغلاق هذا الباب تماما بسبب عدم انضباط كلمة الصلاح واختلافها من شخص لآخر.
يعلن عن محاضرة ليلة اليوم في المسجد المبارك بين صلاة المغرب والعشاء. يتمنى التوفيق للجميع لحضور المحاضرة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. ومواصل إخواني في الله فيما نحن بصدده من ذكر أهم المسائل المتعلقة بالتبرك، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى بوَّب لنا هذا الباب «باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما»، فناسب أن نطرق إلى أهم المباحث التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بمسألة هذا الباب. كان في درس أمس الإشارة إلى ما يتعلق بالتبرك المشروع، وهو التبرك بما دلت عليه الأدلة الصحيحة من السنة النبوية على أنها مما يتبرك بها. وأشرنا إلى أن التبرك تارة يكون في الأوقات، وتارة في الأزمان، وتارة في الأطعمة، وتارة في الأهيئات في الأقوال والأفعال والأحوال. وأشرنا إلى مسألتين مهمتين ينبغي أن يتنبه لها كل من أراد أن يخوض في باب التبرك؛ المسألة الأولى أن تكون على يقين بأن هذا الأمر فيه بركة، وليكن ذلك إلا بدليل شرعي، والأمر الثاني في كيفية نيل البركة وانتقال البركة من هذا الشيء إليك. المسألة المهمة إخواني في الله والتي أتطرق إليها في هذا المقام ألا وهي مسألة التبرك بالصالحين، أي من علم صلاحه من أهل العبادة والعلم والورع والتقى، هل لنا أن نتبرك بآثاره، نتبرك بجسده، بثيابه، بنعاله، بآثاره؟ هذه مسألة إخواني في الله من المسائل المهمة والتي وقع فيها الخلط والخبط بين كثير من الناس. أول ما نبدأ تمهيدا لهذه المسألة أن نتطرق أولا إلى أهل الصلاح، وهم الأساس، وهم الأنبياء أولا. نعم، جعل الله جل وعلا فيهم بركة، فأجساد الأنبياء أجساد مباركة، كما قال ربنا في حق عيسى: ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. ونبينا صلى الله عليه وسلم كذلك قد جعل الله جل وعلا في جسده الخير والنماء، فجعل فيه سبحانه وتعالى البركة، فكانت ذاته، جسمه، جسده صلى الله عليه وسلم مباركة. كان الصحابة يلتمسون بركته عليه الصلاة والسلام، كان الناس، الصحابة، يلتمسون بركته عليه الصلاة والسلام. من ذلك مثلا منهم من كان يلتمس بركة عرقه، العرق النازل منه عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء من حديث أم سليم أنها كانت تنشف العرق من جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تعصره في قارورة، فلما سئلت عن ذلك قالت: «نرجو بركته لصبياننا»، أي أن عرقه فيه بركة عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما يكون من التماس البركة من شعره، فقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يجلسون في المكان الذي يحلق نبينا صلى الله عليه وسلم فيها شعر رأسه، لماذا يجلسون في هذا المكان؟ حتى يأخذوا هذه الشعرات ويحفظونها لأنفسهم، كما ثبت ذلك في البخاري، في مسلم، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهكذا كان يلتمسون الصحابة البركة من وضوئه، فإذا قام نبينا صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قام الصحابة إلى الماء المتصاقط منه عليه الصلاة والسلام ويأخذونه لأنفسهم تبركا بهذا الماء النازل والذي لمس جسد نبينا عليه الصلاة والسلام، فيلتمسون منه البركة. فكان جسمه عليه الصلاة والسلام بركة، ولهذا كانت عائشة إذا أرادت أن ترقي نبينا صلى الله عليه وسلم ما كانت تنفث في يدها ثم تمسح على جسده، لا بل كانت تأخذ بيده هو صلى الله عليه وسلم، تأخذ بيده ثم تنفث ثم تعيد يده إلى جسده، لماذا؟ لأن جسده أبرك الأمكنة لبركة يده عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان مباركا، وكان الصحابة يلتمسون بركة جسده. لكن هذه الأمور إخواني في الله هي ملازمة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما توفي نبينا صلى الله عليه وسلم لم يبق مقام لالتماس جسده أو شعره أو عرقه أو وضوئه أو شيء، بقيت الأشياء المفصولة المنفصلة عنه. نعم، بعض الصحابة تبرك بها، لكن يبقى السؤال: هل هذه لها ديمومة؟ الجواب: لا، ما تدوم هذه الأشياء التي بقيت من آثار رسول الله، كبعض الشعرات التي كان الصحابة يلتمسون بركتها في الشفاء والعلاج، هذه بقيت فترة عندهم ثم بليت وذهبت. فما بقي شيء من رسول الله باق، فقد ووري جسده الثرى، وأغراضه وأمتعته وآثاره المنفصلة بليت. إذن، قال العلماء: فالحديث عن التبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح الآن موضوعا نظريا، ليس له واقع عملي، ما أحس، يتكلم الآن حول حكم التبرك بآثار الرسول؛ لأن المسألة قد انقضت وانتهت. ما بقي عندنا شيء من آثار الرسول حتى يسأل أحد عنها: هل يجوز أن أتبرك بشعره؟ ما هناك شعر، بثوبه؟ ما هناك ثوب، ما هناك شيء من آثاره. ولهذا يعبر العلماء أن قضية التبرك بآثار رسول الله نعم هي مسألة ولت وذهبت، كان يجوز في زمنه، وبعد موته وانتهاء المدة انقضى هذا الباب، فما بقي شيء من آثاره انتهى. لكن جاءت المسألة الثانية، وهي مسألة القياس، أنه وجد من يرى أن هذا الباب ما يغلق، بل لا يزال مفتوحا، ندخل من؟ قال: ندخل أهل الصلاح، من كان صالحا يعامل كما يعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نلتمس بركته. نعم، وجد هذا من صنيع بعض العلماء، كالإمام النووي رحمه الله تعالى، أكثر من هذا الباب التبرك بآثار الصالحين، التبرك بآثار أهل العلم والعبادة. وهل هذا صحيح؟ أن يفتح الباب بأن نتبرك بآثار الصالحين قياسا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا، ما يجوز، ولا يفتح هذا الباب أبدا. ومن ذهب إلى ما ذهب إليه من جواز التبرك بآثار الصالحين قياسا برسول الله غلط، خطأ، ما يجوز هذا القياس أبدا. وقد ذكر العلماء، وهم أكثر العلماء على المنع، استدلوا بعدة أمور تدل على عدم فتح باب التبرك بآثار الصالحين. الأمر الأول: إذ أن هذا الأمر وهو التبرك أمر تعبدي، تريد منه الأجر والقرب والثواب والتعبد والعبادة، باب توقيفي يحتاج إلى دليل، هات لي دليل على أن هذا مما يجوز أن نتبرك بآثاره وفضلاته إلى آخر ذلك. فهذا أمر تعبدي، وما من عبادة إلا وتحتاج إلى دليل ينص عليها، وما عندنا دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين. الأمر الثاني: أن هذا الباب إخواني في الله ألا وهو التبرك بآثار الصالحين لم يعرف عن السلف الصالح أنهم فعلوا ذلك. الصحابة رضي الله تعالى عنهم والذين قد سمعنا عنهم قبل قليل أنهم تبركوا بكذا وكذا من آثار رسول الله، هل فعلوا هذا مع أبي بكر الصديق؟ هل جاء أحد منهم إلى أبي بكر فأخذ شيئا من شعرات رأسه أو أتى إلى عرقه المتصاقط من جبينه أو ذهب إلى الماء المتصاقط من وضوئه؟ هل فعل أحد مع أبي بكر ذلك أو مع عمر أو مع عثمان؟ ما أحد صنع هذا. لماذا لم يصنع الصحابة هذا؟ وهؤلاء من سادات الصحابة مع العشر المبشرين بالجنة. دعك من الصحابة، انتقل للتابعين، التابعون عاصروا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، هل قام التابعون وتبركوا بآثار أصحاب رسول الله وهم من هم؟ الجواب: لا، ما أثر هذا أبدا، أن أخذوا شيئا من فضلاتهم ومن آثارهم فتبركوا بها. لماذا؟ لعلم السلف أن باب التبرك بالذوات هو خاص بالأنبياء، هو خاص بنبينا عليه الصلاة والسلام فقط، لا يقاس عليه غيره. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: كذلك مما يبطل قضية التبرك بذوات الصالحين من هذا الذي يقارن نفسه برسول الله من جوازه قال: قياسا برسول الله، أي هذا يقاس برسول الله، كما أننا نتبرك بآثار رسول الله إذا نتبرك بهذا. السؤال: من هو هذا الذي نجعله في صف رسول الله؟ أنت مثل رسول الله؟ يتبرك به ويتبرك بك من هذا؟ هل أحد يستطيع أن يقول: ها أنا ذا، أنا بلغت من الصلاح أني أقيس وضعي بحال رسول الله؟ ما أحد يوجد يا إخواني، مسألة فرضية جدلية، ما أحد يستطيع أن يقوم بهذا ويقول: أنا أقيس نفسي برسول الله. ما أحد، ولهذا يغلق هذا الباب، باب القياس يغلق؛ لأنه ما أحد يوازي ولا يساوي ولا يداني نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم يدعي لنفسه ما يدعيه نبينا لنفسه عليه الصلاة والسلام. رابعا: مما يبطل به هذا الباب قضية الصلاح، التبرك بذوات الصالحين، التبرك بآثار الصالحين، كلمة الصالح هذه أصبحت مطاطة. أتعلم ما معنى كلمة مطاطة؟ يعني لربما هو صالح عندك أنت، لكن إذا جعلناه تحت المجهر ونظرنا إلى حياته وإلى تاريخه لربما وجدنا من هو أفسد خلق الله. نقول: هذا صالح، كما نرى ممن يغالي بالحلاج وابن الفارض وابن عربي، الهلكى ممن كانوا في أزمانهم يظنون فيهم الصلاح ويتبركون بآثارهم وبفضلاتهم، مع أن هؤلاء عند أهل العلم من أكبر خلق الله. فلا تفتح لك مسألة الصلاح إلا ربما عندك، عند أهل العلم ليس بصالح. فإذا وجد أن هذا المصطلح يتلاعب به كل من أحب أحدا ما قال: هذا رجل صالح، أحب أن أتبرك به. وأنا آتي عند شخص آخر أعجب، قل: هذا رجل صالح. طيب إلى متى يا صالح هذا؟ ولربما هذا الصلاح فيما يظهر لك، لكن في باطنه ماذا؟ صلاح الباطن وهو الأساس وهو الركن الركين في صلاح العبد، صلاح القلب، ما أدرك بصلاح قلبه. لربما إذا خرج عندك لربما صحيح أذرف الدمع وأطال القيام وانشغل بالسجود، لكن لربما إذا دخل إلى بيته نسأل الله السلامة والعافية، إذا خلا بمحارم الله انتهى كلامه. هذا الذي أنت تدعوه صالح، فما عندك علم. فإذا كان هذا المصطلح ما يمكن أن ينضبط، يغلق هذا الباب، لا يتبرك لا بصالح ولا بغير صالح. وهذا من الأمور المذكورة عند العلماء أن يغلق هذا الباب، لا يقاس أحد ولا يسمى عندما يسمى بذوات الصالحين. الأمر الخامس والأخير: أن هذا الباب فتحه فتنة، فتحه فتنة في حق من؟ فتنة في حق المعظم والمعظم، فتنة في حق التابع والمتبوع، فتنة وذلة. والله لو ربما إخواني في الله من نظر إلى أحوال هؤلاء من يبحث عن آثار الصالحين، ما الذي يصنع؟ تنظر إلى المتبوع هذا الذي يبحث عن البركة يفعل أفعال خزي. لو ربما يتكالبون على اللقمة إذا قام هذا الشيخ أو السيد وأكل، ثم قام يقوم هؤلاء ويتناهشون على الطعام، ما هذا؟ قالوا: يبحثون عن البركة بهذه الصورة. بل والله أخبرت أن بعض الناس يتقاتل على تعفن الغسل بعد الطعام، إذا قام هذا الشيخ وغسل يده في الإناء الذي بعده، ممنوع أن يطرح يده بعد الشيخ، وإنما يشرب يشرب الغسل. هذه تربية الإسلام بهذه الصورة؟ أنك تنبطح، بل والله رأيت بعيني ما أخبرت، رأيت بعيني مقطع رجل يتبرك بشيخ بماذا؟ يأكل من برازه، يأكل الغائط، يأكل الغائط. قد عمد هذا الشيخ أنه يفرغ بطنه يفرغ يفرغ حتى يخرج برازه أعزكم الله، ويأتي هذا يأكل. يا إخوان، هذا واقع، فتنة، لو فتح هذا المجال للناس، أنت ربما تظن أن البركة الناس كلهم على عقل وعلى ذوق، لا، الناس يفتتن فتنة فتنة في حق هذا المتبوع وفي حق التابع. وأيضا فتنة في المتبوع، الشيخ الذي يفتح له المجال: يا فلان، أنت محل البركة، الناس يتبركون بك، فماذا تظن بهذا الكبير والذي علم أن الناس يقصدونه بحثا عن بركته؟ يأتيه الزهو والغرور والعجب والكبر. وقد رأينا وسمعنا حتى أن بعضهم أولعوا ربما أتى أراد ماء، وما يريد ماء، لكن انظر الكبر، فإذا جئ له بماء يشرب القليل ثم يطرح، لماذا؟ لكي يرى كيف هو، فيتهافتون: يا شيخ، أعطني، يا شيخ، أعطني، فيعطي. وقد رأيت كما رأى بعضكم أن بعض هؤلاء إذا جئ له بالطعام، ماذا يفعل؟ يقول لأتباعه: تعالوا، يلقمهم، وهم كبار باللحى، يطعمهم ويشعر بالزهو والغرور. هذا صالح؟ هل هذه أخلاق الصالحين؟ صالح؟ يفعل هذا الفعل، أنه يرى ذل العباد أمام يديه، يطعمهم طعام؟ يمسك طعام: خذ، خذ. بل والله أخبرت كذلك، وهذا أمور واقعية ملموسة، أن ذه، إلى قعر أماكن هؤلاء، لأذهلت يا عبد الله، من هذا الكبر. أخبرت كما أخبرني بعض من ذهب إلى هنالك في أماكنهم، في مقراتهم، قال: ذات يوم خرجت إلى ذاك المكان زيارة لأحد الطلاب من المريدين. فبينما كنت عندهم، فأخبروا بأن الشيخ الفلاني قدم إلى هذا المكان، فخرجوا وسلموا عليه. قال: فخرجت وأنا مع الناس أنظر كيف السلام. قال: والله أن السلام، أن هذا الكبير يجعل يده هكذا ممدودة، بقي ممدودة، ويأتي الطابور والكل يقبل يده يمنة ويسره، لحسن وهكذا، لا يقول: يسلم، لا، ما في سلام، كبر، يجعل يده ممدودة هكذا، والطابور طويل، ويقلبون يده ذات اليمين وذات الشمال، الذي يلحس، والذي يلعق، والذي يقبل. هذا إخواني، فعل الصالحين؟ هذا من آثار التبرك بذوات الصالحين، فتنة، فتنة للتابع، فتنة للمتبوع، فتنة للمعظم، فتنة للمعظم. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم إغلاق هذا الباب، ما يقاس أحد أبدا برسول الله، فإنما التبرك بالذوات إنما هو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم. لما سمعتمو إخواني في الله، إذ أن التبرك أمر تعبدي يحتاج إلى دليل، وأن السلف ما كانوا يتبركون إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلكم أن التبرك إنما كان كما قال أهل العلم خاص برسول الله، لا يقاس عليه أحد. فمن هذا الذي يجعل نفسه بمقام رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ رابعا: أن كلمة الصلاح لا تنضبط، فكم من رجل فاسق عند قوم، صالح عند غيره. وأخيرا: أن فيها فتنة. ومن هنا ولهذا ولذات يغلق هذا الباب تماما. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أعيد أكرر إخواني في الله: عن محاضرة الليلة المقامة بإذن الله في هذا المسجد المبارك بين مغرب وعشاء، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.