الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشير المقطع إلى أن من أسباب إجابة الدعاء الإلحاح فيه وتكراره دون يأس، مستنداً إلى حديث أبي هريرة الذي ينهى عن تعجل الإجابة، ويوضح أن تأخر الإجابة قد يكون لحكمة إلهية، وأن الاستمرار في الدعاء يعد عبادة عظيمة بحد ذاتها.
يؤكد المقطع أن الله أعلم بالخير للعباد، وأن استعجال الإجابة آفة تدفع العبد لترك الدعاء وحرمان نفسه الأجر، ويضرب المثل بأولي الألباب في خواتيم سورة آل عمران الذين كرروا "ربنا" خمس مرات فاستجاب الله لهم، مشبهاً تارك الدعاء بمن يزرع ثم يهمل زرعه.
يشبه المقطع تارك الدعاء بمزارع أهمل أرضه بعد طول انتظار الثمرة، ويؤكد ابن القيم أن الإلحاح في المسألة يجب أن يكون بالتلطف والتودد وإظهار الافتقار لله لا بالقوة والشدة، لأن ذلك من سوء الأدب مع الله، والأدب مع الإلحاح من أسباب إجابة الدعاء.
يحث المقطع على الاستمرار في الدعاء والإلحاح فيه، مع تفويض الاستجابة لعلم الله وحكمته، فهو أعلم بما يصلح للعبد في الدنيا والآخرة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع هذه الرسالة القيمة: "الدعاء الذي لا يرد"، وذكر بعض الأسباب التي تكون سبباً في إجابة الدعاء. وما أحوج المسلم إلى دعاء ربه والتضرع إليه، والحرص على الأخذ بالأسباب التي تعينه وتوفقه إلى إجابة الله جل وعلا لدعائه. قال المصنف -فقه الله-: الأمر التاسع، أي من أسباب إجابة الدعاء، قال: "الإلحاح في الدعاء وعدم استعجال الإجابة". فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي». والحديث رواه البخاري ومسلم. "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل"، يعني: يعجل الإجابة، يقول: "قد دعوت ربي فلم يستجب لي"، فيدع الدعاء ويترك الدعاء. قال: فمن آداب الدعاء العظيمة: الإلحاح بالطلب، وتكرار الدعاء، ومداومة السؤال مع تحري الأوقات الفاضلة. فمن أدمن قرع الأبواب أوشك أن يفتح له. فهذا الحديث يدل على أنه يستحب للمسلم إذا دعا ربه أن يلح بدعائه، وأن يداوم ويستمر ويكرر، ولا يصيبه اليأس، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء. "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل"، يعني: إذا تعجل قد يحرم إجابة الدعاء. والله جل وعلا قد يؤخر الإجابة لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، أن إجابة هذا الداعي في الزمن المستقبل أو في الزمن الفلاني هو الأصلح له، فيؤخر الله جل وعلا الإجابة. فلا ينبغي للعبد أن يتعجل ويستحسر ويترك الدعاء بسبب ذلك. لا، يستمر أنت في عبادة، كلما دعوت الله جل وعلا فأنت تعبد الله عز وجل وتتقرب إليه بهذه العبادة العظيمة، عبادة الدعاء. قد مر معنا أن الدعاء من أعظم العبادات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة». إذن فأنت في خير، فلماذا التعجل؟ والله عز وجل أعلم بالخير منك، الله عز وجل أعلم بالخير منك. وربما أنت تتعجل الإجابة في وقت ليس من صالحك، ولا من الخير لك أن يتحقق لك هذا الدعاء. إذن فلا تعجل، واستمر في دعائك لربك. قال: ومن تأمل دعاء أولي الألباب في خواتيم سورة آل عمران، كيف أنهم أعادوا قول "ربنا" خمس مرات في دعائهم. نعم، في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ثم ذكر الله عز وجل عنهم دعاءهم: ﴿رَبَّنَا﴾، ﴿رَبَّنَا﴾، ﴿رَبَّنَا﴾، إلحاح وتكرار. فكان في خاتمة هذه الآيات وهذا الدعاء قال: فجاء في خاتمها قوله عز وجل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾. إذا جاءت الإجابة بعد الإلحاح والتكرار، فيستفيد من ذلك المسلم أن تكرار الدعاء والإلحاح بالدعاء سبب عظيم لحصول الإجابة. قال: وينبغي للعبد أن لا يستعجل الإجابة، فإن استعجال الإجابة آفة، آفة من الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه. فإن المستعجل عندما يستبطئ الإجابة يستحسر ويدع الدعاء غالباً. نعم، يستحسر، يصيبه الحسرة، يقول: "ما في فائدة، لماذا أدعو والله عز وجل لا يستجب لي؟" فيترك الدعاء، وحينئذ تقاعس عن هذه العبادة العظيمة ويحرم أجرها، يحرم أجرها وفضلها، وأيضاً يحرم نفسه من فضل هذا الدعاء. لو أنه صبر، استمر وكرر، لاستجاب الله عز وجل لا، وحصل له المقصود. لكنه إذا استحسر وترك الدعاء حرم خيراً عظيماً. قال: ويكون حاله كحال من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وثمره تركه وأهمله، ولم يحصل مطلوبه منه. حال هذا الداعي الذي يتعجل الإجابة فيدع الدعاء، كحال من عنده أرض فقام بزراعتها، بذر فيها البذور، وقام يسقيها ويتعاهدها بين الحين والآخر، حتى طال عليه حصول الثمرة، فأصابه الكسل والخمول، فترك هذه المزرعة وأهملها، فلم يسقيها ولم يتعاهدها. فستكون العاقبة أن يموت هذا الزرع ولا ينتفع به. وهكذا حال من ترك الدعاء ولم يستمر ويكرر دعاءه لربه، فهو سيحرم خير هذا الدعاء. قال: وقد نبه الإمام ابن القيم في هذا الموطن على فائدة لطيفة بقوله: "وألح عليه في المسألة وتملقه". قال: والتملق هو التلطف والتودد في الطلب. فيشير رحمه الله بهذا إلى أن الإلحاح بالدعاء يكون بتلطف وأدب، وإظهار الافتقار والحاجة لله رب العالمين. يعني: ما يكون بقوة وشدة، لأن هذا من سوء الأدب، هذا من سوء الأدب. يعني: لو مثلاً إذا قال الولد لأبيه: "أعطني الحاجة الفلانية"، فلم يلتفت إليه المرة الأولى، الثانية، الثالثة، فقال: "أعطني" بقوة وبشدة، هذا من سوء الأدب أن يخاطب الولد أباه بهذا الخطاب. ولله جل وعلا المثل الأعلى. فكونك تلح على الله جل وعلا بالدعاء لا بد أن يكون هذا الإلحاح بأدب وتذلل وخضوع، لا بكبر وغرور وغطرسة، فتخاطب الله جل وعلا بشدة، هذا سوء أدب، ما ينبغي. فأشار ابن القيم رحمه الله أن الإلحاح بالسؤال ليس معناه أنك تدعو الله عز وجل بما ينافي الأدب في الدعاء، بل ينبغي أن تدعوه وتلح عليه بأدب وتذلل وخضوع وإظهار الحاجة إلى الله جل وعلا. فكل ذلك من أسباب إجابة الله جل وعلا لدعاء العبد إذا دعاه. إذا، فمن أسباب إجابة الدعاء: الإلحاح في الدعاء، وعدم استعجال الإجابة. فتدعو الله عز وجل وتستمر في دعائك وإلحاحك في دعاء الله جل وعلا حتى يستجيب الله عز وجل لك، وذلك موكل إلى علم الله سبحانه وتعالى، فهو الأعلم جل وعلا بالأصلح لك والخير لك في الدنيا وفي الآخرة. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.