كتاب الصلاة 32

كتاب الصلاة 32

الدرس في كتاب الصلاة 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صلاة الاستسقاء: كيفيتها ووقتها ومشروعية الخطبة

يشرح المحور أحكام صلاة الاستسقاء مستنداً إلى حديثي ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، مبيناً أنها ركعتان تصلى في وقت الضحى كصلاة العيد. كما يوضح جواز تقديم الدعاء على الصلاة أو تأخيره، ومشروعية الخطبة فيها خلافاً لمن فهم نفيها من قول ابن عباس.

أحكام وآداب صلاة الاستسقاء: الجهر والتوسل والاستسقاء في خطبة الجمعة

يستعرض المحور أحكام صلاة الاستسقاء من الجهر بالقراءة وتحويل الرداء تفاؤلاً بتغير الحال، ويبين مشروعية الاستسقاء في خطبة الجمعة أو بدونها. كما يفصل في التوسل المشروع بدعاء الصالحين لا بذواتهم، وآداب نزول المطر ككشف الثوب والدعاء بـ "اللهم صيباً نافعاً".

آداب نزول المطر ودعاء الاستسقاء وتفصيل رفع اليدين

يتناول المحور آداب نزول المطر ككشف الجسد له والدعاء بـ «اللهم صيباً نافعاً»، وما يُقال بعد انقطاعه، مع ذكر دعاء الاستسقاء الوارد بوصف صفات المطر النافع. ويناقش حديث سليمان والنملة وضعفه، وعدم مشروعية إخراج البهائم للاستسقاء، ثم يبين كيفيّة رفع اليدين في الاستسقاء حتى يرى بياض الإبطين، والفرق بينه وبين رفع اليدين في الدعاء العام وخطبة الجمعة.

استحباب رفع اليدين في الدعاء خارج خطبة الجمعة وختام الدرس

يُبيّن المحور استحباب رفع اليدين عند الدعاء في غير خطبة الجمعة مستدلاً بالأحاديث الواردة في ذلك. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: باب صلاة الاستسقاء. قال: الحديث الثاني والعشرون بعد ستمائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً، متبذلاً، متخشعاً، مترسلاً، متضرعاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه. رواه الخمسة، وصححه الترمذي. هذا الباب: باب صلاة الاستسقاء. والاستسقاء: أي طلب السقي، يعني نزول الغيث والمطر. وصلاة الاستسقاء مشروعة عند حصول القحط وقلة الأمطار وجدب الأرض، فيشرع للمسلمين أن يخرجوا ويصلوا صلاة الاستسقاء، ويدعوا الله سبحانه وتعالى بالغيث ونزول المطر، فهي تشرع عند حصول القحط وقلة الأمطار. وفي هذا الحديث: هذا الحديث من حديث ابن عباس، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً، يعني في هيئته في مشيه. متبذلاً: يعني لابساً ثياب البذلة، غير ثياب الزينة. ثياب البذلة غير ثياب الزينة، يعني الثياب العادية التي لا يتزين بها، لأن المقام مقام تذلل وخضوع لله سبحانه وتعالى وانكسار. متخشعاً: يعني في هيئته، في صوته، وفي بصره، في أثر الخشوع. مترسلاً: يعني في المشي، يمشي مشياً معتدلاً، ليس بمشٍ سريع، يعني متأنياً. متضرعاً: يعني مظهراً للضراعة، يعني التذلل عند طلب الحاجة. قال: فصلى ركعتين كما يصلي في العيد. فيه: أن صلاة الاستسقاء تصلى ركعتين، تصلى ركعتين. وقوله: كما يصلي في العيد، يعني أنها تصلى في الوقت الذي تصلى فيه صلاة العيد، في وقت الضحى عند ارتفاع الشمس وذهاب وقت الكراهة، فهذا وقت صلاة الاستسقاء. وأيضاً هي عبارة عن ركعتين كصلاة العيد. وقوله هنا: كما يصلي في العيد، هل يدل هذا على أنها يكبر فيها كما يكبر في العيد؟ قال بهذا بعض أهل العلم، ومنهم الشافعي رحمه الله، قال: أن صلاة الاستسقاء تكون كصلاة العيد، يكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً. وجمهور أهل العلم حملوا قوله: كما يصلي في العيد، يعني في العدد وفي الوقت. في العدد: أن تصلى ركعتان، وفي الوقت: تصلى في وقت الضحى، لا في الهيئة والتكبير. لا في الهيئة والتكبير، يعني أن يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيد، لأن هذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولو فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لنقل، وأنكره الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فيكون إذن قوله: كما يصلي في العيد، من العام الذي يراد به الخصوص، يعني في العدد وفي الوقت. قال: لم يخطب خطبتكم هذه. يعني: ابن عباس يخاطب قوماً في وقته، منكراً عليهم، منكراً عليهم ما حصل منهم فيما يتعلق بالخطبة. وقوله: لم يخطب خطبتكم هذه، ليس نفياً للخطبة، وإنما هو خطاب لأناس معينين في زمنه رضي الله عنه، أنكر عليهم شيئاً يعني فعلوه في الخطبة، فلا يدل هذا على عدم مشروعية الخطبة. وسيأتي معنا في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، خطب الناس في صلاة الاستسقاء، والخطبة ثابتة. فهو يقصد الآن شيئاً معيناً، يقصد شيئاً معيناً، وخاطب قوماً معينين، ينكر عليهم شيئاً يعني أحدثوا أو فعلوا فيما يتعلق بالخطبة. قال: الحديث، طبعاً هذا الحديث من حديث ابن عباس، فيه هشام بن إسحاق، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. وقول ابن أبي حاتم في الراوي: شيخ، بمعنى أن فيه كلام، أن فيه كلام، لكن الأصل في الحديث يعني يشهد له الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة الاستسقاء. قال: الحديث الثالث والعشرون بعد ستمائة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، يعني قلته وعدم نزوله. قال: فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. وقوله: فوضع له، أمر بمنبر فوضع له في المصلى. الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "الزاد" يقول: في النفس شيء من ذكر هذه اللفظة، نفضت: "فأمر بمنبر فوضع له في المصلى". قال: وعد الناس يوماً يخرجون فيه. ففيه: يعني إذا شك الناس قلة الأمطار وحصول القحط، اتفق الناس على خروج بيوم من الأيام لصلاة الاستسقاء، والمستحب أن تصلى في المصلى، يعني مصلى العيد خارج المسجد. قال: فخرج حين بدا حاجب الشمس، يعني عند ارتفاع الشمس وذهب وقت الكراهة، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه»، يعني عن الوقت الذي كان المعتاد أن يأتي فيه المطر. «عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم». ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت قوة وبلاغاً إلى حين». ثم رفع يديه، فلم يزل حتى رؤي بياض إبطيه. ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل، وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت. رواه أبو داود، وقال: غريب وإسناده جيد. فهذا الحديث فيه مشروعية صلاة الاستسقاء عند القحط وقلة الأمطار، فيخرج المسلمون إلى المصلى فيصلون صلاة الاستسقاء. وفي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء، بدأ بالدعاء، ثم صلى صلاة الاستسقاء. وفي بعض الروايات عند عبد الله بن زيد: أنه صلى ثم استسقى. وكلا الأمرين جائز، كلا الأمرين جائز: يجوز أن يقدم الدعاء ثم يصلي، ويجوز أن يقدم الصلاة ثم يدعو. وكان جمهور أهل العلم على أنه تقدم الصلاة أولاً ثم الدعاء بعد ذلك. وفيه أيضاً: استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، في الصلاة، في الدعاء عند صلاة الاستسقاء يستحب رفع اليدين، بل المبالغة في ذلك، ما سيأتي: يبالغ في رفع اليدين حتى يرى بياض إبطيه، كما قال هنا: فلم يزل حتى رؤية بياض إبطيه. وهذا لا يكون إلا عند المبالغة في رفع اليدين حتى يرى بياض الإبطين. وفيه أيضاً: استحباب تحويل الرداء، تحويل الرداء بعد الفراغ من الدعاء. طبعاً الدعاء يكون إلى جهة القبلة، إذا دعا الإمام يتوجه إلى جهة القبلة، ويعطي الناس ظهره، ويتوجه إلى جهة القبلة ويدعو. فإذا فرغ من الدعاء قلب الرداء، يجعل الذي على اليمين على اليسار، والذي على يساره على يمينه، تفاؤلاً بتقلب الحال وتغير الحال، تفاؤلاً بتغير الحال. وهذا مستحب، هذا على جهة الاستحباب، ففعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، ثم نزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت. قال: الحديث الرابع والعشرون بعد الستمائة. وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، وفيه: فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة. قال: فتوجه إلى القبلة يدعو، إذن الدعاء يكون إلى جهة القبلة في دعاء الاستسقاء. ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة. فيه: أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، يجهر فيها بالقراءة. قال: الحديث الخامس والعشرون بعد الستمائة. وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى، وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعلها أعلاها، يعني يعكسها من الأسفل إلى الأعلى. قال: فثقلت عليه، فقلبها، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. رواه أحمد، وصححه ابن حبان، وهو صحيح. فيه: يعني ذكر صفة القلب، قلب الرداء يكون على هذه الصفة، يجعل اليمين على الشمال، أو الشمال على اليمين، أو يجعل الأسفل على الأعلى والأعلى إلى الأسفل. يعني مثلاً: تصلي وأنت لابس عباءة مثلاً، أو الكوت، فتقلبه، تجعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين. إذا لم يكن عندك إلا عمامة مثلاً، تقلبها، لا بأس كذلك. قال: الحديث السابع والعشرون بعد الستمائة. وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: وقلب رداءه ليتحول القحط. والمرسل من قسم الضعيف، لكن معناه صحيح، أن هذا هو المقصود من تحويل الرداء: التفاؤل بتحول وتغير الحال. قال: الحديث السابع والعشرون بعد ستمائة. وعن أنس رضي الله عنه: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله عز وجل يغيثنا. فرفع يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». فذكر الحديث. وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه. نعم، هذا الحديث: حديث أنس في قصة الرجل الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب، فسأله أن يدعو الله عز وجل لهم بالغيث، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». فتجمعت السحب، ونزل المطر، فلم يروا الشمس أسبوعاً، يعني سبعة أيام كاملاً. وقوله: فيه الدعاء بإمساكها. فلما جاءت الجمعة التي بعدها، دخل الرجل، وقال: يا رسول الله - أعلم هو الأول أو غيره - قال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يمسكها عنا. فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر». فهذا الحديث فيه: مشروعية الاستسقاء في خطبة الجمعة، مشروعية الاستسقاء في خطبة الجمعة. فكما أنه يشرع أن يخرج الناس لصلاة الاستسقاء بصلاة خاصة، وكذلك يجوز أن يكون الاستسقاء في خطبة الجمعة، هي تكون كيفية أخرى من كيفيات الاستسقاء، وهو أن يدعو الخطيب في أثناء الخطبة، يدعو بالسقي، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك كيفية ثالثة، كيفية ثالثة للاستسقاء، وهو أن يكون الدعاء في غير خطبة الجمعة، وبغير صلاة الاستسقاء. ممكن أن يدعو في غير صلاة الاستسقاء، وبغير يوم الجمعة، أو صلاة خطبة الجمعة. ويدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري عن محمد عن عمير مولى آبي اللحم: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت، وهو موضع في المدينة، قال: يدعو بكفيه. رأى النبي صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت يدعو بكفيه. لأن هذه كيفية كذلك مما يشرع فيه الاستسقاء، الاستسقاء. وفي هذا الحديث كذلك: أنه إذا استمر المطر، وخشي الناس من الضرر، فيستحب أن يدعو الله جل وعلا بإبعاده وصرفه إلى الأودية ومنابت الشجر، بعيداً عن يعني مساكن الناس. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر». قال: الحديث الثامن والعشرون بعد الستمائة. قال: وعنه رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: «اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون». رواه البخاري. في هذا الأثر: مشروعية الاستسقاء كما مر، وأنه كذلك يستحب أو ينبغي اختيار من يرى فيه الخير والصلاة لصلاة الاستسقاء ودعاء الاستسقاء. فعمر رضي الله عنه لما أصابهم القحط استسقى بالعباس، يعني طلباً من العباس أن يدعو لهم، طلباً من العباس أن يدعو لهم. وقال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا، يعني بدعائه لا بذاته. قوله: نستسقي بنبينا، يعني بدعائه، كما هو الثابت في السنة. فتسقينا: يعني تستجيب بدعاء نبيك ويحصل السقي. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. هنا التوسل بعم نبي، يعني بدعائه، لا بذات العباس، لا بذات العباس. فالتوسل هنا بدعاء الرجل الصالح، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع: أن تتوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح. فهذا جائز. فهذا جاء في هذا الأثر. ثم قال للعباس: قم يا عباس، فدعا. تبين المراد: نتوسل إليك بعم نبي، يعني بدعائه لا بذاته. فالتوسل المشروع يكون بدعاء الرجل الصالح. كما أنه كذلك يشرع التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته. وكذا النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع: التوسل إلى الله جل وعلا بالعمل الصالح. هذه ثلاث أنواع من أنواع التوسل المشروع. وما سوى ذلك فهو ممنوع، كالتوسل بجاه الصالحين، أو بذوات الأنبياء والصالحين، أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز. فالمقصود: أنه يختار في الاستسقاء من يرى فيه الخير والصلاة، فيقدم لدعاء للناس وسؤال الله جل وعلا السقيا. قال: الحديث التاسع والعشرون بعد الستمائة. وعنه رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر. قال: فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، وقال: «إنه حديث عهد بربه». رواه مسلم. قال: الحديث الثلاثون بعد الستمائة. وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيباً نافعاً». أخرجه البخاري. حديث أنس: قوله: «وأصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر». فيه دلالة على مشروعية تسمية مطر أو ماء السماء الذي ينزل غيثاً أن يسمى مطراً، أن يسمى مطراً، ولا يختص المطر بالعذاب، بل قد ينزل عذاباً، وقد ينزل رحمة. قال هنا: «وأصابنا ونحن مع رسول الله مطر»، ولم يكن هذا المطر عذاباً، بل كان غيثاً، فدل على جواز تسمية مثل ذلك مطراً. وفيه: استحباب الكشف، كشف الإنسان عن شيء من جسده ليصيبه المطر. قال: فحسر ثوبه، يعني كشفه، ضم بعضه إلى بعض حتى ظهر شيء من جسده عليه الصلاة والسلام، فأصابه المطر. وقال: «إنه حديث عهد بربه»، يعني: هو قد نزل الآن، قريب من عند الله سبحانه وتعالى، فكأنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يصيبه شيء من بركته. فهذا الفعل مستحب عند نزول المطر، أن يكشف الإنسان شيئاً من جسده ليصيبه المطر. وفي حديث عائشة: أنه يستحب إذا نزل المطر أن يقول المسلم: «اللهم صيباً نافعاً». معنى صيباً: أي مطراً نافعاً، يعني يكون فيه نفع، بسقي الأرض وإنبات النبات، وسقي البهائم، وانتفاع الناس بماء المطر، فيكون فيه نفع، يعني لا يكون هذا المطر عذاباً ونقمة، بل يكون نافعاً، ينتفع منه العباد، وكذلك ينتفع منه البلاد. «اللهم صيباً نافعاً»: هذا يستحب عند نزول المطر. فإذا انتهى المطر، فيقال: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، كما في حديث زيد بن خالد الجهني: إذا انتهى المطر تقول: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، فتنسب المطر إلى الله سبحانه وتعالى. قال: الحديث... الحديث... الحديث الحادي والثلاثون بعد الستمائة. وعن سعد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في الاستسقاء: «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، عاماً، طبقاً، سحاً، دائماً، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، عاماً، طبقاً، سحاً، دائماً». رواه أبو عوانة في صحيحه. اللهم جللنا: يعني عممنا، عممنا سحاباً، يجعل السحاب عاماً على يعني كل الأرض حتى يعمها المطر. كثيفاً: يعني السحاب ليس خفيفاً، بل كثيفاً متتابعاً، يكون مظنة لنزول المطر. وقوله: قصيفاً: يعني فيه رعد شديد الصوت. دلوقاً: أي شديد الدفع. ضحوكاً: أي ذات برق، يكون في هذا السحاب برق. تنطرنا منه رذاذاً: الرذاذ، الرذاذ ما كان مطره دون الطش، يعني أخف من الطش. وقوله: قط قطاً: القط قط أصغر المطر، أصغر المطر. القط قط ثم الرذاذ ثم الطش. القط قط ثم الرذاذ ثم الطش. يعني يكون نزول المطر على هذه الصفات: ينزل قط قط، ثم رذاذاً، ثم طشاً، فيحصل بذلك الانتفاع، الأرض تنتفع لما ينزل عليها المطر رذاذاً، يعني مطراً خفيفاً، تشرب الأرض، وحينئذ تنبت الزرع والنبات، فيحصل ذلك ابتداءً، ثم يزيد المطر بعد ذلك، وتسيل السيول إلى آخر ذلك. قال: سجلا. ومعنى سجلا: يعني أن يصب صباً. يا ذا الجلال والإكرام: يعني تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بهذين الاسمين العظيمين، اللذين يدلان على عظمة الله سبحانه وتعالى، على جلالته وعظمته، وعلى جوده وإكرامه سبحانه وتعالى. قال: الحديث الثاني والثلاثون بعد ستمائة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خرج سليمان عليه السلام يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك. فقال: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم». رواه الحاكم، وصححه، وبعضهم علم. استدل بهذا الحديث على مشروعية إخراج البهائم عند الاستسقاء، وأن ذلك يعني سبب لنزول الغيث، إلى آخره. لكن هذا الحديث لا يصح، ففيه محمد بن عون، وأبوهما مجهولان. وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء برقم سبعمائة وستين، وصحح أنه لا يشرع إخراج البهائم، لعدم فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ما أمر النبي عليه السلام الصحابة أن يخرجوا بهائمهم، وكانوا يعني عندهم بهائم، كانت عندهم بهائم، عندهم أغنام، وما أمر بإخراجها. ولو كان هذا مشروعاً لأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الحديث الثلاثون بعد ستمائة. عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء. رواه مسلم. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، يعني هكذا. لكن حمل هذا العلماء على أن المراد: المبالغة برفع اليدين حتى تكون ظواهر الكفيين إلى السماء، من شدة مبالغته في دعائه، يعني يدعو هكذا، فتكون ظواهر الكفين إلى جهة السماء، يعني دعاء وتفاؤلاً بنزول الغيث والمطر. هكذا يكون ظواهر الكفين إلى السماء. قال: ظواهر الكفين إلى السماء، فيكون هذا مشروعاً جائزاً عند الاستسقاء، وهذا من المبالغة في رفع اليدين. قال: الحديث الرابع والثلاثون بعد الستمائة. وعنه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. متفق عليه. لا يرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع، يعني في الاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه، حتى يرى بياض إبطيه. هذا الأثر: يعني حمله أهل العلم، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم، وابن رجب في فتح الباري، حملوا هذا الأثر على محملين: المحمل الأول: أن أنساً رضي الله عنه حدث بما رأى، أن أنساً رضي الله عنه حدث بما رأى، أنه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، إلا في الاستسقاء. وهذا لا ينافي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في غير الاستسقاء، كما أخبر بذلك غيره من الصحابة رضي الله عنهم. وحينئذ يقدم قول المثبت على النافي. الأمر الثاني: أن مراد أنس رضي الله عنه: المبالغة في رفع اليدين، المبالغة في رفع اليدين. يعني قوله: لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، يعني لا يبالغ في رفع يديه هذه المبالغة إلا في دعاء الاستسقاء. ولعل هذا هو الأظهر، والله أعلم، أنه يعني يريد أنه لا يبالغ في رفع اليدين في الدعاء إلا في الاستسقاء، أما في غير الاستسقاء فيرفع يديه من غير المبالغة. والأحاديث يعني الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين في الدعاء كثيرة، كثيرة، حتى أوصلهم بعضهم إلى مئة حديث، هي متواترة معنى. إذن لابد من حمل قول أنس على أحد هذين المحملين كما سمعتم. وكان وقع في نفسي أن يحمل هذا يعني على رفع اليدين في الخطبة، رفع اليدين في أثناء الخطبة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه في الدعاء في الخطبة إلا في الاستسقاء، إلا في الاستسقاء. طيب، هذا قد يكون أيضاً محملاً صحيحاً، والله أعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه رفع اليدين في خطبة الجمعة إلا في دعاء الاستسقاء، والله أعلم. على كل: رفع اليدين في الدعاء في غير الاستسقاء جائز، وفي الاستسقاء يتأكد استحبابه مع المبالغة في رفع اليدين. حتى في خطبة الجمعة يجوز رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، ولو في خطبة الجمعة. وأما بغير الاستسقاء في خطبة الجمعة، فلا يجوز رفع اليدين في خطبة الجمعة. وأما في الدعاء في غير خطبة الجمعة، فلا بأس، فيستحب رفع اليدين في الدعاء. طيب، إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.