التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 42

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 42

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 42، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التوازن بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقضاء والقدر في قصة أم موسى

يؤكد المقطع ضرورة الجمع بين الإيمان بالقضاء والقدر والأخذ بالأسباب المشروعة، مستشهداً بسعي أم موسى لتتبع ابنها رغم الوعد الإلهي برده. ويوضح أن الوعد بالنصر أو الرزق لا يغني عن بذل الجهد الحسي والمعنوي، محذراً من إهمال الأسباب بدعوى التوكل.

الأخذ بالأسباب وآداب خروج المرأة وأجر الرضاعة في قصة موسى

يبين المقطع أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب كما فعلت أم موسى بأمر ابنتها بتتبع أخيها، ويستدل بخروج أخت موسى وكلامها على جواز خروج المرأة لحاجة وكلامها للرجال الأجانب بلا خضوع إذا انتفت الفتنة. كما يقرر جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاعة كما فعلت أم موسى وأقره الشرع.

أحكام فقهية من قصة موسى: أجر الرضاع وتحريم قتل المعاهد

يستعرض المقطع أحكاماً فقهية مستنبطة من قصة موسى، منها وجوب أجر الرضاع على الأب للمطلقة الحاضنة، وتحريم قتل الكافر المعاهد أو المستأمن بدليل ندم موسى على قتل القبطي. ويعد من يقتل النفوس بغير حق جباراً مفسداً حتى لو زعم الإصلاح أو الإرهاب.

التمييز بين النميمة المحرمة والنصيحة الإصلاحية

يفرق المقطع بين النميمة المحرمة ونقل الكلام للتحذير من الشر أو دفع المفسدة وهو جائز بل واجب أحياناً، مستدلاً بالرجل الذي حذر موسى وبمثال الطالب المبلغ عن متكاسل. ويؤكد أن الفعل المذكور لا يعد نميمة لأنه يهدف إلى الإصلاح لا الإفساد، مكتفياً بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى يعدد لنا الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، وقد أطال في ذكر هذه الفوائد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فهذا هو العلم؛ العلم هو الاستفادة مما جاء في القرآن، وهكذا الاستنباط، استنباط الأحكام ونحو ذلك من علوم القرآن. والناس يتفاوتون في ذلك، بل العلماء يتفاوتون في ذلك، فالآية الواحدة ربما استخرج منها عالم من العلماء عشرات الفوائد، ويأتي عالم آخر فلم يستخرج منها إلا عدة فوائد، فوائد قليلة. فهذا من توفيق الله عز وجل للعالم أن يفتح الله عليه، وأن يستنبط من الآيات الفوائد والمسائل والأحكام. فمما اشتهر به الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله كما في هذه القصة، وكذلك فيما سيأتي معنا من قصة نبي الله يوسف عليه السلام، قال: ومنها -أي من فوائد هذه القصة- أن العبد وإن عرف أن القضاء والقدر حق، وأن وعد الله نافذ لا بد منه، فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي تنفع؛ فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله. فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك لما التقطه آل فرعون سعت بالأسباب، أي أم موسى سعت بالأسباب، وأرسلت أخته لتقصه وتعمل الأسباب المناسبة لتلك الحال. فهذه مسألة مهمة جداً قد ضلت فيها طوائف كالمعتزلة ومن نحا نحوهم، وهو اتخاذ الأسباب مع الإيمان بالقضاء والقدر. فمثلاً: الله عز وجل وعد المؤمنين بالنصر، وليس كذلك آيات كثيرة تدل على ذلك ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]. فهل معنى هذا أن المؤمنين يجلسون في بيوتهم ولا يتخذون أسباب النصر؟ لا، وعد الله عز وجل المؤمنين بالنصر، وواجب عليهم أن يتخذوا جميع الأسباب الشرعية من أسباب النصر، سواء أكانت حسية أو معنوية. فالمعنوية كالتَّربية على الإيمان والعقيدة الصحيحة والتوكل على الله ونحو ذلك، والأسباب الحسية كالإعداد الحسي من القوة، قوة الحرب، وكذلك تجميع الآلات التي بها يجاهدون، آلات الحرب، وهكذا تعلم الرماية والجري، وكذلك الحنكة العسكرية والخطط المتقنة في الحروب ونحو ذلك. وهذا كان دأب وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن لا بد من ذلك. الله عز وجل وعد المؤمنين بالرزق، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56-58]، وغيرها من الآيات. فهل معنى ذلك أن المؤمن يجلس في بيته ويترك أسباب اكتساب الرزق الحسية والمعنوية؟ لا، فليتخذ الأسباب الشرعية من الأسباب الحسية والمعنوية، ثم يتسبب في رزقه. فهذه القصة فيها دلالة واضحة على ما تم ذكره. فأم موسى وعدها الله عز وجل بأن يرد إليها ولدها ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]، ومع هذا هل جلست في بيتها واعتمدت على هذا الوعد الرباني ولم تتخذ الأسباب أبداً؟ ماذا قالت لأخته؟ ﴿ قُصِّيهِ ﴾ [القصص: 11]. ما معنى ﴿ قُصِّيهِ ﴾؟ تقدم معنى في هذه القصة. ما معنى ﴿ قُصِّيهِ ﴾؟ من يجيب؟ من يقول: أنا. ما معنى ﴿ قُصِّيهِ ﴾؟ نعم، نعم، نعم: تتبع أثره، انظر أين هو. أليس هذا من اتخاذ الأسباب؟ خروج أخته من بيتها، وتعرفون خروج المرأة من البيت لا يكون إلا لضرورة أو حاجة، ومع هذا أمرت هذه الأم ابنتها أن تخرج وأن تبحث عن، أو أن تتبع أثر أخيها. فهذا لا شك فيه دلالة ظاهرة على اتخاذ الأسباب. وفي القرآن كثير من ذلك، في قوله عز وجل فيما مر معنا أيضاً في هذه القصة لموسى: ﴿ فَاضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾ [الشعراء: 63]. أليس هذا من اتخاذ الأسباب؟ هذا من اتخاذ الأسباب، مع أن ماذا سيفعل العصا في بحر لجي وتلاطم الأمواج؟ لكن هذا من اتخاذ الأسباب، ولو كانت تلك الأسباب ضعيفة. وكذلك قول الله عز وجل لمريم: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ [مريم: 25]. ماذا عسى أن يفعل هز هذه المرأة الضعيفة التي تعاني من المخاض؟ ماذا عسى أن يفعل هذا الهز في تلك الشجرة الراسية، الراسخة القوية، التي ربما ما يستطيع أن يهزها عشرات الرجال؟ وإنما هو من باب ماذا؟ اتخاذ الأسباب. فهذا الموضع من هذه القصة فيه هذا المعنى الذي ذكره رحمه الله. فمن عرف أن القضاء والقدر حق، وأن وعد الله نافذ لا بد منه، فإنه لا يهمل الأسباب، ولا يتكل على هذه الوعود، لا يتكل على هذه الوعود، بل لا بد أن يأخذ بالأسباب. قال: ومنها -أي من فوائد هذه القصة- جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال إذا انتفى المحذور، كما صنعت أخت موسى وابنتا صاحب مدين. وهذا الدين وسط لا إفراط ولا تفريط. فلا نقول للمرأة: لا تكلمي رجلاً أجنبياً أبداً، لا. الله عز وجل ماذا قال في القرآن؟ قال: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ﴾ [الأحزاب: 32]. نهى النساء عن الخضوع في القول، فدل ذلك على أن المرأة إذا تكلمت بغير خضوع في القول فهذا جائز، بشرط كما ذكر هنا أن ينتفي المحذور، يعني ما يكون في ذلك فتنة، أو كذلك ما يكون في هذا الكلام شر وبداية الوقوع في الفتنة. فإذا كان كذلك فلا بأس أن تكلم المرأة صاحب الدكان إذا كان عنده ناس، ما هناك خلوة، وما هناك محذور: "بكم هذه البضاعة؟" بدون خضوع في القول. ركبت سيارة أجرة مع مجموعة نساء، ليس هناك خلوة، تشترط مع السائق: "كم يأخذها؟" ليست المسافة مسافة سفر. هذا لا بأس بذلك، لا بأس بذلك. فانظروا ماذا قالت أخت موسى لهؤلاء: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ [القصص: 11-12]. إذن هذا كلام. وكذلك ابنتا صاحب مدين لما خاطبهن موسى، هل سكتن واستحين؟ لا، قال: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ [القصص: 23]. قالتا: ﴿ لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [القصص: 23]. إذن هذا كلام، وما هو كلام؟ هذا كلام إذن للحاجة. لا بأس للمرأة أن تخرج من بيتها في شؤونها وفي أمرها متحجبة متحشمة، غير خاضعة بالقول، غير متعطرة، غير كذلك مائلة في مشيتها ونحو ذلك، فلا بأس، وأن تكلم الرجال بقدر الحاجة، بقدر الحاجة، استدلالاً من هاتين الواقعتين التي وردتا في هذه القصة. قال: ومنها جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاعة كما فعلت أم موسى، يعني أرضعت موسى بأجر، بأجره. فإن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد من شرعنا ما ينسخه، بل جاء من شرعنا ما يقره. فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، في نعم، قوله عز وجل في سورة الطلاق: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [الطلاق: 6]. هكذا الآية: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. ما هو هذا الأجر؟ أجر الرضاع. إذا خلاص طلق زوجة وبانت منه، ومعها رضيع له، فيلزم أب هذا الرضيع أن يعطي أمه هذه المرضعة أجرة، لأننا الآن تلزمه أجرة ولده، تلزمه ولا يلزمها الرضاع لأنها انفصلت عن زوجها وطلقت. فجاء في شرعنا ما يثبت ذلك الحكم، فلا بأس بذلك. قال: ومنها أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف لا يجوز، فإن موسى ندم على قتله القبطي واستغفر الله منه وتاب إليه. وهذا فيه رد على الخوارج الذين يستحلون قتل الكافرين المستأمنين في بلاد المسلمين أو المعاهدين. فهذا لا يجوز، قتل الكافر طالما أنه ليس محارباً، ودخل إلى بلاد المسلمين بعهد وأمان، بعهد وأمان، فلا يجوز قتله. فموسى لما قتل هذا القبطي، ما قال: "هذا ليس من بني جلدتي، وليس على ديني، وليس هو مسلماً" ونحو ذلك، أبداً، وإنما ندم على ذلك. يدل هذا على أن هذا الفعل ذنب وخطيئة، فالندم لا يكون إلا عن الذنب والخطيئة، لذلك من شروط التوبة الندم، من شروط التوبة الندم. فهذا فيه هذا الحكم أيضاً كما ذكر. قال: ومنها أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين المفسدين في الأرض، ولو كان غرضه من ذلك الإرهاب، ولو زعم أنه مصلح، حتى يرد الشرع بما يبيح قتل النفس. وهذا أيضاً فيه رد على الخوارج الذين يقتلون الكفار المستأمنين بحجة الإرهاب، حتى يخاف الكفار، حتى يرهبهم، يرهبهم الكفار، ولربما مثلوا بمن قتلوه وصوروا ذلك وبثوا ذلك من أجل بث الرعب. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، لو كان بهذا القصد، فإن ذلك من عمل الجبارين المفسدين في الأرض. ماذا قال له؟ ﴿ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [القصص: 19]. فإذن من فعل ذلك فهو جبار وهو مفسد. كذلك قال: ومنها أن إخبار الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شر يقع به لا يكون نميمة، بل قد يكون واجباً، كما ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، محذراً موسى، على وجه الثناء عليه. ومعنى هذا أن النميمة هي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد، بقصد الإفساد. فإذا كان نقل هذا الكلام ليس بقصد الإفساد، وإنما بقصد الإصلاح، أو بقصد دفع الشر ونحو ذلك، فهذا لا يعد من النميمة. فهذا الرجل جاء من أقصى المدينة يسعى، قال: ﴿ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ [القصص: 20]. فنقل هذا الكلام الذي سمعه أو الذي علمه عن أولئك، وأنهم يريدون قتل موسى، فجاء وبلغ موسى بذلك. فهل نقول له: هذا فتان، هذا نمام، كيف نقل الكلام إلى موسى؟ لا، لأن في هذا النقل للكلام كما ذكر المؤلف هنا ليس على سبيل الإفساد، وإنما على سبيل رفع الشر عن موسى، رفع الشر عن موسى عليه السلام. فإذا كان القصد ذلك فلا يعد هذا من النميمة. وقس على هذا: مثلاً طالب دائماً يصلي في السكن، مع الصلوات يعني الناس ينزلون وهو يجلس في السكن، فجاء أحد الطلاب وبلغ المسؤول. هل هذه نميمة؟ هل تعد هذه نميمة عندك يا أستاذ عبد؟ لماذا؟ كيف؟ الآن يعني... فتن على هذا، نقل الكلام يعني أن هذا ما يحضر الصلاة. كيف هذا ما هي نميمة؟ نعم، لوجود المصلحة. اليوم واحد، بكرة اثنان، بعدها ثلاثة، بعدها عشرة، فإذا بالطلاب يتكاسلون عن الصلوات في جماعة، ويتكاسلون عن العلم، وعن الاجتهاد فيه. أليست هذه مفسدة؟ هذه مفسدة. إذن هذا ليس من النميمة، ليس من النميمة، لأنه سيفعل ذلك على سبيل الإصلاح، ليس على سبيل الإفساد، ليس على سبيل الإفساد. وهكذا قس. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله أعلم.