المحاضرة بعنوان نعمة إدراك شهر رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 23 ذو الحجة 1444هـ الموافق 15 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبيّن المقطع فضائل صيام رمضان وقيامه إيماناً واحتساباً كتكفير للذنوب بشرط النية الصادقة، ويذكر أن الله يعتق في كل ليلة عتقاء من النار. كما يحذر من الحرمان من المغفرة لمن يدرك رمضان ولا يغتنمه، مبيناً عظمة الشهر بإنزال القرآن وليلة القدر وفتح أبواب الجنة.
يسرد حديث الرجلين اللذين أسلما معاً فسبق من عاش سنة وصام رمضان الشهيدَ إلى الجنة، مما يدل على عظيم نعمة بلوغ رمضان واغتنامه. ويحث على شكر هذه النعمة واستغلال الشهر في الطاعات ليكون زاداً يوم القيامة.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم داعياً بالبركة على آله وصحبه أجمعين. وتعد هذه الخاتمة سنة متبعة في ختام المجالس والدروس العلمية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأحببت في هذا المقام أن أذكر نفسي وإخواني بهذه النعمة العظيمة، والمنة الكبيرة التي ننتظر قدومها، ونأمل بلوغها، ونرجو إدراكها، ألا وهو إدراك شهر رمضان المبارك. هذا الموسم العظيم من مواسم البر، ومواسم الطاعات، ومواسم الخيرات، ومواسم مغفرة الذنوب والخطايا والسيئات. ما أعظمه من موسم، وما أجله من زمن! جعل الله عز وجل فيه من أسباب المغفرة ما ليس في غيره من الشهور والأزمان. فشهر صيامه مغفرة، وقيامه مغفرة، وإدراكه وبلوغه مغفرة. نعمة عظيمة: تصوم شهراً أوجبه الله عز وجل عليك وألزمك به، ومع هذا تغفر لك ذنوبك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له». من صام: هذا شرط، وجواب الشرط: غفر له. لكن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط لتوفر هذا الجواب، وحصول هذه المنقبة العظيمة، شرطين: أن يكون هذا الصيام إيماناً واحتساباً. إيماناً بفرضيته ووجوبه، واحتساباً للأجر والثواب. إذا صام المسلم هذا الشهر العظيم إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، أي من صغائر الذنوب، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فإذا لا بد من توفر هذين الشرطين إن أردت أن تنال هذه المغفرة: أن تصوم إيماناً واحتساباً. لا تكون جاحداً لوجوب هذه الفريضة، فمن جحد أمراً من أوامر الله، أو فريضة من فرائض الله، فإنه يكفر بذلك، حتى وإن صام لا ينفعه هذا الصوم؛ لأنه لم يصم مؤمناً. تصوم وأنت محب لهذه العبادة وهذه الطاعة، ليس في قلبك كراهية لها، ولا استثقال بفعلها، ما عندك استثقال، بل حباً ورغبة في الأجر والثواب. كذلك احتساباً: تصوم احتساباً للأجر، ما تصوم عادة تقول: الناس يصومون، أصوم معهم. هذا ما توجر على هذه العبادة. أو تصوم حياءً من الناس، كون الناس صياماً فتستحي أن تفطر أو تأكل أو تشرب، فتصوم حياءً. ما توجر على هذا الصيام. لا بد أن تصوم إيماناً واحتساباً، رغبة في الأجر والثواب، وبحب لهذه الطاعة والعبادة. وهنا تنال هذه المغفرة. وهكذا أيضاً قيامه: «وقام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». قيام رمضان: أي صلاة التراويح، وصلاة التهجد في الليل. إذا صلاها المسلم إيماناً واحتساباً، إيماناً بمشروعيتها، وأنها مشروعة، وقد حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وفعلها عليه الصلاة والسلام أياماً، ثم ترك ذلك خشية أن تفرض على الناس فيشق عليهم، واحتساباً للأجر والثواب. تصلي التراويح احتساباً للأجر، ما تصلي رياءً، ولا عادة، ولا حياءً، بل رغبة في الأجر والثواب. وحينئذ يتحقق لك هذه الفضيلة العظيمة: غفر له ما تقدم من ذنبه. إذن صيام هذا الشهر وقيامه مغفرة، مغفرة للذنوب والخطايا. بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لله عز وجل عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من رمضان. في كل ليلة يعتق الله جل وعلا من عباده من شاء، يعتقهم من النار ويحرمهم على النار. ألا تحب أن تكون واحداً منهم، وممن يعتق من النار في هذا الشهر العظيم؟ لا شك أن كل حريص على الخير، محب لذلك، يحب أن يكون من عتقاء الله جل وعلا من النار. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أدرك رمضان ثم خرج ولم يغفر له فهو محروم، قد حرم خيراً عظيماً وأجراً كبيراً. في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لما أتاه جبريل عليه السلام وقال: «قل: آمين»، ثلاث مرات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. فلما سئل عن ذلك، أخبر أن جبريل أتاه فقال: «من دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له فأبعده الله، قل: آمين». قال: فقلت: آمين. من أدرك رمضان، أي أدرك هذا الشهر وهذا الموسم العظيم، ثم خرج، أي من شهر رمضان، ولم يغفر له، فأبعده الله، أبعده الله، أبعده الله. يحتمل أن يبعده عن جنته، أبعده الله عن رحمته، أبعده الله عن مغفرته، أبعده الله عن ثوابه، أبعده الله عن أجره، وغير ذلك من المعاني الكثيرة. فأبعده الله، قل: آمين. جبريل عليه السلام يأمر نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام أن يؤمن على هذا الدعاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين. أليس هذا حرماناً؟ لا شك أنه حرمان عظيم: أن يدرك المسلم موسماً وشهراً جعل الله عز وجل فيه من أسباب المغفرة ما ليس في غيره، ثم يخرج من هذا الشهر ولم يتغير فيه شيء، ولم تنله مغفرة الله ورحمة الله جل وعلا. هذا حرمان وشقاء. لماذا؟ السبب: أنه دخل عليه رمضان وهو كحاله قبل رمضان. ربما عنده ذنوب وسيئات، استمر على فعلها واقترافها. ربما عنده تقصير في الواجبات والفرائض، فاستمر على ذلك، ولم يتب، ولم يبادر بلزومها والمحافظة عليها. وهكذا أسباب عظيمة وكثيرة جعلته يحرم أجر هذا الشهر وليل مغفرته، فكان محروماً ومبعداً عن الله سبحانه وتعالى. احذر أيها المسلم أن تكون من هذا الصنف الذي يدخل عليه رمضان ثم يخرج ولا يغفر له. هذا صنف محروم. ولهذا ينبغي أن تعظم هذا الشهر كما عظمه الله. هذا شهر عظيم، عظمه الله عز وجل بإنزال القرآن فيه، وعظمه الله عز وجل بالأمر بصيامه، وعظمه الله عز وجل بأن جعل فيه أفضل ليالي السنة وهي ليلة القدر، وعظمه الله عز وجل بنزول الملائكة في هذه الليلة، وعظمه الله عز وجل بمشروعية قيام الليل فيه جماعة. وهكذا أشياء كثيرة جعلها الله عز وجل في هذا الشهر ما لم يجعل في غيره. تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ثم أنت لا تبالي بهذا الشهر، ولا تأبه به، ولا تعظمه حق التعظيم الذي ينبغي. قال أحد السلف لما رأوه يشتد في العبادة في رمضان: «شهر عظمه الله، شهر عظمه الله». يقول: كيف لا نعظمه؟ وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل رمضان... قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. النبي صلى الله عليه وسلم كان يسارع ويبادر في هذا الشهر، ويعظم هذا الشهر العظيم، حتى يكون خيره وجوده وعبادته وطاعته فيه أكثر من غيره، مع أنه عليه الصلاة والسلام قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومع هذا يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره. ونحن يدخل علينا رمضان والكثير يتكاسل ويتقاعس ويتغافل عن تعظيم هذا الشهر، وعن استغلاله، كأنه قضي من دخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. هذه نعمة عظيمة ينبغي عليك أيها المسلم أن تستشعر عظم هذه النعمة. إن طال الله جل وعلا في عمرك وبلغك هذا الشهر المبارك. واسمعوا إلى هذا الحديث الذي يبين فيه نبينا عليه الصلاة والسلام عظم هذه النعمة، وكيف الفارق بين من أدرك شهر رمضان ومن حرم إدراكه. جاء عند الإمام أحمد في مسنده، وهكذا أيضاً عند البيهقي في كتاب الزهد، وعند غيرهما من أهل السنن، من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: أن رجلين أسلما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وآخى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم. فاستشهد أحدهما، يعني مات في أرض المعركة شهيداً، قتل في سبيل الله، وعاش الآخر بعده سنة ثم مات. قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت الجنة قد فتحت، قال: فدخلت، فرأيت الرجل الذي مات مؤخراً قد دخل الجنة قبل الشهيد. فتعجبت من ذلك: الرجل الذي عاش سنة بعد أخيه دخل الجنة قبله، مع أن هذا الذي مات قبله مات شهيداً، وتعلمون فضل الشهادة في سبيل الله. قال: فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعجب من ذلك؟» قال: نعم. قال: «أليس قد عاش بعده سنة؟» قال: نعم. «وصام رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، أو صلى كذا وكذا لصلاة السنة». يعني يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن سبب تقدم هذا المتأخر على أخيه الذي استشهد في دخول الجنة، أنه أدرك هذا الشهر، شهر رمضان، وصامه، وصلى في خلال هذه السنة لله عز وجل ستة آلاف ركعة. في كل يوم وليلة قدر هذه الصلاة. كيف لا يسبقه، وكيف لا يدخل الجنة قبله؟ وفي رواية: أنه لما مات الآخر، قالوا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه. قال لهم نبي عليه الصلاة والسلام: «ما قلتم؟» قالوا: قلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأين صلاته من صلاته، وأين صيامه من صيامه؟ ما بينهما كما بين السماء والأرض». ما بينهما من الفرق والبعد كما بين السماء والأرض. انظر إلى عظم هذه النعمة! إذا أدرك المسلم شهر الصيام والقيام، ومد الله جل وعلا في عمره حتى بلغه هذا الموسم العظيم، فليعلم أن الله عز وجل قد فضله على غيره من الخلق، واختاره على غيره من البرية، أن أطال في عمره حتى بلغه هذا الموسم العظيم. وانظر إلى من حرم هذا الخير: كم من أناس كانوا معنا في السنة الماضية، ها هم اليوم تحت التراب. انقضت آجالهم، وانتهت أعمارهم، وطويت صحائف أعمالهم، وحال الموت بينهم وبين بلوغ هذا الموسم العظيم. وأنت قد مد الله في عمرك، وأمد في حياتك، حتى يبلغك بإذن الله جل وعلا هذا الموسم العظيم. فاعرف له قدره، واعرف له فضله، واشكر الله جل وعلا على هذه النعمة والمنة. عظم هذا الشهر، واستغله حق الاستغلال، حتى يكون لك زاداً يوم أن تلقى الله جل وعلا، عارياً خارجاً من هذه الدنيا كما خلقك الله جل وعلا، لا تملك إلا الأعمال، وزادك هي أعمالك الصالحة. «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى». أسأل الله جل وعلا بمنه وفضله وكرمه وجوده وإحسانه أن يطيل في أعمارنا، وأن يبلغنا جل وعلا هذا الشهر الكريم وهذا الموسم العظيم، وأن يجعلنا جل وعلا ممن يصوم نهاره ويقوم ليله، ويعمر أوقاته بطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا فيه من عتقائه من النار. إنه لي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.