كلمة الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عمر بن بريك حفظه الله .

الدرس في كلمة الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عمر بن بريك حفظه الله .، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الافتتاحية والحمدلة والصلاة على النبي

يستهل الخطيب خطبته بحمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.

التمسك بالكتاب والسنة والتحذير من الفرقة والابتداع

يحث الخطيب على شكر نعمة اجتماع القلوب على طاعة الله، مؤكداً أن النجاة والسعادة تكمن في الإخلاص والاستقامة على القرآن والسنة، محذراً من الفتن والشبهات ومذكراً بوصية النبي ﷺ بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.

منهج السلف الصالح والتحذير من البدع والطرق المخالفة

يبيّن المقطع أن طريق الله واحد مستقيم هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، محذراً من تعدد الطرق والبدع، ومؤكداً أن عز الأمة في اتباع منهج السلف، وأن الابتداع في المنهج أخطر من الابتداع في العبادة.

لزوم غرز العلماء وتحقيق الوحدة على العقيدة الصافية

يدعو الخطيب إلى التمسك بالعلماء الربانيين لحفظ الدين وتجنب الضلال، مبيناً أن وحدة المؤمنين نعمة قائمة على العقيدة الصافية والمنهج النبوي، محذراً من الفرقة التي هي من عمل الشيطان.

التفريغ النصي الكامل

أما الآن، كلمة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عمر بن مليك، فضل الله. واللقاءات القريبة التي فيها التناصح، وفيها التشاور، وفيها المبادرة، وفيها المبادرة إلى العلم الشرعي، العلم النافع، هذا فضل الله عز وجل، فضل من الله تبارك وتعالى، ينعم به على أنصاره من عباده. فهلموا إخوان في الله أن نحمد الله عز وجل إذ جمع هذه القلوب المؤمنة على طاعة الله، وإذ جمع هذه العقول في طاعة الله تبارك وتعالى. لم يجتمعوا لأجل دنيا من قشيش، ولم يجتمعوا لأجل عرض فاني، ولم يجتمعوا تحت ولاء وبراء ضيق، ولم يجتمعوا تحت حزب أو جمعية حزبية، إنما اجتماعهم في الله ومن أجل الله عز وجل. فعلى الجميع أن يحمد ربه تبارك وتعالى، وأن يسأله المزيد من هذا الخير، وأن يسأله الثبات على هذا الأمر، وأن يسأله البصيرة في الدين. فربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم مذكراً إيانا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. نعمة عظيمة حجبها الله عز وجل عن كثير من الناس، وعن ملايين من البشر، فلم يوفقهم إليها ولم يدلهم سبلها، ثم استقبحوا التباعد حتى كانوا من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام. فالذي نعظ به أنفسنا وإخواننا في هذه اللحظات وفي هذه الدقائق، أنا نعظ أنفسنا وإخواننا بالتمسك على هذا العُمر، والاستقامة على هذا الدين، ولزوم طاعة الله تبارك وتعالى، ولزوم تقوى الله عز وجل، والعرض على الكتاب والسنة حتى الممات، العرض على هذا الدين القويم، والعرض على سنة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الدين المتمثل في كتاب الله، في سنة رسول الله، هذا الدين الذي بعث الله عز وجل به نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من تمسك به، واستنار بنوره، وسار عليه، واستقام عليه في الدنيا، فإنه يحيى حياة طيبة وحياة سعيدة في الدنيا والآخرة، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فعليك يا عبدالله أن تحرص على أن تحيا سعيداً، وعلى أن تموت حميداً، وعلى أن تبعث يوم القيامة آمناً. وهذا لا يتأتّى بمجرد الدعاوى، هذا لا يتأتّى بمجرد الأماني، هذا لا يكون بالظواهر، ولا بالأنساب، هذا لا يكون إلا بإخلاص النية، والتشمير عن سواعد الجد لأجل إصابة رحمة الله. هذا لا يكون إلا بالتوجه الصحيح، والاستقامة الصادقة على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما أكثر الفتن، وما أكثر المحن، وما أعظم الشبهات والشهوات التي تعترض طريق المسلم، والتي تعترض طريق السائر إلى الله عز وجل. فالأمر خطير، جد خطير، يحتاج من المسلم أن يتضرع، وأن يعود إلى ربه، وأن يتذلل بين يديه، وأن يسلك، وأن يسلك الوسائل التي تعينه على الثبات على هذا الأمر حتى الممات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. تعتصموا بهذا الهدى، تمسكوا بهذا الحق، وأديموا على طاعة الله في حال السر والعلن، حال الشدة والرخاء، حال الغنى والفقر، حتى إذا دهمكم الموت، وفجأكم الموت، حكم لكم بالخاتمة الحسنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. والأمر بفضل الله عز وجل ميسور على من يسر الله عز وجل عليه. نعم، من استقام على الكتاب والسنة، وعمل بهما، فإن الله عز وجل بفضله ومنته يثبته على هذا الدين، ويوفقه لسلوك صراط المستقيم. أليس ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. أنت يا حمد الله في أمن، وأنت في بعد، وأنت في منعة عظيمة، قرأ القرآن، عن الزيغ والانحراف، بلزومك لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما وصفه ربه عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. نعم عباد الله، هذا وصف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في جاء الله عز وجل أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. فمع ذلك يعظ أصحابه موعظة بليغة، وجدت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، سيرى اختلافاً كثيراً. ما هو الحق؟ وما هو المخرج؟ وما هو النجاة؟ فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». عضوا عليها بالنواجذ، تمسك بها تمسكاً عظيماً. عضوا عليها بالنواجذ، يعني دليل على شدة التمسك. عضوا عليها بالنواجذ. فينبغي علينا عباد الله أن نسير مع كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في جميع شؤون حياتنا، في العقيدة والمعاملة والعبادة والأخلاق والآداب والسلوك والدعوة والمنهج. نعم عباد الله، أن نسير وأن نعتصم بالكتاب والسنة، وأن نحذر من الأهواء والآراء، وأن نحذر من هذه المذاهب، ومن هذه الطرق، ومن هذه السنن. فليس لنا طريق يقربنا إلى الله ويوصلنا إلى الله، ليست طريقاً واحدة، وهي التي كان عليها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأصحابه، وأتباع هذه الأمة. فما قال ربنا عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. واعتصموا بحبل الله، إنه حبل واحد، وهو طريق واحد، يؤدي إلى الله، ويؤدي إلى مرضاة الله، ويؤدي إلى جنة عرض السماوات والأرض. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. فليست هي طرق، ليست طرقاً ولا تشعبات، إنما طريق منير، وطريق نير، مضيعاً، طريق واحدة، تدل على الله، وتقود إلى رحمة الله عز وجل. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. تحذير من الآراء، وتحذير من الطرق، وتحذير من السبل. خط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطاً واحداً مستقيماً، فقال: «هذا صراط الله». وخط خططاً عن اليمين وعن الشمال، فقال: «هذه طرق، على كل طريق منها شيطان يدعو إليها». ثم تلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فدعوة أهل السنة بفضل الله عز وجل، دعوة إلى الاجتماع، ودعوة إلى الصفاء، ودعوة إلى السلامة في العقيدة والعبادة والمنهج والدعوة والتربية والاستقامة. ليست عندهم البدع، ولا يسيرون على الأهواء، ولا يسيرون على الآراء، ولا يتمسكون بالمذاهب التي عليها الأذى والأوجاع، إذا كانت على خلاف الحق المبين، المأخوذ من كتاب الله عز وجل، ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل هي دعوة صافية، المأخوذة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى سنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. نحث أنفسنا وإخواننا، حفظهم الله، على السير على هذا الطريق التي وفقهم الله عز وجل، وأن لا يغيروا، وأن لا يبدلوا، وأن لا يغتروا بكثرة العالكين، ولا يغتروا بأن الزخارف التي عليها أهل الباطل، بل نقنع ونرضى بما رضيه الله عز وجل لنا من هذا الدين العظيم. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. إنه الدين الذي أعز الله عز وجل به أسلافنا الأوائل، بعد أن كانوا رعاة للإبل والبقر والغنم، بعد أن كانوا أمة جاهلة، أمة متخلفة، ليس لها قيمة ولا وزن عند أمم أهل الأرض. فلما تمسكوا بهذا الهدى والنور، رفع الله عز وجل ذكرهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، جعلهم قادة الناس في العلم والعمل والحضارة والسلطان والدعوة والأخلاق والمنهج. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. والحمد لله الذي رفع الله عز وجل به أسلافنا، ولا يزال موجوداً في كتاب الله، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما أحسن قول الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ما الذي أصلح أولها؟ ما الذي ساد أولها؟ إنه العقيدة الصحيحة، إنه التوحيد الخالص، إنه الانقياد بالكتاب والسنة». فأعزهم الله عز وجل، وعزهم ربنا تبارك وتعالى. فع علينا عباد الله أن نحذر من البدع، وأن نحذر من الأهواء والآراء، وأن نحذر من الأمور المحدثة. ولا تظن يا عبدالله أن البدع التي يحذر منها أهل السنة مقصورة على جانب العبادة، في باب الصلاة، أو الصوم، أو في باب الحج. وإنما الابتداع يشمل جميع ما يُشرع ويُقصد ويُتقرب به إلى الله، بشيء لم يكن في كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بشيء لم يسر عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين. واعلموا عباد الله أن الابتداع في جانب المنهج والطريقة لهو أعظم خطراً من الابتداع في جانب العبادة، لأنه يؤدي إلى الانحراف الكامل، والبعد عن هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك، الذي يحفظ الأمة من الذهاب ذات اليمين والشمال، هو السير على ما سار عليه السلف الصالح. السلف الصالح الذين رضي الله عز وجل عنهم، ومدحهم، وأمرنا باقتفاء أثرهم، والسير على طريقتهم، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ويقول ربنا عز وجل أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ويقول ربنا عز وجل أيضاً: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فالذي يرى عباد الله أن منهج السلف اليوم لم يعد صالحاً لأن تسير عليه، أما هذا، دمر مضلل. بل منهج السلف هو المنهج الذي رضيه الله، المنهج الذي يبقى، ويدوم إلى أن يرفع الله عز وجل الأرض ومن عليها. فع علينا عباد الله أن نحذر من البدع وعواقبها السيئة، ومفاسدها العظيمة على الأمة، ونسير ونعتصم بكتاب الله. دعوة صافية، دعوة نقية، لا حزبية ظاهرة ولا باطلة، لا حزبية بصورة حركة، ولا جمعية، ولا مؤسسة، ولا طائفية، ولا عصبية. إنما السير على كتاب الله، وعلى سنة نبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا تجدون دعوة أهل السنة في كل بلد، دعوة صافية ونقية، سواء كان في بلدنا اليمن، أو كان في أرض نجد والحجاز، أو كانت في مصر، أو كانت في الشام، أو كانت في الشرق والغرب، في أوروبا وأمريكا. دعوة واحدة، دعوة مأخوذة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله. دعوة يقودها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء. فالله عز وجل يحفظ علينا دعوتنا، ويحفظ علينا ديننا بهؤلاء العلماء الأجلاء، هؤلاء الأطيباء، هؤلاء الذين نور الله عز وجل بصائرهم بالحق المبين، المأخوذ من الكتاب والسنة. فع علينا حفاظاً على دعوتنا من الشطط والغياث، وحفاظاً على أنفسنا من الزيغ والضلال، أن نلزم غرز العلماء، العلماء الربانيين، العلماء العاملين، العلماء الراسخين، أهل الزهد والحكمة، أهل التقى، أهل البصيرة في الدين، أهل العلم الراسخ، الراسخ، أهل التمييز بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار. هكذا أمرنا ربنا عز وجل، كما سمعتم في كلمات إخواننا الأفاضل المتقدمة، أن دعوة أهل السنة تجد الصغير والكبير، تجد العامي والجاهل والعالم وطالب العلم، كل يقول: «الزموا غرز العلماء، الزموا غرز الأكابر، الذين جعل الله عز وجل البركة معهم، البركة مع أكابركم، البركة مع أكابركم». فالحمد لله، حفظ الله عز وجل علينا ديننا ودعوتنا بهؤلاء العلماء، الذين لم يغيروا، ولم يبدلوا، وذهبت عنهم حماقات الشباب، وطيش الشباب. قد دنا الواحد منهم، ما بينه وبين القبر إلا قاب قوسين أو أدنى، فهو أحرى أن يوجه الأمة بما يقربهم من الله، ويباعدهم عما يباعدهم عن الله. فننصح أنفسنا وإخواننا بلزوم غرز العلماء. والله عباد الله، لو لزمت الأمة غرز علمائها العاملين، لحفظ ربنا عز وجل عليها دينها، ولحفظها من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالِم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»؟ إذن متى يحصل الضلال والزيغ والانحراف؟ إذا مالَت الأمة حول الجهال، إذا اتخذت الرؤوس الجهال، يحصل الزيغ والضلال. أما إذا دارت حول أهل العلم العاملين والراسخين، فإن الأمة لا تزال في خير، ولا تزال في عافية. ومما ننصح به أن تستقيموا، وأنا أن تحافظوا على هذه الدعوة، تحافظوا على هذه العزة التي أكرمنا ربنا عز وجل بها، لا حول منها ولا قوة. هذه القلوب المؤمنة، وهذا الإيمؤمنة، وهذا الإخاء الطيب، وهذه الأعداد الغفيرة التي تجتمع، ليس المقصود في هذا المسجد، إنما المقصود دعوتنا التي أكرمنا الله عز وجل بها، سواء كانت في هذه البلاد أو في غيرها. هذه الأعداد التي أقبل الله بها، وألف بين قلوبها، ما هو السر؟ إنه الله سبحانه وتعالى. ما اجتمعوا تحت راية أو مذهب أو طائفية أو حزب أو فكرة على خلاف الكتاب والسنة، ولم يجتمعوا على دنيا أو أماني أو حطام، وإنما كما قال الحق عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ما استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع، إنما الذي جمع وألف هو ربنا سبحانه وتعالى. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فع علينا عباد الله أن نحافظ على هذه الأخوة التي أكرمنا الله بها، هذا الإخاء، وهذا التواصل، وهذا التحابب، وهذا الاجتماع لله، من أجل الله. أصل عظيم من أصول ديننا، أصل عظيم من أصول دعوتنا، ودعوة أهل السنة والجماعة. فينبغي للجميع أن يكرسوا جهودهم على جمع الأمة على الحق. ما ليست دعوة أهل السنة دعوة تلفيق، ولا دعوة تجميعية، يجمعون من عبده، يجمعون الصوفي بجانب الشيعي، بجانب التبليغي، بجانب الإخواني، بجانب غيرهم. لا، دعوة أهل السنة دعوة نقية، قاطعة، يجمعون الصافي مع الصافي. فينبغي أن نحرص على بقاء هؤلاء الذين قد صفوا عقائدهم ومناهجهم، ليست عندهم حزبية، ولا عندهم طريقة يسيرون عليها على خلاف الكتاب والسنة. فينبغي لهذه الطائفة أن تحرس على أن يجتمعوا، وعلى أن يتآلفوا، وعلى أن يتوادوا ويتراحموا، وأن يحذروا ممن يريد أن يفرق شملهم، أو أن يمزق كلمتهم، أو أن يشتت جهودهم. هذا من عمل الشيطان، هذا من عمل أعداء الإسلام. هذا فرق، عين الشيطان الرجيم. أليس الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾؟ ويقول الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش»؟ رضي منا بالتحريش والتفريق والتمزيق. وأعداؤنا من اليهود والنصارى، أعداؤنا من عموم الملحدين والفرق الضالة، أعداؤنا، أعداء هذه الدعوة المباركة، حريصون على أن يفرقوا الجمع، وعلى أن يمزقوا الكلمة، وعلى أن يغايروا الصدور. فلا نحقق أمنية الشيطان فينا، ولا نحقق أعظم أماني أعدائنا فينا. بل علينا أن نسعى جاهدين صباح مساء على جمع الكلمة على الكتاب والسنة، وعلى إبقاء هذه الرابطة وهذه الصلة بيننا. هذه الصلة التي تبقى وتدم يوم تنفصل الصلات، وتذهب الأرزاق، وينقطع ما بين الناس من أمور الدنيا. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والسداد. وأنتم على موعد مع جملة من مشايخنا وأئمتنا، فنسأل الله عز وجل أن ينفع الجميع بما يقولون، وبما نسمع منهم. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العمل الصالح، والثبات على الحق حتى الممات. والحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.