الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 61، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المدرس قصة الخضر ضمن قصص موسى عليه السلام، مبيناً أن الله أمر موسى بالذهاب إلى الخضر ليتعلم منه بعد أن أجاب موسى بأنه أعلم أهل الأرض، فأخبره الله بوجود عبدٍ في مجمع البحرين يمتلك علماً لا يعلمه موسى.
يشرح المقطع مفهوم الإلهامات الخارجة التي تظهر أفعال الخضر بصورة تخالف حقيقتها الإلهية، ويؤكد على حرص السلف كعبد الله بن مسعود على طلب الزيادة من العلماء، مستدلاً برحلة موسى عليه السلام التي عقد لها الإمام البخاري باباً خاصاً.
يسرد المدرس تفاصيل لقاء موسى بفتاه ونسيان الحوت كعلامة للوصول إلى الخضر، ويشير إلى الآيات الواردة في سورة الكهف التي تروي القصة، مختتماً بأنه سيستكمل باقي أحداث القصة في الدرس القادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء": قصة الخضر مع موسى، ومحلها في أثناء قصص موسى. لماذا في محل قصص موسى؟ لأن الله عز وجل أمر نبيه موسى أن يذهب إلى الخضر يتعلم منه، فذكرت هذه القصة في أثناء قصة موسى عليه السلام. قال: وذلك أن موسى صلى الله عليه وسلم قام يومًا في بني إسرائيل مقامًا عظيمًا، يعني مقامًا فيه جمع كبير من بني إسرائيل، علمهم فيه علومًا جمّة، وأعجب الناس بكمال علمه؛ لأنه نبي أرسله الله بالعلم والحكمة، فلا غرابة في إعجاب الناس بكمال علمه لأنه مستمد من ربه سبحانه وتعالى. فقال له قائل: يا نبي الله، هل يوجد أو هل تعلم في الأرض أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا. هذا حسب علمه، طيب، ما يعلم أحد أعلم منه بناءً على ما يعرفه، وترغيبًا لهم في الأخذ عنه؛ لأنه ما يعلم أحد أعلم منه، ولو علم أحد لذهب إليه. فلما أخبر من ربه أن عبدًا من عباد الله عز وجل أعلم منه ذهب إليه، فقال: لا، بناءً على ما يعرفه، وترغيبًا لهم في الأخذ عنه من أجل أن يأخذوا عن موسى عليه السلام. فأخبره الله أن له عبدًا في مجمع البحرين، أي موضع معروف عندهم يقال له مجمع البحرين، عنده علوم ليست عند موسى، أي عند هذا العبد وهو الخضر، علوماً ليست عند موسى، وإلهامات خارجة عن الطور المعهود. ومعنى إلهامات خارجة: أي أمور ظاهرها يختلف عن باطنها، ظاهرها يختلف عن باطنها، فيفهم منها الرائي شيئًا، ويراد بهذا العمل غير ظاهره، كما هو معلوم في قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة، وإقامته للجدار. ولذلك ما صبر موسى، فأنكر على الخضر هذه الأعمال؛ لأن ظاهرها أنها شر، وهي في الحقيقة خير؛ لأنها علوم من الإله سبحانه وتعالى، وإلهامات ألهمها هذا النبي، على قول من قال أنه نبي، والخلاف معروف في الخضر: يعني نبي أو ليس بنبي، وكثير من أهل العلم يذهبون إلى أنه نبي؛ لقوله في هذه السورة: ﴿ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، ألا في قوله سبحانه في قوله في هذه السورة: ﴿ذَلِكَ﴾، نعم، في آخر هذه القصة قال الخضر: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، الآية الأخرى التي فيها أن الله أوحى إليه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أحسنت، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فهو مما أمره الله عز وجل به، مما أمره الله عز وجل به. قال: وإلهامات خارج عن الطور المعهود. فاشتاق موسى إلى لقائه رغبة في الازدياد من العلم، وهكذا هو حال أهل العلم. حال أهل العلم: من الذي قال: "ولو كنت أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله لا تبلغ إليه الإبل لذهبت إليه"؟ من قال هذا؟ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وهكذا ينبغي لطالب العلم: لا يكتفي بالعلم الذي حصله، بل يسعى في الاستفادة ممن هم أعلم منه، ممن هم أعلم، سواء كان عنده في المكان الذي هو فيه، وإذا رأى من نفسه أنه قد حوى علوم العلماء أو المشايخ الذين عنده، ويحتاج إلى أن يأخذ العلم ممن هو أعلم منهم، هاجر أو نعم، سافر ورحل لطلب العلم، لطلب العلم. ولذلك هذه القصة بوب لها الإمام البخاري: "باب الرحلة إلى طلب العلم"، لأن موسى رحل، رحل من مكانه الذي هو فيه إلى مجمع البحرين. ما الذي يعني دفعه إلى هذه الرحلة؟ ابتغاء العلم والازدياد منه. هذا فيه فضل العلم والرحلة إليه، والرحلة إليه. وقد ألف العلماء كتبًا مستقلة في الرحلة إلى طلب العلم، إلى طلب العلم. وما يستفيد الطالب إلا إذا رحل؛ لأنه إذا بقي في بلده ولا يوجد بها علماء بقي جاهلًا، أو بقي عالمًا بالعلم الذي يعني يأخذه، أو بالعلم الذي هو عند الشيوخ الذين هم عنده، ما يزيد على ذلك. لكن لو رحل سيلتقي بمن هم أعلم من أهل بلده، فيأخذ منهم العلم، ويزداد علمًا ومعرفةً بشرع الله سبحانه وتعالى. قال: فاشتاق موسى إلى لقائه رغبةً في الازدياد من العلم، فطلب من الله أن يأذن له في ذلك، وأخبره بموضعه؛ لأن الله عز وجل أخبر موسى بموضع هذا العبد والخضر. قال: وتزودا، لأنه أخذ معه رفيقًا في السفر، غلامًا في السفر، وتزودا حوتًا، يعني أخذا معهما حوتًا. وقيل له، قيل لموسى: إذا فقدت الحوت فهو في ذلك المكان. هذه آية جعلها الله عز وجل لنبيه موسى عليه السلام. قال له: اذهب إلى هذا العبد، انظر هل عنده علم ليس عندك، وخذ معك حوتًا، فإذا فقدت هذا الحوت ولم تجده، فاعلم أن هذا العبد في الموضع الذي فقدت فيه هذا الحوت. إذا فقدت، إذا فقدت الحوت فهو في ذلك المكان. قال: فذهبا فوجده، يعني ذهبا، معروف القصة. فلما بلغ مجمع البحرين نسيا حوتهما، نسيا الحوت، وذهبا، فذكرا بعد ما مشيا فترة من الزمن، فقال: إني نسيت الحوت. فرجعا، فوجدا هذا العبد، وهذا الرجل الذي أعلم من موسى. قال: فذهبا فوجده، وكان ما قص الله من نبئهما في سورة الكهف. هنا اختصر القصة، لكن ذكر فوائدها، فلعله في الدرس القادم ننبه على بقية القصة إن شاء الله. قال: فذهبا فوجده، وكان ما قص الله من نبئهما في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. نكتب بهذا، وإلى هنا، وإلى هنا.