الدرس في المشروع والممنوع في زيارة القبور 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية تفقيه الناس بأحكام الجنائز وتجهيز الميت ودفنه، ودعاء الأحياء للميت بالثبات عند السؤال. يشدد على ضرورة تلقين المحتضر الشهادة وتجهيز الميت بسرعة.
يناقش تحريم البناء على القبور أو كتابة شيء عليها أو الجلوس عليها، وكذلك تحريم اتخاذ القبور مساجد أو الصلاة إليها، واعتبار ذلك من شرار الخلق عند الله.
يشرح حكم زيارة القبور في الإسلام للعظة والتذكرة بالموت والآخرة، ويحذر من الممارسات الخاطئة أثناء الزيارة مثل اتخاذ القبور مساجد أو الصلاة إليها.
يؤكد على أهمية فهم أحكام الجنائز والزيارة لأن المخالفات فيها محاسبة عليها، ويشير إلى وجود ملاحظات أخرى سيتم ذكرها في دروس قادمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، قد أشرنا في درس أمس عما يقع من كثير من الأفراد، ويقع في بعض المجتمعات من كثير من المخالفات عند إقامة الزيارات، أعني بها زيارة القبور، وما ذاك إلا للجهل العميم بأحكام الإسلام، وبما هو ثابت عن هدي رسولنا الكريم عليه الصلاة وأتم التسليم. ومن هنا كان من المناسب أن يتفقه الناس جميعا بأحكام الجنائز، وما الذي ينبغي فعله إذا مات ميت من أهل الإسلام، ما الذي عليه عمله والقيام به من جهة أهل الإيمان. يرى التالي يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن المسلم متى ما كان في ساعة الاحتضار، كان على من حوله من أهله وقرابته وجماعته وأصحابه أن يلقنوه الشهادة قدر الإمكان، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وكان من فعله عليه الصلاة والسلام: «يا عماه، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فإن من نطق ووفق بشهادة التوحيد وهو في الرمق الأخير، كان ذلك من عظيم البشارة بحسن الختام والخروج من هذه الدنيا إلى الآخرة. فإذا مات الميت، قام أهله بتجهيزه بغسله وتكفينه، وبإخراجه إلى مقابر المسلمين. بل قال عليه الصلاة والسلام: «أسرعوا بالجنازة». والإسراع قال العلماء: إما الإسراع بتجهيزه من سرعة دفنه، أو ما يكون من الإسراع في الخروج به إلى المقبرة، حتى لا نعطل عليه ما قد أعد الله له في قبره من نعيم الآخرة. فإذا أسرعنا بالجنازة وأخرجنا بها إلى المقابر، حينها وجب على الناس أن يلتزموا الصمت والسكوت، وعدم القيل والقال وكثرة الكلام، بل ويسكت كذلك عن ذكر الله، إذ أن هذه من المواطن التي ينبغي أن يتفكر فيها الإنسان. وقد كان من دأب عبارة السلف رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يكرهون الكلام عند مجالس القرآن، وهكذا عند الخروج بالجنائز. فإذا أدخل الجسد إلى التراب، وأهيل عليه التراب، فقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام بعد دفن الميت أن يقول للناس: «استغفروا لآخيكم وسلوا له الثبات، فإنه الآن يسأل». فالميت بحاجة، بل بأمس الحاجة إلى دعاء إخوانه ممن هم على قيد الحياة، يلتمس منهم دعوة صادقة بأنهم يلتجئوا إلى الله في أن الله يثبته عند السؤال. ثم بعد ذلك، إذا انهالوا عليه التراب، يأتون بالشاهد، بالصخرة التي تكون عليه مميزة له بأنه قبر، وذلك لأن القبر ينبغي أن يصان وأن يحترم. لا تظن يا عبد الله أن هذه حفر لميت، وأن هذه الحفر لا يؤبه لها. فنبينا صلى الله عليه وسلم بيّن أن المسلم معظّم عند الله حيا وميتا. وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كسر عظم الميت ككسره حيّا». صيانة لهذه العظام، سواء كانت عظاما بالية أو عظاما حية، فالمسلم له حرمته، وهكذا بيته، سواء كان منزله الذي كان في الدار الدنيا أو هذه الحفرة هي منزله، ينبغي أن تصان. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة التي فيها الحماية لقبر المسلمين، فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصّص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه. وزاد الترمذي: «وأن يكتب عليه، وأن يوطأ». كل ذلك مما ينهى فعله. فالقبور لا توطأ، أن تداس، وخاصة إذا كان صاحبه قد لبس النعال. قال عليه الصلاة والسلام لذاك الرجل الذي كان يتخلل القبور بنعليه: «يا صاحب السبتين، أخلع سبتيك». ليس هذا مكان أنك تدوس على الأموات بنعالك. فكان هذا من الأدب العظيم كذلك مع عدم الجلوس والقعود على القبور، كحال من يجعلها متكأ يتكئ عليها، أو يقعد عليها. قال عليه الصلاة والسلام: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلى ثيابه حتى تصل إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر». انظر إلى حرمة الإسلام في شأن المقابر. وهكذا نهى نبينا أن يجصّص القبر، أن يجعل عليه الجص، كحال من يجعل القبور بالإسمنت المسلح، وهكذا أن يكتب عليه. فتجد بعض القبور أصبحت عبارة عن ذكريات، الإسم وتاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، كل ذلك من البدع الدخيلة على مقابر المسلمين. فلا هذا ولا ذاك، ولا يبنى عليه. كل بنيان يمنع منعاً باتاً على القبور، فما هناك قباب، ولا هناك أضرحة، ولا هناك قباب، ناهيك أن تقام المساجد والمصليات. كل ذلك نهى عنه نبينا عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا في درس أمس في وصيته وهو في آخر عمره، وهو يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وجاء أيضا في حديث جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر عمره: «ألا فلا تتخذوا قبور الأنبياء مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وجاء كذلك من حديث أم سلمة عندما حكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور والتماثيل، فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا». أولئك شرار الخلق عند الله. لا تظن يا عبد الله أن ذلك محمدة عندما تجد أن المسجد أدخل فيه قبر، أو أن قبرا بني عليه مسجد. فاعل ذلك من شرار خلق الله. ويؤيد هذا ما جاء في السنن: «إن من شرار الخلق عند الله من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذون القبور مساجد». هذه صيانة، إخواني في الله، من أعظم صيانة الإسلام لمقابر أهل الإسلام، أن لا تكون محلا للعبث. وقد تكلم العلماء حول اتخاذ القبور مساجد، وأن يكون ذلك على عدة صور. فإن من اتخاذ القبور مساجد الصلاة عليها، والسجود عليها، وهذه من أشنع صور اتخاذ القبور مساجد، السجود عليها. ويؤيد هذا ما جاء عند الطبراني أن النبي قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تسجدوا عليها». والصور الثاني من اتخاذ القبور مساجد الصلاة إليها، بأن الإنسان يتعمد بأن يجعل القبلة بينه وبينها قبر، كحال من أراد أن يصلي فرضاً أو نافلة، يحرص على أن يجعل القبر بينه وبين القبلة. أو من يتعمد أن يأتي إلى المساجد التي بنيت على القبور، حتى يتوجه إلى القبور. وهذه من أعظم الباطل. وقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: «كنت أصلي ذات ليلة عند قبر، وما شعر به». قال: فرآني عمر، فقال لي وقد رفع صوته: «يا أنس، القبر، القبر، القبر، القبر». قال: فظننت يقول القمر، القمر، فرفعت بصري. وإنما أراد عمر أن يحذر أنسا أن لا يصلها هنا، لأنه بجوار وبإزاء قبر، وذلك لما ترسم عنده التحريم والتغليظ عن فعل ذلك، لأن هذا من اتخاذ القبور مساجد، الصلاة إليها. وهكذا من اتخاذ القبور مساجد أن يبنى عليها. والقاعدة كما ذكر الإمام بن القيم رحمه الله: «لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر أبدا، ما يجتمعان». لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر، فأيهما كان أولا ترك ويهدم الثاني. فإذا قدر أن المسجد هو الأول، ثم أقحم القبر، فإن القبر ينزع ويرجع إلى مقابر المسلمين، ولا يبقى. وإن قدر العكس، أن القبر في محله، فبني عليه المسجد، فإن المسجد يهدم ولا يبقى. فإنه لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر. إخواني في الله، هذا بعض ما جاء من الأحكام التي اعتنى بها الإسلام في مسألة زيارة القبور. وإن مما يذكر كذلك في هذا الباب ما يتعلق من حكم الشريعة في زيارة القبور، والتي ينبغي أن يعتبر بها أهل الإسلام. أن نعلم ما هي الحكم من زيارة القبور. صرح ذلك نبينا كما في صحيح مسلم بقوله: «ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». وفي رواية عند الحاكم: «فإنها تذكر بالآخرة، وترقق القلب». هذه الحكمة تفتح الأبواب بأن الإنسان بين الفين والأخرى يزور القبور، يزورها للاتعاض، يتعظ بنفسه، وتفكر بحاله، وينظر صنيع ما فعل. إن كان من خير ازداد خيرا، وإن كان من سوء تفكر بحال من أمامه من الأموات، وأنه سرعان ما سيفضي إلى ما قدم هم السابقون، ونحن بإذن الله بهم لاحقون. فكان من حكمة الشريعة أن الإسلام فتح باب الزيارة للعظة والتذكرة. ولهذا كان من شأن بعض الصحابة كعثمان رضي الله تعالى عنه أنه إذا وقف عند القبور بكى بكاء شديدا، أشد من بكائه إذا ذكر بالنار. فلما سئل عن ذلك رضي الله تعالى عنه أخبرهم بأن القبر أول منازل الآخرة. هنا العلة، هذه أول مرحلة من مراحل الآخرة، إن ثبت فيها الإنسان فما بعدها أسهل وأيسر وأهون، وأما إن تعثر بها إنسان فإنما بعدها أشد وأنكى. فكان يعظم مقام القبور والزيارة للقبور. ولهذا كان السلف يسكتون ويصمتون، ويعلوهم الهم والحزن، ويعلوهم التفكر والاتعاظ بأحوال الموتى. لكن إخواني في الله، فلننظر إلى هذه الحكمة العظيمة، ننظر إلى بعض الزيارات التي تقام هنا وهنا، في بعض الأحيان تجد زيارة للأموات، ومع ذلك تجد أن في فعالياتها المهرجانات، ألعاب شعبية، وعدة وضحك ومرح، وأمسيات شعرية. سبحان الله، أهكذا؟ أهذه العبرة من الزيارة؟ شرع الله الحكيم أراد منا العبرة والاعتبار، وهؤلاء يريدون منا ماذا؟ اللعب والمرح. فالله يا عبد الله، بالتفقه العظيم بأحكام الجنائز والزيارة، فإننا محاسبون على كل شيء، كل شيء تقع فيه المخالفة. فلنعد لهذه المخالفة محاسبة. وهناك إخواني في الله بعض الملاحظات ستأتي، يأتي حينها ذكرها في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.