الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 44، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن هداية الله وضلاله للعبد ترتبطان بأسباب من العبد كالتولي للشيطان، ويستدل بآيات تثبت مشيئة العبد واختياره مع خضوع ذلك لمشيئة الله، ويرد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد.
يبيّن المقطع موقف أهل السنة في الجمع بين الآيات التي تضيف المشيئة والأعمال إلى العباد، والآيات التي تجعل مشيئتهم تابعة لمشيئة الله وخاضعة لقدره، فيثبت للعبد مشيئة وقدرة حقيقيتين لكنهما مخلوقتان لله ومقيدتان بمشيئته، ويرد على القدرية النفاة والجبرية، مؤكدًا أن جميع النصوص حق لا تتعارض.
يوضح المقطع منهج جمع الأدلة بين آيات الخلود في النار وآيات الشفاعة، مبينًا أن آيات الخلود خاصة بالكفار بينما يخرج الموحدون من النار، وأن آيات نفي الشفاعة مقيدة بآيات إثباتها بشروطها، ويؤكد أن القرآن لا تعارض فيه، والواجب قول: "كل من عند ربنا" عند الاشتباه مع رد الإشكالات إلى علماء التفسير.
يحث المقطع المشاهدين على الاشتراك في القناة لدعم المحتوى واستمراريته، وتُعد هذه الدعوة خطوة أساسية لزيادة المتابعين وتعزيز التفاعل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. فإذا اشتبهت على من ظَنّ به خلاف الحكمة، وأن هدايته وإضلاله يكون جزافًا لغير سبب، وَضَّح هذا الإطلاق الآياتُ الأخر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يُدركها العقل، ويستيقن بها العبد. قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. فهدايته سبحانه للعبد بأسباب من العبد، وهي توليه للشيطان، ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. لماذا حق عليهم الضلالة؟ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، لأنهم تولوا الشيطان، هذا فعل منهم، وهذا عمل منهم، فبسبب عملهم ذلك أضلهم الله. وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. إذن ما ابتدأ الله عز وجل في إزاغة قلوبهم حتى عملوا بأسباب الزيغ. وإذا اشتبهت على الجبري الذي يرى أن أفعال العباد مجبورة عليها، بَيَّنَت الآياتُ الأخر الكثيرةُ الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير محصورة. وقد مرت معنا مثل: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. أثبت لهم المشيئة، ومعناها أن عندهم اختيارًا، وعندهم مشيئة. فهمتم هذا الآن؟ أي: هذا معنى أن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم. على سبيل المثال: أنت الآن قادر تأخذ هذا الجوال، صح؟ باختيارك، أو ليس باختيارك؟ إذن أنت لك اختيار، ولك مشيئة، تستطيع أن تخرج، تستطيع أن تذهب إلى السوق، تستطيع هذا بإرادتك وقدرتك ومشيئتك، لكن هذا تابع لمشيئة الله. يعني: ما تم منك هذا العمل إلا وقد شاءه الله. فإن لم يشأه الله عز وجل ما تستطيع أن تفعله. لو أنت قلت: "إن شاء الله سأخرج إلى السوق"، أنت الآن شئت هذا، لكن هل يقع أو لا يقع؟ هذا تحت مشيئة الله. قد تأتيك صوارف تمنعك من الخروج: يأتي رياح شديدة، يأتي مطر، يأتي ظرف يغير رأيك، لأن الله ما شاء لك أن تخرج. إذن أنت لك مشيئة، لكن هل تنفذ هذه المشيئة أو لا تنفذ؟ هذه تحت مشيئة الله، لكن أنت لك قدرة، ولك مشيئة. فهمتم هذا الآن؟ فالجبرية اختلط عليهم هذا الأمر، قالوا: لا، الإنسان ليست له مشيئة، الإنسان ليست له مشيئة، الله هو الذي يسيره. "ليش أنت تصلي من أجل الجنة؟ إذا الله يريدك أن تدخل الجنة ستدخل الجنة، لماذا أنت تقرأ القرآن؟" وهكذا. فهمتم هذا الآن؟ فبيّن الله أن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير محصورة، كما تقدم معنا: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. أضاف المشيئة إليهم. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾. هذا أيضًا من إضافة المشيئة والإرادة إلى العبد. آيات كثيرة أضاف الله عز وجل فيها المشيئة والأعمال إلى العباد. وكما أن هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد، حسنها وسيئها، إذا اشتبهت على القدري النفاة الذين نفوا مشيئة الله، وظنوا أنها منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأن الله ما شاءها منهم ولا قدرها، كُذِّبَ عليهم الآياتُ الكثيرةُ الصريحةُ بتناول قدرة الله لكل شيء: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. تُتْلَى على أو تُتْلَى على القدري مثل هذه الآيات، فإنها قاصمة له. وأن الله خالق كل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ومن ذلك أعمال العباد، وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فمشيئتهم تحت مشيئة الله، أثبت لهم مشيئة لكنها ناقصة، ما كل ما يشاءه العبد يناله، لأنه تحت مشيئة الله. فإذا شاء الله ذلك الذي شاءه العبد وقدره، فإن هذا العبد يستطيع أن يحقق هذه المشيئة. قال: "ومن ذلك أعمال العباد، وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين". وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، التي جاءت في إثبات المشيئة لله، والتي جاءت في إثبات المشيئة للعبد، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وأنها لا تتنافى، ما في هناك تنافٍ ولا تضاد ولا تعارض. فهي واقعة منهم، وبقدرتهم وإرادتهم بأعمالهم، والله تعالى خالقهم، وخلق قدرتهم وإرادتهم. وما أُجْمِل في بعض الآيات فُسِّرَ بآيات أخر، وما لم يتضح في موضع تُبُيِّنَ في موضع آخر. لا بد من الجمع، كما تقدم معنا في مثلًا الخوارج: ما دليلهم على تكفير صاحب الكبيرة؟ يقولون: يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ينزلون هذه الآية على صاحب الكبيرة. طيب، ليش ما ينزلها على الكفار؟ نجمع بين الأدلة. في قول الله سبحانه وتعالى مثلًا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ﴿هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، في الكفار. ليش ما نجعلها في أمثال هؤلاء؟ نجمع بين النصوص. نجمع بين النصوص. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، نعم، فقد أخزيته بعد دخوله النار وخلوده فيها، فهذا في الكفار، جمعًا بين الأدلة. وأما من لم يقع منه الكفر، فإن أدخل في النار فإنه يخرج منها. نجمع بينه وبين قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وأيضًا الأحاديث الواردة في الشفاعة. طيب، هم يقولون: لا، جاءت الشفاعة منفية. ونقول: جاءت الشفاعة مثبتة، فيكون هناك الجمع. الشفاعة المنفية: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾، هذه منفية. طيب، جاءت آيات فيها إثبات الشفاعة، لكن بشروط وقيود. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾. إذن ما في متشابه في القرآن، وإنما المراد الجمع بين الأدلة وبين الآيات. فقوله سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَقُولُونَ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. يجمعون بين الأدلة، ويعتقدون اعتقادًا جازمًا أنه لا تعارض في القرآن. حتى طالب العلم إذا أشكل عليه شيء من القرآن، وما استطاع أن يجمع بينه، يقول: "كل من عند ربنا"، ويعتقد أنه ليس تعارض في القرآن، وأنه إنما ضعف علمه، ما استطاع أن يصل إلى الدليل الآخر الذي يجمع بين هذه الآية التي أشكلت عليه، وبين كذلك الآيات الأخرى. فهذه قاعدة مهمة جدًا، يرد بها أولًا على كل مبطل. أي مبطل أتى لك بإشكال في آية، قل له: أولًا نعتقد أن القرآن ما فيه تعارض، ثم يرد عليه بما أورده العلماء. والعلماء قد بيّنوا في هذا: "إيهام الاضطراب" للشنقيطي، وغيرها، جمعوا بين الآيات التي أوردها بعض الناس، وظنوا أن فيها يعني تشابهًا، أو فيها اضطرابًا، أو فيها تعارضًا، فرد العلماء عليها. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، إلى هنا، والله أعلم. اشتركوا في القناة.