الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع على وجوب قول المعلم "الله أعلم" عند سؤاله عما لا يعلم مستدلاً بالقرآن وأثر ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وسلم. يبين أن هذا القول ليس نقصاً بل دليل على الدين والتحري وطلب الحق.
يستعرض المقطع مواقف علماء كأبي حنيفة ومالك وابن باز في قول "لا أدري" و"الله أعلم" عند الجهل. يوضح أن ذلك من علامات الفقه والثقة داعياً طالب العلم للاقتداء بهم وتجنب التكلف.
يربط المقطع بين قول "الله أعلم" في العقيدة الطحاوية وفوائد توقف المعلم عن الجهل. يذكر أن ذلك يؤدي الواجب ويسرع حصول العلم ويدل على الإتقان ويؤثر تربوياً في اقتداء التلاميذ.
يبرز المقطع كيف أن ورع العالم وتواضعه ظهرا في اعترافه بالجهل بقوله "الله أعلم" أو "لا ندري". يختم بأن ذلك كان درساً نافعاً للمستفيدين وانتهى الحديث بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «ومن أعظم ما يجب على المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم». قال: وليس هذا بناقص لأقدارهم، بل هذا مما يزيد خطرهم، ويستدل به على دينهم وتحريهم للصواب، وكون الشخص إذا سئل عما لا يعلم فيقول: الله ورسوله أعلم. حمل بعضهم ذلك على ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد وفاته فيقال: الله أعلم. وبعضهم أجاز أن يقال: الله ورسوله أعلم، إذا كان السؤال عن أمر أو مسألة شرعية، فأجاز بعضهم أن يقال: الله ورسوله أعلم. والأصح كما سبق هو أن يقول: الله أعلم. وما أعظم هذا الأدب الذي يجب أن يتحلى به المعلمون إذا سئلوا عن شيء، أن يردوا الأدب إلى الله تبارك وتعالى، وألا يقول أحدهم على الله ما لا يعلم. فإن ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. وجاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «أيها الناس، من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم». قال: فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. ومن التكلف - يا إخوان - أن الإنسان يقول على الله عز وجل بغير علم، بغير علم. وهل يعتبر نقصاً في الشخص إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم؟ ليس بنقص. فنبينا صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل قال: «أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»، قال: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». بل ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. وهكذا في قصة أصحاب الكهف: كم عددهم؟ قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾. وكم المدة التي لبثوا في غار الكهف؟ قال الله عز وجل: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾. ولهذا جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما أبردها على قلب العالم أن يقول: الله أعلم، لما لا يعلم». أما المتعالم فما أحلاها على قلبه. والإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: «من فقه العالم أن يقول: لا أعلم». ولهذا ذُكر في ترجمة الإمام مالك رحمه الله تعالى أن رجلاً قدم إلى المدينة من مكان بعيد، معه أسئلة يريد أن يسأل إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله تعالى. وكلما سأل الإمام مالك، قال مالك: لا أدري. سأله مسألة أخرى، قال: لا أدري. مسألة أخرى، قال: لا أدري. قال: يا إمام، ماذا أقول للناس؟ ماذا أقول للناس؟ قال: ارجع إلى رحلك، وقل لهم: مالك يقول لا يدري، مالك يقول لا يدري. ما كانوا يتحرجون من كلمة: لا أدري، أو: الله أعلم، بل كانت رفعة في حقهم، وجعلت المسلمين يثقون في علمهم. كم كان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يُسأل فيقول: لا أدري، الله أعلم. وهكذا أيضاً غيره الشيخ عبد المحسن العبيكان حفظه الله تعالى، إلى وقت قريب كان يدرس في المسجد النبوي، وكان يُسأل عن أسئلة فكان حفظه الله تعالى يقول: لا أدري، وكان يقول: لا أدري. فهذا يا إخوان من الأمور التي... التي ينبغي أن يحرص عليها المتعلم اليوم، ليس العالم فقط، بل ربما طالب العلم، ربما يحتاج أن يقول بغير علم: لا أدري، فيجره ذلك أن يأتي بكلمة من هنا وكلمة من هنا، لكي لا يظن الناس أنه لا يدري، لكي لا يظن الناس أنه لا يدري. ولهذا يا إخوان، إمام الطحاوي رحمه الله تعالى ذكر في عقيدته العقيدة الطحاوية: «ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا، ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر». وشاهدوا من هذا أنه جعلها من عقيدة أهل السنة: أنهم يقولون فيما اشتبه عليهم: الله أعلم. ونبي صلى الله عليه وسلم لم يُسأل عن أعمال المشركين، فأجاب عليك الصلاة والسلام بقوله: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. فهذا من الأدب العظيم الذي يجب أن يحرص عليه المعلم، وأكد أيضاً أن يحرص عليه المتعلم. قال رحمه الله تعالى: «وفي وقوفه عما لا يعلم فوائد كثيرة»، أي: توقف المعلم عما لا يعلم، فوائد كثيرة. قال: منها أن هذا هو الواجب عليه. ومنها أنه إذا توقف وقال: لا أعلم، فما أسرع ما يأتيه علم ذلك، إما من مراجعته أو مراجعة غيره. فإن المتعلم - أي الطالب - إذا رأى معلمه توقف عن الجواب، اجتهد في تحصيل علمها وإهداء المعلم بها، فما أحسن هذا الأثر، فما أحسن هذا الأثر. قال: ومنها أنه إذا توقف عما لا يعرف، كان دليلاً على فطنته وإتقانه فيما يجزم به من المسائل، حين يقول في بعض المسائل: لا أدري، أو لا أعلم. إذا ما تكلم به سابقاً فهو من العلم الذي يعلمه ويضبطه، ويضبطه. قال: كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم، كان ذلك داعياً للريب في كل ما يتكلم به، حتى في الأمور الواضحة، حتى في الأمور الواضحة. قال: ومنها أن المعلم إذا رأى منه المتعلمون توقفاً عما لا يعلم، كان ذلك تعليماً لهم ورشاداً إلى هدي الطريقة الحسنة، والاقتداء بالأحوال والأعمال أغلب من التوقف بالأقوال. وقد سبق إلى إخوان أن التلاميذ والطلاب يستفيدون من أفعال المعلم ومن سمته وهيئته، لربما أكثر مما يستفيدونه من كلامه وموعظته. ومن ذلك أنهم إذا رأوا منه ورعاً، وهكذا رأوا منه تواضعاً، أن إذا سئل عن شيء لا يعلم فقال: الله أعلم، أو قال: لا ندري، كان ذلك من الدروس النافعة التي استفادوها منه. طيب، انتهينا إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.