الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام البغي ومسوغات القتال، مع التركيز على حادثة أسامة بن زيد وقتله رجلًا قال لا إله إلا الله، موضحًا مفهوم الاجتهاد والخطأ ومتى يعذر الإنسان.
يفصل هذا الفصل موانع تطبيق الوعيد والوعد في الشريعة الإسلامية، مشيرًا إلى دور الجهل والتوبة والاستغفار والحسنات في تغيير الأحكام، ويؤكد على أهمية التوازن بين الرجاء والخوف.
يناقش هذا الفصل أخطاء العلماء والأئمة في مسائل الاجتهاد والفتوى، موضحًا أسباب الخطأ واحتمالية الأجر على الاجتهاد ودور التوبة والحسنات في التكفير عن الذنوب.
يختتم هذا الفصل بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على انتهاء الحديث حول الموضوع المحدد وأن العلم الحقيقي عند الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في السبب العاشر، وما لحق ذلك من بعض المسائل التي توضح بعض ما يتعلق بما يقع من خلاف بين أئمة الأعلام. ما هو السبب العاشر؟ السبب العاشر أحسن، أرفع صوتك، أحسن، وجود معارضة بما ظاهره يخالفه من قول غيره. ثم ذكر أمثلة لأوجه هذه المخالفة لضعف أو نسخ أو تأويل ونحو ذلك. ومرت معنا أمثلة لذلك. من يذكر لنا مثالًا؟ مثلًا، ما في مثال، فوقه قاعدة، مثل اليمين والشاهد بمعارضة الكوفيين بتفرد الحديث بما يظنون أنه مخالف للقرآن. نعم، أهل مدينة وأهل مكة ونحو ذلك. ومما مر معنا من المسائل مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، مما هو تبع لهذا الباب، ما ذكره رحمه الله تعالى، وهو مما يقع به الإعذار، مما يكون له فيه شبهة. وهذه الشبهة قد تكون بسبب اختلاف المدارك. ذكر أسبابًا أخرى، منها ما يكون خلاف بسبب اختلاف المدارك، أو شيء آخر. نعم، اختلاف المدارك واحد، وهو اختلاف الفهم. وكذلك قد يكون بسبب شيء آخر. من يعطينا مثالًا؟ طيب، نبدأ بالأمثلة ثم ندخل بالذي بعده. مثال اختلاف الفهم بعهد الصحابة، لم نمثل بهذا، لكن نريد أوضح منه. هذا واحد، لكن نريد بين الصحابة خلافه، حصل خلاف في فهم نص. نعم، هذا نفس المثال، أنه واحد خالف النص، نريد أكثر من واحد. الثلاثم، أحسن، لا يصلي أحدكم العصر إلا في بني قريضة، فمثل هذا يدل على أنهم اختلفوا في فهم الحديث، فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم من صلى حين وصل، ولو خرج الوقت. ولا شك أن الصواب مع واحد من الفريقين، ومع ذلك لم ينكر على أحد في هذا. وقد يكون معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، فقد يكون معذورًا إذا كان عنده جهل أو مانع من الفهم، وبدل وسعه في ذلك. وقد لا يكون معذورًا، مثل ماذا؟ مثال لغير المعدور. شيء آخر، نعم، قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما دواؤهم السؤال، هذا هو الشاهد. العي هو الجهل وعدم العلم، فلابد ألا يتكلم الإنسان في شيء من العلم غير علم، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «إنما العلم آية ناطقة أو سنة ماضية أو لا أدري». فمن لم يعلم، من العلم، أن يقول: «الله أعلم». فلا ينبغي للإنسان أن يخوض في شيء لا يعلمه. فمن خاض في شيء لا يعلمه، فقد وقع في ما يوقع الإثم في فعلته ذلك. ولذلك يترتب على من فعل ذلك العقوبة في الدنيا والإثم في الآخرة. متى يحمل الإثم ومتى لا يحمل الإثم؟ عند من اجتهد فأخطأ، فأكل مال الناس، ليس عليه إثم ولا عقوبة. وكذلك صح، قال رحمه الله تعالى: وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودًا ولا دية ولا كفارة لما قتل الذي قال: «لا إله إلا الله» بغزوة الحرقات. والحديث في الصحيحين عن أسامة نفسه رضي الله عنه، أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى الحرقة. قال: «فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحق رجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشوه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصار عنه، أما أسامة فإنه لم يتركه، طعنه برمحه حتى قتله». فلما قدما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه، قال: «يا أسامة، قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: «إنما قالها متعوذًا». فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يكرر عليه: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» وفي رواية: «أشققت عن قلبه؟» الشاهد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة في خطأه هذا، لأنه أخطأ في نفس. ولكن مع ذلك ما عقبه، ولا من باب أولى أنه ألزمه بشيء من القصاص ونحوه. فلم يجعل له عقوبة، لأنه أخطأ في اجتهاده. قال رحمه الله تعالى: فإنه كان معتقدًا جواز قتله، بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح، مع أن قتله حرام. كيف علمنا أنه حرام؟ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تصنع بلا إله إلا الله؟ وأقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ أشققت عن قلبه؟» ومعناه: أن من أظهر لنا الإسلام، فإننا نقبل له منه هذا الظاهر، ولو كان قالها متعوذًا. نترك الباطن إلى الله، تعظيمًا لكلمة لا إله إلا الله، ولذلك إعانة الناس على التوبة والرجوع إلى هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء، في أن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ، لم يضمن بقود ولا دية ولا كفارة، وإن كان قتلهم وقتالهم محرمًا. أهل البغي من قاتل بشبهة. ومن أحكام هؤلاء: أنهم لا يبدأون بالقتال، فلا نستشرف قتال هؤلاء، ندفع شرهم بغير القتال. فإن بدأوا بالقتال، كذلك إن استطعنا أن ندفع شرهم بغير القتال فعلنا. وهذا الثاني: أننا ندفع بالأخف ثم الأشد. وإذا وقع قتال، فروا، فلا يطارد الفار منهم. ومن مسائله كذلك: من جرح منهم أو أسر، فإنه لا يجهز عليه. يعني لا يقتل، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم. فهؤلاء الأصل فيهم العداوة، ولكن له شروط، وفيه تفصيل. من هذه الشروط: أن توجد كما قال عندهم شبهة، مثل ما وقع لأسامة، ظن أن إسلام هذا الإنسان غير صحيح. فقد تكون عند بعض أهل البغي شبهة، أو حصل لهم خطأ أو جهل في بعض المسائل. ففي مثل هذا يُعذرون. هذا وجه، الوجه الثاني: أنه إذا لم يكن عندهم ما يُعذرهم، فكان بغيًا محققًا، فإنهم يُعاقبون. ولكن قد تُترك هذه العقوبة لدفع مفسدة أكبر. فلذلك يُراعي الإمام هذا من السياسة الشرعية، المصلحة من المفسدة. فتُدفع أكبر المفسدتين بأقلهما شررًا وضرًا. وكذلك تُطلب أعلى المصلحتين إذا تعارضت المصالح. فهذان أمران يحصل بهم الاستثناء في مثل هذه الحالة في قتال البغي. قال رحمه الله تعالى: وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد، لا يحتاج أن يُذكر بكل خطاب، لاستقرار العلم به في القلوب. كما أن الوعد على العمل مشروط بإخلاص العمل لله، وبعدم حبوط العمل بالردة. ثم إن هذا الشرط لا يُذكر بكل حديث فيه وعد. ثم هو حيث قدر قيام الموجب للوعيد، فإن الحكم يتخلف عنه لمانع. وموانع لحوق الوعيد متعددة عندنا. وعد وهو الثواب، ووعيد وهو العقاب. فيقول رحمه الله: هذه الأمثلة التي ذكرها، وهو عدم لحوق الوعيد فيما استحق في الظاهر الوعيد، لوجود مانع. لوجود مانع، من هذا المانع وجود الشبهة، كما أن من المانع الخطأ، كما أن من المانع الجهل. فإذا وجد الجهل، يُعذر، ولهذا قد يُعذر حديث العهد بإسلام، ومن في بادية نائية. ولا يُعذر من هو قديم في الإسلام، وفي الحاضرة. وذكر العلماء لهذا أمثلة. روى ابن عساكر بإسناد صحيح: أن بعض الصحابة خرجوا للجهاد في الشام، فخرج معهم بعض من حديث عهد بإسلام. فتذاكروا وهم يحرسون في الليل بعض مسائل العلم، ومما تذاكروا الزنا وتحريم الزنا، ووصف الزنا. فقال واحد ممن معهم: «والله ما علمت بأن الزنا محرم إلا الآن، زنيت أمس». قفز فوقه الصحابة، مسكوه، فقالوا: «أنت زنيت؟ نقيم عليك الحد». فبلغ ذلك القائد، فأمرهم بالتوقف، ورفعوا هذا لعمر رضي الله عنه. قالوا: «قبضنا على رجل معنا زنى بالأمس، وهو معنا في الجهاد». فلما بلغ عمر، قال: «عذروه في هذه، وبعدها إن زنى فأقيموا عليه الحد». لماذا أمرهم بالعذر في الأول؟ لأنه حديث عهد بإسلام. وقال لهم: «والله ما علمت إلا الآن، ما علمت أن الزنا محرم إلا الآن». يعني: توًا أنا أعلم هذا. فهذا عذر له، أنه جاهل. ما أن الزنا معلوم عند كل مسلم، أنه محرم. لكن حديث عهد بإسلام، يُعذر في هذا. إذا قال: أنه جاهل بهذا الأمر. ولكن عمر رضي الله عنه قال: «فإن عاد إليه مرة أخرى، فأقيموا عليه الحد». إذن المانع ما هو هنا؟ الجهل. لم يقم عليه الوعيد بسبب الجهل. فهنا يشير شيخ الإسلام: أن حصول الثواب، وهو الوعد، أو الوعيد، وهو العقاب، يترتب إذا انتفت الشروط. فمثلًا ليس كل عمل صالح يستوجب الثواب عند الله، إذا لم تستوفي الشروط. والذي لا يخلص لله، أبطل على نفسه الثواب، بقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عامل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». حتى الجهاد سبيل الله، وهو ذروة سنام هذا الدين، وأعظم الأعمال الصالحة، ومع ذلك قد يبطله الإنسان إذا كانت نيته في الجهاد ليست خالصة لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الوعيد. يعني كأنه يقول: انظروا إلى هذه الشريعة، فستجدون أنها تمشي في انتظام، وفي انضباط. فما كان في الوعيد يكون مثله في الوعيد. وهذا تقريب للمعنى. قال رحمه الله تعالى: قال: «فإن الحكم يتخلف عنه لمانع، وموانع لحوق الوعيد متعددة». منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية للسيئات، ومنها بلاء الدنيا ومصائبها، ومنها شفاعة شفيع المطاع، ومنها رحمة أرحم الراحمين. هذا في الآخرة. يريد يقول: كما وجد استثناءات لأمر الآخرة، كذلك يوجد استثناءات لأمر الدنيا. إقامة العقوبة في الآخرة لمن وقع منه الوعيد، ليس لكل أحد. فرب إنسان وقع منه ما يستحق الوعيد، لكن لا يقام عليه ذاك الوعيد، بسبب ما قد يقع من موانع. مثل أن يستغفر، أو تكون له حسنات يمحو الله عز وجل به السيئات، أو بلاء يبتليه ومصيبة تكفر عنه تلك السيئات. أو شفاعة شفيع مطاع، مثل شفاعة الأنبياء والرسل، وأهل القرآن ونحوهم. أو رحمة أرحم الراحمين، كما جاء في حديث الشفاعة: «يقبض قبضه لقوم لم يعملوا خيرًا قط». قال: «فإذا عذمت هذه الأسباب، هذه الأسباب كلها، ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد، وشرد على الله شراد البعير على أهله». فهناك يلحق الوعيد به. وهذا في غير أهل التوحيد. أما أهل التوحيد، فمآلهم بإذن الله إلى الجنة. كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن حقيقة الوعيد، بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب. فيستفاد من ذلك تحريم ذلك الفعل، وقبحه. أما أن كل شخص قام به ذلك السبب، يجب وقوع ذلك المسبب به، فهذا باطل قطعًا. لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط، وزوال جميع الموانع. وهذا الكلام مجمل. وأما من حيث التفصيل، فكل واحد بحسبه. فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بمثل هذه القاعدة، فيغفل جانب الرجاء، فيتمادى في الذنوب والمعاصي والسيئات. بحجة ماذا؟ أنه ليس كل أحد وقع فيها يستحق العقوبة يوم القيامة. لا، بل ينبغي أن يخاف. فكما أن الله غفور رحيم، فهو شديد العقاب، وسريع الحساب سبحانه وتعالى. ولكن الصواب: أن يجعل الرجاء والخوف كجناحي الطائر، لا يستطيع الطائر أن يطير بجناح واحد. فكذلك لا يبقى إيمان لمؤمن إلا بأن يجعل لنفسه من الخوف والرجاء ما يسلم له إيمانه في هذه الدنيا، وحسن عاقبته بالدار الآخرة. فإن غلب الرجاء هلك، وإن غلب الخوف هلك. ولكن الصواب: أن يجعل هذان متوازيان. كما جاءت بذلك الأدلة. بل دلت الأدلة: أنه في مواضع قد يغلب الرجاء، وفي مواضع قد يغلب الخوف. فعند المعاصي يغلب الخوف، وعند الطاعات يغلب الرجاء، وعند الموت يغلب الرجاء، ونحو ذلك. حتى يحفظه ذلك من أسباب السخط، وحتى لا يحرم نفسه من أسباب الرحمة. قال رحمه الله: وإيضاح هذا: أن من ترك العمل بحديث، فلا يخلو من ثلاثة أقسام. إما أن يكون تركا جائزا باتفاق المسلمين، كالترك في حق من لم يبلغه، ولا قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا والحكم. كما ذكرنا عن الخلفاء الراشدين وغيرهم. فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء. وإذا وقع هذا للخلفاء الراشدين، فمن دونهم من باب أولى. إذ قد يفوت بعض العلم. فكيف بمن كان حديث عهد بإسلام، أو كان في بادية نائية؟ فإنه قد يُعذر. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه ليس كل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإنه لا يُعذر فيه أحد. بل بعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة عند بعض الناس، ليس معلومًا بالدين. لماذا؟ لأنه جاهل بأصل الدين. فكيف بمسائل الدين؟ ولو كانت مما هو معلوم من الدين بالضرورة. لأن أصل الدين عنده أصلا مجهول. مثل الذي هو حديث عهد الإسلام، أو أدرك الإسلام في بلاد الكفر. أو أدرك الإسلام عند أبوين كافرين وأسر كافرة. فإن أمثال هؤلاء قد يخفى عليهم من مسائل العلم والدين ما هو عند غيره، مما هو معلوم من الدين بالضرورة. وهذا يتفاوت فيه الناس. قال رحمه الله: وإن من يكون تركا غير جائز، فهذا لا يكاد يصدر من الأمة إن شاء الله تعالى. تركا غير جائز، يعني مخالفة الدليل الصحيح الصريح. هذا لا يمكن أن يقع من مسلم، فضلا عن من؟ عن إمام. لأن كل مسلم إذا قيل له: هذا دليل في كتاب الله، سيقول: سمعت وأطعت. وهكذا كذلك من باب أولى العلماء والأئمة. وإذا وجد من يقول خلاف هذا، فهو على ضلال عظيم. قال رحمه الله تعالى: لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء، وهذا الثالث هو محل النظر والبحث والتحقيق. الذي يحتاج أن يقف فيه أهل العلم وقفة فيها شيء من الإدراك والتمحيص والفحص. قال: «لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء: أن يكون الرجل قاصرًا في درك حكم تلك المسألة، فيقول ما عدم أسباب القول، وإن كان له فيها نظر واجتهاد». أو يقصر في الاستدلال، فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته، مع كونه متمسكًا بحجة. أو يغلب عليه عادة أو غرض يمنعه من استفاء النظر، لينظر فيما يعارض ما عنده. وإن كان لم يقل إلا باجتهاد واستدلال. فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد، قد لا ينضبط للمجتهد. ولهذا فالناس يتفاوتون في هذا الباب، والمخطئ في هذا أكثر من المصيب. المخطئ أكثر من المصيب، الذي يتعجل في هذا الباب، خطأه أكثر من صوابه. قال رحمه الله: ولهذا كان العلماء يخافون من مثل هذا، خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة. فهذه الأشياء ذنوب. لماذا؟ لأنه حصل معها تقصير وتفريط. قال: «لكن لحوق عقوبة الذنب بصاحبه، إنما تنال من لم يتب». إنما تنال من لم يتب. وقد يمحوها الاستغفار والإحسان، والبلاء والشفاعة والرحمة. ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى، ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل. أو من يجزم بصواب قول أو خطأه من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفيًا وإثباتًا. فإن هذين في النار. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة». فأما الذي في الجنة: فرجل عالم بالحق، وقضى به. وأما اللذان في النار: فرجل قضى للناس على جهل، ورجل عالم بالحق، فقضى بخلافه. والمفتون كذلك. يعني مثل القضاة. فلا ينجو من القضاة إلا واحد، وهو من علم بالحق وقضى به. ولا ينجو من الاجتهاد والفتوى إلا واحد، وهو من بذل جهده واجتهد في الوصول إلى العلم، وأفتى به. فهذا هو المصيب. أما الذي أفتى بجهل، فإنه كذلك يستحق العقوبة. ونقول: يستحق، ولا نقول: يعاقب. لأن ليس كل من يستحق العقوبة، فإنه يعاقب. فهناك موانع كما تقدم معنا. من الاستغفار والإحسان بالحسنات المكفرة للسيئات، أو المصائب والبلاء التي تكفر السيئات، أو شفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين. كذلك من قضى بخلاف الحق، مثل المخالف لمذهب إمامه. لا يريد أن يخالف مذهب الإمام، يقول: هذا قول الشافعية، أو هذا قول الحنابلة، أو هذا قول المالكية، أو هذا قول الحنفية. ولا أتركه، وهو الصواب. وهذا خطأ. قال رحمه الله تعالى: لكن لحوق الوعيد للشخص المعين، أيضا له موانع كما بيناه. فلو قدر وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند الأمة، مع أن هذا بعيد أو غير واقع. يعني لا يكاد يوجد أحد من الأعيان من أهل العلم يتعمد مخالفة الصواب. قال: «أو غير واقع، لم يعدم أحدهم أحد هذه الأسباب». ولو وقع لم يقدح بإمامتهم على الإطلاق. فإننا لا نعتقد في القوم العصمة، بل نجوز عليهم الذنوب، ونرجو لهم مع ذلك على الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية. ولما أنهم لم يكونوا مصرين على ذنب. وليسوا بأعلى درجة من الصحابة. والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا والدماء التي كانت بينهم وغير ذلك. وهذه مسألة دقيقة لطيفة، وهي أننا في المسائل التي وقع فيها خلاف من بعض الأئمة، أننا نجزم أولا، وهذا هو الواجب في حسن الظن مع المسلم عموما، ومع أهل العلم على وجه خصوص. فلا نعتقد أن أحدا يتعمد مخالفة الصواب والحق. ثانيا: أنه لو قدر أنه وقع الخطأ، فإنه بين الأجر والأجرين، لأنه أهل الاجتهاد. وليس أهل الاجتهاد أهل الاجتهاد، فهو بين الأجر والأجرين. ثالثا: إن قدر أنه حصل منه تفريط، حتى وقع في هذا الخطأ، إذن هو ذنب التفريط. كما قلنا: ذنب، لكن ليس كل ذنب يستحق العقوبة. لماذا؟ لأنه قد يكون عنده استغفار، قد يكون عنده توبة، أو حسنات، أو بلاء، أو شفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين. كما تقدم معنا. ومن هو الأولى؟ عامة المسلمين، أو أهل العلم؟ أهل العلم من باب أولى. إذا كان هذا للمسلمين، فأهل العلم من باب أولى. إذن هم إذا وقع منهم شيء من ذلك، نرجو أن الله عز وجل يغفر لهم. لكن ما واجبك أنت يا أيها المسلم؟ هل تتابع هذا الإمام على الخطأ؟ لا، لا يجوز لك أن تتابعه على الخطأ. بل الواجب أن تأخذ بالصواب، والدليل الذي علمت. الأمر الثالث: أنه لو جوز أنه وقع منه الذنب الحقيقي، ليس فقط التفريط. الذنب الحقيقي، وهذا لا يسلم منه أحد. كما قال رحمه الله: ما ندعي العصمة لأحد إلا الأنبياء. فإنه لا يسلم أحد. ومع ذلك نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. فإذا وقع مثل ذلك، نقول: فنرجو لما اختصهم الله من الدرجات والأعمال الصالحة والأحوال السنية. وهذا حال أهل العلم. حسناتهم أكثر من سيئاتهم، إن وجد عندهم سيئات. أن الله عز وجل يظهر لهم، ويتجاوز عنهم بذلك. ثم قال: ولما أنهم لم يكونوا مصرين على ذنب. وليسوا بأعلى درجة من الصحابة. يعني وقع بالصحابة بعض ما هو خطأ، رضي الله عنهم أرضاهم. ولكن كما قال ابن القيم رحمه الله: أنهم كالبحر، البحر ما وصفه هو الطهور ماؤه، الحل ميتته. وكما قال ابن القيم كذلك رحمه الله: الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. يعني معناه: أن الصحابة أعمالهم الصالحة كثيرة، فما وقع منهم من خطأ، تغمر في بحور حسناتهم، وتضيع في بحور حسناتهم. النجاسة إذا وقعت في البحر، هل تنجس البحر؟ ما تنجس البحر. وهكذا الأعمال الصالحة عند الصحابة، بحور، تضيع فيها السيئات، إن وقعت منهم سيئات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.